Friday, February 15, 2008

في سنويــــــة الجمــــــــري

في سنويــــــة الجمــــــــري
عفاف الجمري

حققت انتفاضة التسعينات نجاحاً سياسياً كبيراً وباهراً بسبب عوامل عدة أحرى بنا أن نراجعها للاستفادة. ولا أدل على هذا النجاح من التأييد العالمي لها، بل حتى الخليجي الشعبي والرسمي والصحافة الكويتية - خصوصاً - قد ساندت الحركة المطلبية مثل مجلة «الطليعة»/ هذا غير تحرك وجهائها وبرلمانيها. والأهم هو مساندة الصحافة الغربية والبرلمان الأوروبي الذي يعتبر بحق حدثاً استثنائياً، فهناك كثير من القضايا العادلة في العالم، وشعوب تباد بأكملها من دون أن تتمكن من الحصول على مثل هذا التأييد، وهذا النجاح يتعلق بعدد من الأمور أهمها: عدالة القضية، اعتدالها، معقولية مطالبها، منطقيتها، وقابليتها للتنفيذ والإجماع الوطني عليها، وعدم منافاتها للأجندة الدولية.
والنقطة الأخيرة هذه تعتبر مراعاتها من الذكاء السياسي، حيث أي طرف ذكي في أي صراع يريد أن يكسب الرأي العام الدولي لجانبه (حيث هو الوسيلة الفاعلة للنجاح السياسي وهو ما حدث) فإنه يستهدف المطالب التي تلقى الإجماع الدولي. من أمثلة الصحافة الغربية المساندة للحركة الدستورية: صحيفة «ذي اندبندنت»، «تايمز»، «ذي غارديان»، «ذي سن»، «لوموند»، «فايننشال تايمز»، «إيكونومست»، «ذي وول ستريت جورنال» والقائمة تطول. هذا غير هيئة الإذاعة البريطانية التي وقفت بكل ثقلها وكانت ترسل مراسليها لداخل المعمعة، وما كانت لتفعل ذلك لولا قناعتها بعدالة القضية، فلو كانت طائفية أو تابعة لبلد أجنبي، لما فعلت ذلك. وتحت عنوان «الشعب يخاف الله ومن الشرطة»، كتبت الصحافية الدانمركية برنيلا برامينك مراسلة صحيفة «البوليتكن» في 8 يونيو/ حزيران 1996 «إن الحركة الشعبية المطالبة بالديمقراطية وحقوق الإنسان مازالت مستمرة رغم القمع، وتتصاعد تدريجياً تحت وطأة التدهور المريع في الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والأمنية، ويمكن لهذه الأوضاع أن تتطور وتصل إلى عواقب خطيرة إذا ما أصرت حكومة البحرين على رفض تحقيق المطالب الشعبية، ورفض الحوار مع المعارضة [1]».
وفي خطبة للمرحوم الشيخ عبدالأمير الجمري بتاريخ 17 نوفمبر/ تشرين الثاني ,1995 يوضح فيها سمات الحركة، وأهدافها فيقول «إخواني وأخواتي، أبنائي وبناتي.. مع التغيرات التي تشهدها المنطقة نجد أنفسنا ملزمين أن نتوقف عند بعض النقاط التي نشعر أنها تستحق التوضيح والتأكيد، دفعاً للاشتباه والالتباس، فبعض الصحف المغرضة والأقلام المأجورة تحاول يائسة في هذه الظروف أن تخلط الأوراق وتلصق التهم وتشوه الصور، قصداً منها للنيل من حركة الشعب الإصلاحية ومطالبه العادلة، وهيهات أن يتمكنوا من ذلك، وذلك لما يأتي: أولاً، إن توجه هذا الشعب مستقل ذاتي غير مدفوع من الخارج، لأنه توجه أوجدته الظروف والأوضاع السلبية المتراكمة، ولأنه توجه انطلق بدافع المصلحة العامة، رغبة منه في المشاركة الفعالة في صنع القرار السليم (...) ثانياً، إنه توجه مفتوح، عفوي، جماهيري، ليس حزبياً، أو متعصباً لأحد، يتفق ويتحد مع كل المخلصين العاملين لأجل مصلحة الوطن، فيه الإسلامي والوطني، الشيعي والسني، بعيداً عن الطائفية والقبلية، فأنا وأنت أبناء وطن، وأتعامل مع كل التوجهات في قضية وطن، الهموم والآمال والأهداف واحدة، لأنها للوطن، والكل مسؤول عن مصلحة وطنه وبلده، والعريضة الأولى عام ,1992 والعريضة الجماهيرية الثانية عام 1994 أكبر الأدلة على ذلك».
ويضيف «ثالثاً، إن أسلوب هذا التوجه سلمي يرفض العنف والتطرف والإرهاب، ويرفض استخدام القوة، ويعتبر الحوار الجاد المثمر هو الأسلوب الأمثل لتحقيق الأهداف العادلة، فقد استجاب توجه هذا الشعب للهدوء منذ أول يوم برزت فيه مبادرتنا السلمية، وطالبناه بالهدوء، ومازال وسيبقى محافظاً على الهدوء والاستقرار، لأنه توجه سلمي لا يريد إلا الإصلاح، وبيد الحكومة الموقرة ما وعدته على ذلك بالنظر في مطالبه وتحقيقها (...) رابعاً، إن أهداف هذا التوجه واضحة معتدلة موضوعية، لا تريد إسقاط الحكم ولا زعزعة الأمن، بل كل ما تريده تحقيق الأمن والاستقرار، وما هي هذه الأهداف؟ إنها كما أعلنت مراراً وتكراراً تفعيل الدستور، وعودة الحياة النيابية، وإطلاق سراح كافة المعتقلين، وعودة المبعدين»[2].
في حركة التسعينات دروس لكل من الحكومة والمعارضة، ففي بداية المشروع الإصلاحي أوشكنا أن نخرج من عنق الزجاجة إلى الأبد لولا الانتكاسات المتلاحقة، فأصبح الطرفان أمام تحدٍ كبير وأخطاء كبيرة، فالحكومة لديها ملفات كبيرة غير اعتيادية مخالفة للأجندة الدولية تضعف موقفها بشدة إن لم تعالجها بصدق وشفافية ولا نشير هنا إلى ملفات الفساد المالي والإداري والبطالة والأراضي، فهذه مشكلات عالمية تعالج - وإن كان ببطء - في البرلمان حتى لو لم تكن صلاحياته كبيرة. لكن ما نشير إليه هو ملف التقرير المثير، ملف الضحايا، ملف التمييز، والتجنيس، طبعاً إلى جانب ملف التعديلات غير المتوافق عليها. وما يزيد في صعوبة موقف الحكومة هو أن المعارضة أصبحت معارضتين: مشاركة ومقاطعة، وهو ما يشتت موقف الحكومة تجاهها وكلما ضيقت السبل أمام المعارضة المشاركة كلما زادت خيبة المعارضة المقاطعة، خصوصاً أن غالبيتها من الشباب المحروم اليائس، والذين يصعب السيطرة عليهم، خصوصاً في ظل عدم توحد القيادة كما كان سابقاً، وأن مواجهتهم بالعنف لا تؤدي إلا إلى عنف مضاد، يعيد البلد إلى المربع الأول.
هذا من جانب الحكومة. أما من جانب المعارضة (المقاطعة) فإنها أمام تحدي إثبات سلميتها أمام الرأي العام العالمي، وأنها ذات مطالب عادلة وليست إرهابية. وعليه، فإن الحوادث الأخيرة يتطلب علاجها الروية والعقل النابعين من الحرص على الوطن ولا أقل من فتح تحقيق نزيه ومحايد في ظروف وفاة الشاب المرحوم علي جاسم وتحميل الطرف المسؤول التبعات من تعويض عادل وغيره، إضافة إلى - وهو الأهم - فتح حوار جاد مع المعارضة ممثلة بأطيافها كافة، فلا ينفع الحكومة الهروب أو الالتفاف على حل المشكلات الرئيسة إنما الأولى مواجهتها بشفافية وجدية ووضع الحلول لها، كذلك المعارضة أمام تحدٍ كبير، فهي تحتاج إلى رص صفوفها والابتعاد عن كل ما يفرقها والالتفاف حول أجندة وطنية تكون محل إجماع، سواء بين الذين دخلوا البرلمان أو الذين خارجه، فلن تكون لهم كلمة مسموعة ما لم يتوحدوا ويتراصوا، وأن يحافظوا على سلمية الحركة.
[1] صحيفة «بوليتكن» الدانمركية، 1 يونيو/ حزيران .1996
[2] راجع: «دعاة حق وسلام»، ص ,45 يتضمن خطباً للراحل الشيخ عبدالأمير الجمري وبيانات ووثائق عن حوادث التسعينات.

ذكراك جمر ياأبي

ذكراك جمر ياأبي



أغبط سيدتي الزهراء على أمر- و كل ما لديها تغبط عليه – و لكنني أغبطها على أمر يهمني بقوة ، و هو لحوقها بأبيها سريعا ، نعم ذقت يا سيدتي المرارة التي ذقتها – مع فارق عظمة الشأن لديكم آل البيت – و أصبحت لا شعوريا استخدم نفس كلماتك - سيدتي – للتعبير عن حالي فأقول :( أصبحت بين كمد و غم ) ،فسلام الله عليك و على أبيك و آله الطاهرين و الطيبين .

حبيبي يا أبي :كلماتك لازالت تشنف آذاني في كل موقف و كل صغيرة و كبيرة و لا زلت أهتدي بها غير جملة واحدة كنت تقولها عندما كنت تذكر فارق رقة القلب لدى الآباء على الأبناء عنها لدى الأبناء على الآباء فتقول :( لأنهم منا ، و لسنا منهم) ،أجد نفسي مضطرة أن أصحح و أقول : بلى يا أبي إن رقة قلبي عليك بمستوى رقة قلبك علي ،و لو لم أعرف جياشة عاطفتك لقلت أكثر ، إنني أبكيك بكاء الثكلى و أحن عليك كما أحن على ابني كلما تذكرت معاناتك على مر السنين من الجور الذي أعلم كل دقائقه منذ سنين مما لا يعلم الناس عنه إلا القليل ، و يبقى رصيدا لك في كتابك ، و جمرا لي في قلبي لايفتر أبدا ، أبكيك أبا و ابنا و صديقا و حضنا و ملاذا و درعا و موجها و ملهما و مربيا ، كنت و لازلت عيني التي أرى بها و سمعي الذي أسمع به و لساني و يدي ، كنت ماضي و حاضري و مستقبلي ، لم أكن أتصور الدنيا بدونك ، منذ أن كنا صغارا في النجف عندما كنت في وقت الوجبة تعمل لنا سباقا أنا وإخوتي تجهز لقمة بيدك و تسميها (بيضة حمام) نركض بعيدا و نأتي مسرعين لنلتقمها لنعود بعد ذلك ، تمزج اللقمة بالغذاء الروحي بتوجيهاتك الجميلة الممزوجة بالعاطفة بالغذاء الفكري الذي تخصص له وقت الفجر بعد الصلاة ، و استمررت بذلك حتى آخر لحظة من حياتك حتى أصبحنا من شدة التمازج كأننا لسنا فقط أجزاء منك بل أنت ولا نقوى على الشعور بخلاف ذلك. جرحك يا أبي طري في قلبي و سيبقى لا يلتئم أبدا و لو كان الفراق لكفى ، و لكن ما يدميه دوما هو كل الألم و العذابات التي عانيتها على المدى الطويل الطويل من القريبين و البعيدين ناهيك عن رموز الظلم الكبرى ، غير أن ما قد يخفف نوعا ما من لوعة هذا الحزن هو مشاركة أبنائك من الشعب لنا هذا الحزن ،الشعب الذي أحببته من كل قلبك و عاملت أبناءه كما تعامل أعز أبنائك إن لم يزد ، ففي كل العروض التي عرضت عليك ، أن تستلم أبناءك الذين أخذوا كرهينة في مقابل التنازل عن أبناء الناس كنت ترفض بإصرار و تقول الشعب كلهم أبنائي ، كنت تضحي بكل أوقات راحتك و راحتنا – حيث تضمنا في كل أعمالك- لأجل خدمة الناس ، و إذا دار الأمر بين تقديم المنفعة لأحدنا أو لأحد من أبناء الشعب ، كنت تقدمه علينا حتى أننا نتبرم – لجهلنا – في بعض الأحيان ، و لكننا الآن نرى أن الذين شاركونا في أبوتك بل زادوا علينا ، شاركونا أيضا الآن في الحزن عليك و في الإصرار على المضي في الدرب الذي بدأته فجمعتنا في حياتك وجمعتنا في مماتك و أحرقت شمعتك لتدشن سلوك درب الجهاد ، فسلام عليك حيا و سلام عليك مع الصديقين و الشهداء ( و حسن أولئك رفيقا).

ابنتك الملتاعة : عفاف

منقول

ذكريات غير متناثرة من النجف الأشرف
الوسط - منصور الجمري
ذكريات النجف كثيرة، وهذه ستكون الحلقة الأخيرة... لقد كتبت الذكريات بشكل متناثر من دون تسلسل زمني؛ لأن الفكرة لم تكن لتسجيل ذكريات بتواريخ، وإنما استذكار جوانب مما كانت عليه مدينة النجف الأشرف في فترة مهمة كانت شهدت مجيء حزب البعث إلى الحكم في العام 1968. ما قبل تلك السنة لا أتذكر الكثير، كل ما أتذكره أنّا كنا نعيش في منزل آخر في حي العمارة (قبل الانتقال إلى حي الحويش لاحقاً)، وكان المنزل الأول في عقد (تقاطع) أبو الطابو... كنت صغيراً حينها، والذكريات ضعيفة... ولكني أتذكر شكل المنزل وكان لدينا جار اسمه «أبومفيد» وهو الشيخ حميد الإحسائي. وذات مرة كنت أمشي مع الوالد وفقدت الوالد وضللت الطريق.

وأثناء المشي في الطريق العام رأيت شخصاً اعتقدت أنه جارنا آنذاك الشيخ حميد الاحسائي (أبومفيد)، فتوجهت اليه وأمسكت بيديه للمشي باتجاه منزلنا... وفعلاً، وصلت إلى المنزل وكان الوالد - رحمه الله - خائفاً على مصيري، وسألني أين كنت وكيف جئت، فقلت له إني رأيت أبومفيد ومشيت معه إلى المنزل. ولكن الوالد استفسر من أبومفيد، واتضح من الحديث معه أنه لم يكن الشخص الذي مشى معي حتى اقتربت من المنزل، وكان شخصاً آخرَ من أهل الخير.

عندما كنا في «عقد أبو الطابو» سكن معنا عمي محمد - أخو الوالد ويكبره بسنتين ربما - وكان نجاراً ماهراً ويعمل في «بابكو»، ولكن الشركة أقالته لأنه أصيب بمرض الصرع، وهذا أثر كثيراً على نفسيته، فدعاه الوالد إلى السكن معه في النجف، وكان يقضي كثيراً من وقته في نجارة أبواب المنزل واحتياجاته، شريطة عدم وجودي بجنبه، إذ كان يصرخ عليّ كلما اقتربت من أدواته التي كان يعزها كثيراً.

عندما انتقلنا لاحقاً إلى عقد (تقاطع) السيد أبو الحسن في حي الحويش، كان الوالد أيضاً يجلب أحد أفراد الأسرة ليعيش معنا في هذه السنة أو تلك. وكانت جدتي (أم والدي) واسمها «طيبة» قد سكنت معنا مدة عام، وكانت طيبةً على اسمها، والوالد كان يحبها كثيراً ويلبي احتياجاتها. أيضاً سكنت معنا بنت عمي علي (مريم) مدة عام، ولكنها كانت تشتاق إلى البحرين كثيراً، وكانت بين الفترة والأخرى تقفل الباب لتبكي حسرةً على فراقها البحرين. وسكنت معنا خالتي (نجاح)، ودرست مدة عام واحد في مدرسة ابتدائية للبنات، مع أختي عفاف، وكانت المدرسة خاصةً وكانت تديرها الشهيدة بنت الهدى، أخت الشهيد الإمام محمدباقر الصدر.

في عقد (تقاطع) أبو الحسن (في الحويش) أتذكر أكثر لأني أصبحت أكبر عمراً هناك... أتذكر أنه كان يأتي عصر كل يوم بائع الآيسكريم أبوسهيلة، ويوقف عربته وينادي بصوت جميل، ونذهب لنشتري منه الآيسكريم. وسألته كيف يصنع ذلك الآيسكريم اللذيذ الذي يسميه العراقيون «دوندرمه»، فأخبرني كيف أصنعه بأسلوب مصغر. قال لي: «خذ «قوطي» كبيراً، وضع داخله «قوطي» أصغرَ منه. املأ الفراغ بين القوطيين بالثلج، وضع ملحاً فوق الثلج كيلا يذوب بسرعة. وضع داخل القوطي الداخلي حليباً وشكراً وماء ورد مقطراً، ثم اقلب القوطي الداخلي بسرعة حين تواصل (خوط) الحليب إلى أن يتحول إلى «دوندرمه»... هكذا كما أتذكر، ولقد جربتها آنذاك وتشكّل لي شيئاً يشبه «الدوندرمه»، ولكنه أبداً لم يكن مثل الذي كان يصنعه ويبيعه أبوسهيلة، ولم أواصل هواية صناعة «الدوندرمه» لأنها بدت لي متعبة، وبعد كل الجهد ينتج شيء بالكاد يكون قابلاً للتذوق!

كانت إحدى العوائل التي تسكن بالقرب منا يسمونها عائلة أبو الشربت؛ لأنهم كانوا يصنعون الشربت (شيء يشبه شراب الكراش البرتقالي ولكن من دون غاز)... وكانوا يبيعونه في سوق الحويش. كانوا يملأون القناني بالشربت، ويغلقونها بالفلين (خشب مضغوط ومرن قليلاً)، ومن ثم يضعون القناني في حاوية مملوءة بالماء والثلج. يسحبون تلك الحاوية الى سوق الحويش ويبيعون الشربت البارد على المارة بالقرب من الجامع الهندي. وكنت بعض الاحيان امشي معهم الى مكان البيع، وكانوا يمارسون المهنة كعائلة (الأخ الأكبر يأمر والأخ الأصغر ينفذ)... ومرة وصل الأخ الأصغر بالحاوية وعندما بدأ يبيع القناني اكتشف أن مغالق الفلين لم تكن محكمة ونقص مستوى الشربت منها... وبدا خائفاً من أخيه الأكبر، فما كان منه إلا أن قام بملئها بالماء المثلج الموجود بالحاوية (وهو غير نظيف لأنه يضع يده فيه ويسحب كل مرة قنينة عندما يبيعها على أحد المارة). رأيته يصنع ذلك، وقلت له: «كيف تفعل ذلك، فهذا غير صالح للشرب؟»... إلا أنه رد: «يابه شيوديني الحوش مره ثانيه هسه؟»... ومنها لم أشترِ منهم أي شربت... وبدلاً من ذلك كنت أشتري شربت «البلنكو»، وهو ماء وسكر وتوضع فيه حبيبات سوداء (تعتبر علاجاً طبيعياً)، وهذه الحبيبات يسميها البحرينيون «خاجة إبراهيم»... وكان سعر الكأس الكبيرة فلساً واحداً (نعم فَلس واحد فقط).

كان أحد جيراننا من بعيد يسمى أبوزهراء... ولكن الاطفال يركضون خلفه ويطلقون عليه لقب «الكحف»، بالكاف الفارسية... وهو كان (ربما) معوقاً قليلاً من الناحية الذهنية، وكان يرد على الأطفال: «والحسين أمك زانية...».

وعلى ذكر الحسين (ع)، فإن النجف تتحول إلى شيء آخر أيام عاشوراء، وكنت اشترك في عزاء للصغار وكانت لدينا «تكية»، وهي مأتم صغير، وكنا نشارك في المواكب، وهناك عدة أنواع من المشاركات. وكنت اسمع حينها رداديات غريبة، وكنت معجباً ببعضها. من تلك الرداديات في العزاء (مع الاعتذار إلى الإخوة العراقيين، ولكني اذكرها للتاريخ)... من تلك الرداديات كان الصغار يقولون: «ليش كتلته (قتلته) يا نغل يا كوفي»، وترد عليهم مجموعة اخرى من الصغار: «احنا كتلناه (قتلناه) وباللطم نوفي»!

وكنت احيانا ازور بيت أبوكاظم، وهي عائلة فقيرة (وصديقة لعائلتنا) تسكن في أطراف النجف (في منطقة منخفضة قريبة من شط، تسمى الشوافع)، وكانت ام كاظم أمية وتطلب مني ان اقرأ لها من اللطميات التي كان يحتويها كتاب لمؤلفه، كما اعتقد، كاظم المنظور... وكانت هي تستمع لما أقرأه وتبكي مصاب الحسين (ع).

وفي إحدى السنوات، قررت الشرطة منع موكب «المشاعل» دخول حضرة الإمام علي (ع)، وهو موكب يحمل مشاعلَ ناريةً، وكان العراقيون «يدبكون» مع المشاعل النارية في ليلة التاسع داخل الحرم... وحدثت تظاهرة خطيرة - لما يوجد من أدوات قاتلة لدى المعزين - الذين تحدوا الشرطة وبدأوا يهتفون: «دزوا خبر الكربلة (إلى كربلاء)، بالنجف صارت حادثة»... لم أشهد تلك الليلة العصيبة، ولكن سمعت أن المعزين أجبروا الشرطة على إعادة فتح أبواب الحضرة، وحينها هتفوا: «حيدر فتح بيبانه على عناد عدوانه».

حضرة الإمام علي (ع) هي المكان الذي أذهب إليه مع الوالد (وبعض الأحيان مع الوالدة) كل مساء لأداء صلاتي المغرب والعشاء. وقبل أن تدخل حضرة الإمام علي (ع) تعطي نعلك (أو حذاءك) لأحد الكيشوانية، والكيشواني هو الذي يحفظ النعل والأحذية أثناء دخول الزائر الحضرة. وعندما ندخل الحضرة، فالوالد عادة يصلي في المكان المكشوف، والوالدة في الداخل في المكان المخصص للنساء. وكنت أشارك الوالد في صلاته وفي أدعيته، ولكنه يطوّل كثيراً، فيتوفر لي وقت كثير للدوران داخل الحضرة. وهناك ترى كل مجموعة من الزوار يقودهم شخص يلبس طربوشاً (كشيدة) وهو متخصص في قراءة الزيارات مقابل أجر. وكنت اذهب مع هذه المجموعة أو تلك، وكانوا يقرأون دعاءً للسلام على النبي (ص) وجانب منه يقول: «السلام على البشير النذير، السراج المنير، الطهر الطاهر، البدر الزاهر، المنصور المؤيد...»، وكنت افرح كلما سمعت اسم (المنصور) يردده اصحاب الصوت الجميل، ومرة قاطعت أحدهم في قراءة الزيارة وقلت له: «أنا بعد اسمي منصور»، فغضب لأني قاطعته (وهو يتقاضى اجره من مجموعة من الزوار مقابل ما يقوم به)، وقال: «يابه وخر» (ابتعد من هنا).

قبل أن ينتهي الوالد من صلواته وأدعيته أكون قد وصلت إلى نهاية يومي، وكنت أرمي بنفسي بالقرب منه وأنام، وأحياناً أتظاهر بالنوم، فيضطر والدي إلى حملي على كتفه من الحضرة إلى المنزل... وفي حال كنت اتظاهر بالنوم، فإني استيقظ قبل أن يصل إلى المنزل، والوالد كان يقول لي: «أنا أدري انت ما كنت نايم».

حضرة الإمام علي (ع) كانت هي قطب الرحى، فالمرور بها أو حولها شأن يومي، وكنت عندما أعود من المدرسة اختصر بعض الأحيان المسافة وأدخل من بوابة سوق الكبير وأخرج من بوابة سوق الحويش... وعند بوابة سوق الكبير كان أحد الاشخاص (سمين الشكل) من الذين احتلوا منزلاً من منازل العراقيين الذين تم تهجيرهم لأنهم من أصل إيراني (العجم)... كان هذا الشخص يفترش قماشاً ويضع عليه أشياءً ويبيعها. وكنت أمقته لأنه يسكن في منزل ليس منزله أساساً، وأمر بالقرب منه وأردد: «تبة سمينة، تمن وقيمة» (ومعناها أن بطنه سمين بسبب أكله الرز وطبخة اللحم «القيمة») وأهرب، وكان يصرخ: «ابن المومن البحراني، أكمشك والله أكمشك...».

وعلى ذكر القيمة، فإنها من الأطباق المفضلة لدى العراقيين، وهي لذيذة ولا تشبه القيمة في البحرين التي أخذناها من الطبق الهندي... فالقيمة العراقية تستخدم اللحم المدقوق بالهاون، ولها طعم خاص جداً... وكان بعض الأطفال يرددون نشيداً متكرراً: «دلونا دلونا عالقيمة دلونا، صار إلنا سبع سنين وإحنا جواعى وميتين، دلونا دلونا عالقيمة دلونا» ولست أدري ما قصة هذا النشيد.

كنا (صغار السن في الحي) في منتصف شعبان نمر على المنازل (مثل قرقاعون البحرين) وأحد الصغار يحمل «دنبركة» وهي الطبل العراقي اليدوي (مصنوع من الفخار وإحدى فتحاته مغلقة بغشاء من الجلد)... وكان يضرب على الطبل اليدوي على حين يقف الصغار حوله بالقرب من أبواب المنازل ويرددون: «الله يخلي هذا البيت»، وترد مجموعة أخرى: «آمين»، إلى أن يخرج صاحب المنزل ويوزع شيئاً على الصغار.

أتذكر أن اسم الشيخ أحمد الوائلي كان كما يعرفه الجميع، مرتفعاً في السماء، وتتوافد الناس من كل مكان للاستماع إليه إذا حل في مكان ما. وانتشر في يوم من الأيام أنه سيقرأ في أحد الأماكن في النجف، وقرر أخي محمدجميل استخدام المسجلة الجديدة التي جئنا بها من البحرين لتسجيل ذلك المجلس الحسيني للشيخ الوائلي... وكانت المسجلة تبدو متطورةً جداً بالنسبة إلى ما هو متوافر في العراق آنذاك. غير أن هناك مشكلة، وهي أن الوائلي يكره المسجلات ويمنع التسجيل آنذاك. وقلنا فلنذهب ونخفي المسجلة وندخل ونسجل، وتوجهنا إلى مكان القراءة، وعندما وصلنا وجدنا الشيخ الوائلي جالساً على كرسي عند الباب يراقب الداخلين، ولم يكن بالإمكان إدخال المسجلة.

وعليه ذهبنا إلى شباك جانبي، ووقفنا إلى جنبه ومددنا اللاقط للتسجيل عندما بدأ الوائلي القراءة. ولكن المارة بدأوا يتوقفون وينظرون إلى ما لدينا وكيف نسجل، وبعضهم كان يتبرع بصوته وأهازيجه كي تدخل ضمن التسجيل، وبعد فترة وجيزة اكتشفنا استحالة تسجيل الوائلي بهذا الأسلوب وعدنا إلى المنزل من دون إكمال الاستماع اليه أو تسجيله.

مرةً كنت في مجلس الوالد - رحمه الله - وكان يتحدث مع بعض علماء الدين البحارنة، وكانوا يتحدثون عن «الأخبار» و «الأصول»... وبعد أن انتهوا سألته: «ماذا يعني الأخبار والأصول؟ ومن هم الأخباريون؟ ومن هم الأصوليون؟»، فابتسم الوالد وقال: «شيعة البحرين أكثرهم أخباريون، وشيعة العراق أكثرهم أصوليون... بس هذا الكلام لاتردده في المدرسة، هذا فقط لطلبة العلم».

الزيارة التي قام بها المغفور له سمو أمير البلاد الراحل الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة للنجف مازالت محفورةً في ذهني. فقد زار النجف الأشرف قبل إجراء الاستفتاء على استقلال البحرين (الذي أشرفت عليه الأمم المتحدة وأجري في مارس/ آذار 1970) ربما أن الزيارة كانت في العام 1968 أو بعد ذلك بقليل. فقبل إجراء الاستفتاء للتعرف إلى رغبة البحرينيين في إذا ما كانوا يودون دولة عربية مستقلة أو الالتحاق بإيران، زار الأمير الراحل النجف الأشرف والتقى الإمام محسن الحكيم الذي كان له أثر كبير على المسلمين الشيعة في جميع أنحاء العالم. ولدى وصوله إلى النجف الأشرف قام أيضاً بزيارة حضرة الإمام علي (ع) وكنت مع زوج خالتي (ميرزا سعيد العرب) مع الذين وقفوا عند بوابة حضرة الإمام علي (ع) (المواجهة للسوق الكبير) ننتظر وصول الأمير. ولكن لصغري لم أستطع رؤيته فقام زوج خالتي برفعي على كتفه إلى الأعلى لرؤية الأمير وهو ينزع سلاحه الأبيض (الخنجر) قبل دخوله الحضرة وذلك احتراماً للإمام علي (ع).

بعد سنوات من تلك الزيارة عرفت تفاصيلَ أكثرَ عمّا دار بين الإمام الحكيم والأمير الراحل عندما التقيت ابنه السيدمهدي الحكيم في ثمانينات القرن الماضي في لندن قبل أن يتم اغتياله في الخرطوم في نهاية الثمانينات. فقد كان السيدمهدي يعيش في لندن آنذاك وفي أحد اللقاءات التي جمعتني معه قال لي إنه كان المرافق الرسمي للأمير الراحل أثناء زيارته وذكر تفاصيلَ عن اللقاءات والحوارات التي دارت آنذاك.

ومن تلك الحوارات ما نقله عن تأكيد الأمير مساواته البحرينيين بغض النظر عن مذهبهم، وأن حماية الشيعة وحقوقهم أمانة يتحمّلها، ودليل ذلك - بحسب ماذكره السيدمهدي - أن الحسينية التي كانت قد شيدت في مدينة عيسى (كانت المدينة جديدة للتو) كانت على نفقة الأمير. كما أن السيدعلي كمال الدين الذي غادر البحرين في نهاية الخمسينات بعد اشتراكه في قيادة انتفاضة 1954 - 1956 استطاع العودة إلى البحرين بعد زيارة الأمير النجف. وقد رد الأمير الراحل الشكر للحكيم لاحقاً عندما أصبح السيدمهدي مطلوباً للسلطات العراقية؛ ما اضطره إلى الهروب خارج بلاده وزار البحرين واستُقبل بحفاوة، وبقي فترة وجيزة وبعدها غادر إلى الإمارات، وبقي فترةً أطولَ هناك، ومن ثم انتقل إلى باكستان، وفي مطلع الثمانينات انتقل إلى لندن، وتم اغتياله في نهاية الثمانينات أثناء زيارته الخرطوم لحضور مؤتمر.

أخبار مفرحة كانت في انتظارنا في العام 1973. آنذاك كان جدي (من طرف والدتي) الملا عطية بن علي الجمري في النجف وألح على الوالد للرجوع للترشيح للمجلس الوطني. أما أنا فكان هذا أفضل خبر تسلمته على الإطلاق، فالبحرين بالنسبة إليّ «الحرية» و «الفرح الدائم».

بدأنا ضبط أغراضنا ما استطعنا وحزمنا الحقائب واتجهنا للسفر بالطائرة بدلاً من السفر بالبر والبحر الذي كان يعتبر مجازفة في كل مرة. ففي كل رحلة برية وبحرية نمر بتجارب بعضها مضحك وبضعها مخيف ومرعب. منزلنا في النجف بقي ملكاً للوالد ولكن لانعرف عنه شيئاً الآن بعد كل ماحدث في العراق، ولانعرف ان كان قد شمله «القص» وهي الخطة التي نفذها حزب البعث لتدمير حي العمارة، وأجزاء كبيرة من الأحياء الأخرى.

تركنا النجف في 1973، بعد أحد عشر عاماً هي فترة دراسة الوالد، وأحمد الله كثيراً وأفرح كلما أتذكر خبر العودة إلى البحرين... إلى بني جمرة.

منقول

ذكريات غير متناثرة من النجف الأشرف
الوسط - منصور الجمري
حادثة أخرى مع المدرس ذاته حدثت معي. فقد قرر الوالد أن يأخذني معه إلى البحرين في فترة أحد المواسم وهذا تطلب مني أن أغيب عن المدرسة، وكان الوالد يعود إلى البحرين من أجل ممارسة مهنة القراءة في المآتم الحسينية، وهي الوسيلة التي يستطيع من خلالها توفير جانب من المال الذي يحتاج إليه لمواصلة دراسته وحياته في النجف الأشرف. عندما عدت إلى النجف وذهبت إلى المدرسة، استقبلني المدرس المذكور في اليوم الأول، وكان غاضباً مني وقال: «أين الصوغة؟»، والصوغة هي الهدية. خفت منه، وقلت له: «إن شاء الله». في اليوم التالي، جاء إليّ وكرر الطلب: «الصوغة وينها؟»... عندها أخبرت والدتي بأن المدرس سيضربني أو سيسقطني إذا لم أعطه «صوغة».

وعليه بدأنا نفكر في شيء من الأشياء التي جاء بها الوالد من البحرين لكي نعطيه المدرس. بعد تفكير طويل، تذكرت الوالدة أن أخي الأكبر محمد جميل لديه قلم حبر جلبه الوالد له من البحرين، وهو يحب الكتابة باستخدام أقلام الحبر التي كانت تحتاج إلى عناية خاصة وإلى محبرة، وشكلها من الداخل يشبه الإبر الطبية القديمة إذ إن مستخدمها يحتاج إلى شفط الحبر كلما استهلك مابها من حبر في الكتابة.

وبعد حديث مطول اقتنع محمد جميل بضرورة إنقاذ الموقف، وتخلى عن قلمه الذي كان يعزه، وجاءت الوالدة «بطاسة» ماء كبيرة، وقمت بتنظيفه عبر سحب الماء إلى الداخل ومن ثم إخراجه مرات عدة إلى أن نظف القلم من لون الحبر وبدا وكأنه جديد. في اليوم التالي ذهبت مسرعاً إلى المدرس وقلت له «تفضل هذه هي الصوغة « وفرح بالقلم كثيراً، واطمأننت على نفسي من غضبه، وهو لم يغضب مني بعد ذلك أبداً.

أتذكر أنه في تلك الفترة أيضاً كنت ألعب مع أخي محمد جميل واختي عفاف، ولكن عفاف فضلت أن تلعب مع جميل وتتركني، وقام بعد ذلك جميل بتعييري بأن عفاف تفضل اللعب معه، وهذا أدى إلى بكائي وذهابي إلى الوالدة للشكوى، وهي كانت حينها مشغولة، فقالت لي «إذا عاندك افلعه». وبالفعل، قام «بمعاندتي» مرة اخرى، وبدلاً من اللجوء إلى البكاء حملت علبة حفظ نظارات الوالد رحمه الله (وكانت من النوع الثقيل) ورفعتها عالياً ورميتها بقوة على وجهه فأصابته في جبينه وخرج الدم من موقع الضربة، وهرعت الوالدة بعد أن سمعت الضوضاء وذهبت لمعالجة جميل وإيقاف الدم من جبينه، وهي تصرخ في وجهي «ويش سويت؟»، فقلت لها «أنت قلت افلعه إذا عاندك»، فردت عليّ «ولكن مو بهذا الشكل!».

أتذكر أيضاً أنني كنت قد قررت أن أصوم وأنا في عمر التاسعة، ولكن الجوع والعطش كانا ينهكاني وأنا أحتاج الذهاب إلى المدرسة ظهراً في بعض الأيام (المدرسة مزدحمة وكنا نداوم أحياناً في الصبح وأحياناً بعد الظهر)، فحاولت الوالدة إقناعي بأن أأكل وأشرب قليلا، ولكنني رفضت، وجانب من ذلك بسبب الإصرار على المنافسة مع أخي الأكبر والأصدقاء من أبناء البحارنة في المدرسة. لكن الوالدة كانت تعد لي كأساً من «الفيمتو» وتدخلني إلى المطبخ بالخفية (لكي لايراني جميل)، وتعطيني لكي أشرب، وكنت سأقاوم الشرب، لولا أنه كان شرابي المفضل آنذاك، الفيمتو!

ومن الذكريات اشتراكي في الكشافة، ولكن الكشافة في النجف ليست كالكشافة في البحرين. فقد كانت عبارة عن تدريب على المشي العسكري على نغم الموسيقى العسكرية مع أوامر تصدر بوسيلة «الصراخ المرتفع» من الأستاذ المسئول «يس... يم»، بمعنى قدم الرجل اليسرى، أو اليمنى... والاستاذ كان يتعامل معنا كما يتعامل العسكري مع فرقة مشاة.

وهذه الكشافة لا تخرج من المدرسة إلا في احتفال سنوي في يوم الجيش أو يوم آخر لا أتذكره، إذ كانت فرق الكشافة تتوجه إلى ملعب كبير تحت نغم الموسيقى العسكرية ضمن استعراضات عامة تشارك فيها المدارس. كما كنت في إحدى السنوات مشاركاً في «لوحة الشرف»، وهي استعراضات رياضية، وجميع هذه المشاركات كانت منسقة على مستوى المدارس كلها، وكانت هناك مسابقات سنوية بين جميع المدارس.

ومرة قرر الوالد العودة بجميع أفراد العائلة (على ما أعتقد لكي يقرأ في رمضان في البحرين)، ولكن محمد جميل لم يستطع المجيء معنا إلى البحرين، لأن لديه دراسة لايستطيع تركها، وعليه اتفق الوالد - رحمه الله - مع الشيخ عيسى أحمد قاسم أن يبقى جميل معه في النجف أثناء تلك الفترة. الوالدة ذهبت إلى السوق واشترت أشياء كثيرة إلى محمدجميل، ما جعلني أزعل، وطلبت منها أن تشتري لي كل ما اشترته إلى أخي بالتمام والكمال... غير أنها قالت لي «جميل سيبقى هنا في النجف وأنت ستأتي معنا إلى البحرين، والبحرين فيها كل الأشياء التي تحبها وهناك نشتري لك ماتريد». وبعد عدة أيام من الحن والزن اقتنعت بما قالته أمي، وتنازلت عن مطالبتي بالمساواة مع أخي، وذلك لأنه بالفعل عندما نكون في البحرين فقد كان يبدو لي أن البحرين فيها الكثير، بل أنه عندما كنت أعود إلى البحرين لا أريد أن أذهب إلى النجف مرة أخرى، على رغم أن الأهل والأصدقاء في بني جمرة كانوا يعيبون عليّ لهجتي التي تغلب عليها اللكنة العراقية في أكثر الأحيان. البحرين كانت بالنسبة لي قمة السعادة وفيها كنت أوجد بين أهلي وأصدقائي، والمنازل المحيطة بنا في بني جمرة مفتوحة طوال النهار وأدخل أي منزل، وهذا بعكس النجف التي لم نكن نذهب إلى مكان آخر متى ما شئنا وكيفما شئنا، وأبواب منازل النجف موصدة في كل الأوقات. بعد المقارنة بين البقاء في النجف والحصول على ماحصل عليه جميل، أو العودة إلى البحرين رضت نفسي كثيراً بالعودة إلى البحرين.

ومن الأمور التي اعتدت عليها في النجف هو شراء الحليب صباح كل يوم. فقد كانت والدتي ترسلني أحياناً لشراء الحليب، والحليب تبيعه مجموعة من النسوة يجلبن بقرهن إلى أماكن محددة ويحلبن البقر مباشرة ويبعن الحليب للمشترين. وفي الصباح الباكر يبيع العراقيون «المأكولات» المصنعة محلياً وهذه الوجبات لها خاصيتها التي تفوق جودتها أي مكان آخر. وجميع تلك المأكولات يمكن شراؤها بأسعار رخيصة لاعتماد الناس عليها في غذائهم اليومي ولوفرتها أيضاً... وفي كل ساعة من النهار يتوافر نوع من الأكل. في الفجر مع الأذان تحصل على الهريسة النجفية. بعد أذان الصبح تحصل على الجبن الأبيض وعلى الصمون وعلى القيمر والمربى - القيمر مصنوع من حليب الجاموس وهو من ألذ الأنواع، وفي الضحى ستحصل على اللبن والتمر وعلى الصمون مع الطرشي، وشراب الشوندر... في الظهر تحصل على الأكلات التي تناسب وجبات الغذاء، وفي الليل تبدأ مشاوي الكبدة واللحم بشكل مكثف بالقرب من حضرة الإمام علي (ع)... الخ.

ولحبنا للقيمر النجفي، فإن الوالدة استمرت في استخراج شيء يشبهه من حليب البقر (لا يوجد جاموس في البحرين) بعد رجوعنا، وكنا نستيقظ على جملة للوالدة «سبق لبق»، ومعناها أن من يستيقظ قبل غيره يستطيع أن يتذوق شيئاً يشبه قيمر النجف.

الشراء في أواخر أيام النجف كان بالأسلوبين القديم والجديد... ففي آخر فترة كنا فيها افتتح في النجف محل حديث كنا نعرفه باسم «أوريزديباك»، ووضع هذا المتجر الحديث إعلاناً يقول بأنه لايبيع أي شيء أقل من 25 فلساً... والخمسة والعشرين فلساً العراقية كانت تفعل أشياء مهمة، وكنت أسمع من يردد «شنو هاي يابه، مستغربين غلائه!

إلا أن حزب البعث شوه المجتمع العراقي كثيراً. ومثال ذلك أحد جيراننا (المذكور آنفاً) الذي كان لابساً العمامة وطالباً في الحوزة الدينية، ولكن فجأة نزع العمامة وأطال شعره ولبس البنطلون الذي كان ضيقاً من أعلى، وفسيحاً من الأسفل بحيث يغطي كل القدم، وكان النجفيون يطلقون مسمى «تشارلستون» على البنطلون. وهذا المسكين نزع العمامة ولبس بنطلون الموضة وسجل في البعث، ولكن انتهى أمره مهجراً على الحدود العراقية - الإيرانية مع عائلته.

الخدمات العامة كانت قليلة والناس تعتمد على بعضها بعضاً. فالأطباء موجودون ولكنه طب خاص، كما أن الأطباء «الشعبيين» كانوا موجودين ويمارسون مهنة الطب القديم المخلوط بالطب الحديث. وكنت قد شارفت على الموت ذات مرة وازدادت درجة الحرارة بصورة حرجة وكان والدي ينقلني من طبيب إلى طبيب حتى أنهم يئسوا من شفائي، وقام والدي بتوجيهي جهة القبلة لاعتقاده بأنني لن أعيش بعدها، غير أنه توجه بالدعاء ونذر لي، وبحسب رواية الوالد، كان اليوم التالي لدعائه بداية التحسن والشفاء.

كنا بين فترة وأخرى نسافر إلى العتبات المقدسة الأخرى مثل الكاظمية وكربلاء والكوفة وغيرها من المناطق. والسفر إلى تلك الأماكن كان متعة بحد ذاته، وكنت اختار إحدى اللهجتين إما لهجة أهل البحرين أو اللهجة العراقية النجفية بحسب الحاجة. فقد كنا نلتقي بأناس كثيرين من البحرين ومن المفضل أن لا أكون عرضة لتعليقاتهم ولذلك فإني كنت أحاول الابتعاد عن اللهجة العراقية. ولكن إذا تعاملت مع العراقيين فمن الأفضل أن التزم باللهجة النجفية لأن أهل النجف لهم احترام وهيبة...

وفي ذات مرة كنت في الكاظمية وكان أخي صادق يلعب بـ «قواطي» (علب) فارغة وهو واقف بجانب شباك، وحدث أن وقع أحد تلك «القواطي» الصغيرة من النافذة بالقرب من امرأة عراقية، وكانت تعلم أن أناساً من البحرين يسكنون تلك العمارة في العادة. فانهالت على أخي بالشتم والصراخ ولم تتوقف بل إنها كانت تصعد لهجتها وتطالب بالتعويض على رغم أن «القوطي» وقع بالقرب من رجلها وليس عليها ولم يجرحها ولم يؤذها...

كنت حينها أحاول إقناع أمي أن تعطيني بعض المال لشراء شيء ما، ولكن كلام المرأة الكظماوية كان مرتفعاً جداً لأن الشباك ليس بعيداً عن الأرض والطابق الأول (الذي كنا فيه) منخفض نسبياً... عندها ذهبت إلى الشباك لأعرف سبب الصراخ، ولكن المرأة ازدادت صراخاً عندما رأتني. كانت لدى صادق قوطية فارغة أخرى، فأخذتها وتوجهت إلى حافة الشباك وبدأت أصرخ على المرأة التي استغربت أن صبياً (كنت ربما في العاشرة) يرد عليها صراخها. ومن الكلام الذي رميته عليها «خالة شكو؟ شتريدين ... امشي هسه لا يجيك قوطي على راسك... امشي...». المرأة خافت وقالت «انتو النجفيين هوايا وكحين...» وهكذا انتهى صراخها علينا لأنها اعتقدت بأننا «نجفيين»! بينما كانت تصرخ بشدة في بداية الأمر على أساس أننا من البحرين.

زيارة العتبات المقدسة والمدن العراقية كانت متنفساً لنا من الروتين، فكربلاء والكاظمية والكوفة وغيرها أماكن جميلة لها مميزاتها التي يتمتع بها من يزرها. وأتذكر أن الوالد زار مرقد كميل بن زياد وفي الطريق إلى المرقد زار منزل المرحوم الشيخ أحمد الوائلي، وكان منزلاً وحديقة جميلة تعبر عن الذوق الرفيع للوائلي. وجلس الوالد مع الوائلي في الحديقة التابعة للمنزل، وقام الوائلي بوضع رجل على الأخرى أثناء جلوسه على الكرسي، فقمت بتقليده بوضع رجل على أخرى، ما أزعل الوالد، غير أن الوائلي قال «خليه، مايخالف».

ومرة أخذتنا المدرسة إلى مكان أثري وهو «قصر الأخيضر»، وكانت رحلة جميلة جداً، ولكن المدرس لم يتوقف من المبالغة وهو يشرح لنا تاريخ القصر، وكنا نحن التلاميذ نستمع إليه ونخاف من إبداء أية ابتسامة عندما يردد قصصه المبالغ فيها... فمن بين ماكان يقوله: انظروا إلى عظمة أجدادنا كيف بنوا هذا القصر العظيم منذ قديم الزمان، وأن سقوف القصر ليس لها أعمدة ولكنها لاتقع ... غير أننا كنا نرى مايخالف قوله، ولكننا لم ننطق بأية كلمة خوفاً منه ومن ماقد يصيبنا بعد ذلك.

مدرسة الطالبية كانت مملوءة بالطلاب وبالمشاهدات، وعدة أسماء لاتزال عالقة في ذهني، وحري بذكرها ضمن هذه الذكريات التي تبدو متناثرة، ولكنها ليست متناثرة... في العام 1971، كان في صفنا تلميذ اسمه أحمد، كان الأطول من بين كل التلاميذ، وكان أيضاً مراقب الصف، ويمتلك من الصفات ما يجعله محبوباً من الجميع... غير أن أحمد كان عراقياً من أصل إيراني (عجمي)، وهذا لم يغفر له كل حسناته لدى مدرس الرياضة، ذلك البعثي الشرس.

ففي أحد الأيام كان المطر يهطل علينا، ولم يكن بالإمكان الخروج من أجل الرياضة في ساحة المدرسة، فقرر مدرس الرياضة أن يعطينا درساً عن «حزب البعث العربي الاشتراكي» داخل الصف... دخلنا الصف، وبدأ يكتب شعارات الحزب على السبورة بهدف شرحها لنا... ومن ثم قام يشرحها. وكان شعار «أمة عربية واحدة، ذات رسالة خالدة» يتكرر على لسان كل بعثي، وبدأ يشرح لنا ماهي الأمة العربية. في الأثناء رفع أحمد يده ليسأل سؤالاً، إلا أن مدرس الرياضة رد عليه «اسكت، أنت عجمي».

أحمد كان واقفاً في آخر الصف، وفوجىء بالرد، ووجهه تحول إلى اللون الأحمر، وتمتم ببعض الكلمات التي لم أسمعها... وبمجرد أنه تمتم بشيء ما، وإذا بذلك المدرس الشرس يهجم عليه هجوماً عنيفاً، إذ ركض إلى آخر الصف، وبدأ بالركل والضرب (وكان مدرس رياضة وصاحب عضلات)، ولم يتوقف عن أحمد إلا بعد أن أنهكه بالضرب والشتائم.

خلال بعض سنوات الدراسة الابتدائية، كان أحد أصدقائي العراقيين يدعى صباح، ووالده كان مدرساً في المدرسة، وكان والده صاحب هيبة وشخصية قوية جداً، وكان قيادياً في حزب البعث. كان صباح يحدثني أن والده سجن لمدة سنة أو سنتين (لا أذكر) وأنه أفرج عنه وعاد إلى التدريس مع وصول حزب البعث إلى الحكم في 1968. وكنا نخرج أحياناً بعد الدوام، ولكنه أخبرني بأن المكان المفضل لديه بعد المدرسة هو «منظمة الحزب»، وهو الفرع الذي يؤسسه حزب البعث في كل مدينة ومنطقة، وقال إنه يتمنى أن يكون مثل والده، بعثياً ومسئولاً في منظمة الحزب. لم أتحدث معه لاحقاً عن منظمة الحزب أو عن والده، فقد كان صديقاً عزيزاً (وأخلاقه كانت رفيعة)، واستمرت صداقتنا، وإن كانت بدرجة أخف من السابق.

منقول

ذكريات غير متناثرة من النجف الأشرف (الحلقة الثالثة)
الوسط - منصور الجمري

كان الوالد المرحوم الشيخ عبد الأمير الجمري يعزم اناس كثيرين الى منزله، وفي الصيف يفتح السرداب لانه ابرد، وكان يطلب من والدتي ان تقفل باب السرداب لكي لا أدخل عليه وعلى ضيوفه واعكر الجلسة عليهم بـ «الشطانة»... ولكن الوالدة تستطيع منع أخي الاكبر محمد جميل، غير انها لاتستطيع منعي، وكثيرا ماتتنازل وتفتح باب السرداب، واول ما انزل ويراني الوالد يبدأ بالاستعداد الى اخراجي من المكان، ولكنني اتوجه مباشرة واجلس الى جنبه. وفي بعض الاحيان يؤشر باصبع رجله اليمنى (بصورة خفية) على رجلي ليعلمني بانه يجب علي الخروج (لان ضيفه احد علماء الدين الكبار مثلا)، ولكنني ألتفت اليه واقول «لا تفلص» وذلك بصوت مرتفع يسمعه الضيف، وعليه فمن الأفضل ان يتركني وحالي.



كان من جيراننا «العلوية»، وهي زوجة السيدعلي كمال الدين (أحد قادة هيئة الاتحاد الوطني مابين 1954 - 1956)، وكان الوالد يمر عليها ويسلم عليها باستمرار. وكانت العلوية «عراقية»، وعندما رجع السيدعلي كمال الدين في مطلع السبعينات الى البحرين، بقيت في النجف الأشرف في منزل ابوجواد. وفي مرة من المرات شك البعثيون ان ابوجواد من العجم ودخلوا المنزل لسلبه وطرده من المنزل، وذهبوا ايضاً لسلب العلوية، الا انها قالت لهم انه ليس لديها مايستحق السلب سوى سجادة الصلاة وخاتم يدها، وتركوها لحالها.



وفي إحدى المرات كنت بجانب منزل «العلوية»، واذا بابنها «سلمان كمال الدين»، وحالياً ينشط مع الجمعي البحرينية لحقوق الإنسان، يقترب من المنزل وهو يلبس ثياباً عسكرية جميلة جداً، وبيده خيزرانة صغيرة كان يمسك بها... وكانت مجموعة من أطفال النجف تمشي خلفه للنظر الى بدلته العسكرية (كانت على ما أتذكر بيضاء اللون وعليها إشارات عسكرية)، فالتفت الى مجموعة الأطفال ونهرهم وطردهم من حوله وذلك عند اقترابه من منزل والدته «العلوية».



أتذكر أيضاً ان الوالد المرحوم الشيخ عبدالأمير الجمري كان يجمعني مع اخي محمدجميل واختي عفاف، ويدرسنا كتاب الفقه «تبصرة المتعلمين في أحكام الدين» للعلامة الحلي، وكان يمر على قضايا فقهية تتعلق بالكبار البالغين، ولم اكن افهم كثيرا مما يقول خصوصا في باب الطهارة بالنسبة للنساء. ولكن الجلسة معه ممتعة، خصوصا وانه زودنا بنسخ صغيرة وجميلة (طبعة النجف) من كتاب التبصرة.



كما كان الوالد يحفظنا اسماء اجدادنا كلها، وحينها كان يطلب مني ان اردد اسمي الكامل، فكنت اردد «اسمي منصور عبدالله (وكنا نستخدم اسم عبدالله بدلا من عبد الامير)... منصور عبدالله منصور محمد عبد الرسول محمد حسين ابراهيم مكي الشيخ سليمان الجمري البحراني». وبدأت اكتب هذا الاسم على بعض دفاتري المدرسية، مما أثار استغراب البعض في المدرسة، خصوصا وان المدرسين العراقيين يختصرون الاسماء، وكثيرا ما يكتبون اسم “منصور عبد” فقط.



أفضل الأوقات كنا نقضيها داخل المنزل مع قصص الوالدة التي كنا نطلب منها تكرارها دائماً لأنها جميلة ومؤثرة ولها معانٍ عدة. والوالدة آنذاك كانت تقص علينا قصصاً من التراث وقصصاً أخرى كانت تقرأها من كتب متوافرة في مكتبة الوالد كانت تستخدمها الوالدة لقراءة قصص علينا. وأحد الكتب كان يحتوي على قصص فرنسية مترجمة إلى العربية، وإحدى تلك القصص حزينة جدا تنتهي بانتحار الفتاة في القصة، وكنا نطلب من الوالدة قراءتها، وكنا (أنا وأخي محمد جميل وأختي عفاف) نصغي اليها ودموعنا في أعيننا لشدة تأثرنا بالقصة. وكنا نتسابق بأننا سنستمع إلى القصة مرة أخرى ولن نبكي ولم يكن ذلك سهلاً.



القصص الاخرى الجميلة التي تردده والدتي يوميا لا نمل منها، ومعظمها من التراث. احدى تلك القصص الجميلة تتحث عن سلطان له ابن، وهذا الإبن له «اذن» تشبه اذن الحمار، وكبر الطفل وطار شعره، واضطر السلطان ان يأتي بحلاق ويهدده اذا تحدث بما يراه فإنه سيقطع رقبته... وعندما قام الحلاق بمشاهدة اذن ابن السلطان اندهش من ذلك، ولكنه خرج مكبوتا يخاف الكلام. ولان الحلاق تصاحبه مهنة الثرثرة مع من يحلقهم، فإنه اصيب بمرض السكوت، وخاف عليه أهله واخذوه الى حكيم... وبعد ان عاينه الحكيم اخذه الى البر، وهناك حفر له حفرة وضعه فيها، وغطاها، وقال له: «قل مافي قلبك، لا أحد يسمعك ابداً»، وعندها بدأ الحلاق يصرخ بأعلى صوته «وليد ابن السلطان اذون بني آدم وأذون حمار...»، وكررها كثيرا الى ان هدأ روعه، وخرج معافى ومشافى... غير ان الحفرة انبتت شجرة، واوراق الشجرة بدأت تصفق وتغني باستمرار «اوليد ابن السلطان، اذون بني آدم، واذون حمار...». مات السلطان، واستلم ابنه الحكم، وخرج ذات يوم متبخترا للصيد في البر، ومن بعيد سمع اصواتا متعالية تفضح سره الذي اعتقد انه لايعرفه احد، وان من يعرفه يخاف على نفسه من الموت فلا يتكلم... قام ابن السلطان الذي اصبح سلطانا برمي نفسه من مكان عالٍ وانتحر لان الاصوات ارتفعت وفضحت امره...

قصة جميلة اخرى كانت الوالدة ترددها بأسلوبها الذي يؤدي بنا الى النوم مع انتهاء القصة، وتلك كانت قصة «أم الروازن» البنت الجميلة والفقيرة التي رآها احد الاغنياء وعطف عليها، وقرر تخليصها من الفقر عبر الزواج منها ووضعها في قصره... فكان له ما اراد، اذ دعاها الى قصره وتزوجها... غير ان الرجل الغني اكتشف انه بعد زواجه من تلك البنت الجميلة ازداد الذباب وازدادت الحشرات وازدادت الرائحة الكريهة في قصره، واستغرب من ذلك لان لديهم خدماً وحشماً ينظفون كل شيء... وفي ذات يوم بدأ يراقب زوجته، واذا بها تأخذ الطعام من على السفرة المملوءة بصنوف الاكل اللذيذ، وتذهب الى احدى الغرف، وتقوم بتوزيع الاكل على الرفوف (الروازن وهي جمع روزنة)، وبعد ذلك تقوم بالطرارة من الرفوف وتردد: «يا الله من مال الله»... وتأكل من كل رف شيء قليل، وبأسلوب رث، وتترك الباقي ليجلب النمل والذباب والحشرات... فاستغرب الرجل المحسن من ذلك وعرف ان المشكلة لم تكن في فقر الفتاة وانما في تطبعها على التسول والطرارة، واصبح هذا في دمها ولم تستطع التخلص منه حتى بعد ان من الله عليها بالنعمة... قصص اخرى جميلة قد لايتسع المجال لذكرها هنا كانت هي العوض عن التلفزيون الذي يجالس اطفالنا اليوم.



طفولة النجف احتوت أمورا جميلة كثيرة... فصوت المؤذن في حضرة الإمام علي (ع) وتوافد الناس على المشهد من كل مكان مظهر جميل، والالتقاء بالبحرينيين الذين كانوا يزورون منزلنا عند زيارتهم للنجف كان دائماً يبعث الفرحة فنيا. وكثير من الاقارب ومن البحرينيين كانوا يملأون قلوبنا بالفرح عند زيارتهم لنا...



وزارنا ذات عام المرحوم علي منصور الغسرة، وكنت اسير معه بصورة شبه يومية الى حضرة الامام علي واذهب الى المكان الذي استأجره اثناء بقائه في النجف (في حي العمارة)، وعند اقتراب عودته الى البحرين، قال لي «اعطني صورتك لكي اريها لابني في البحرين الذي يحمل اسمك ايضا»... ذهبت الى المنزل، ولكن ليس بالامكان ان توفر صورة في النجف، فتلك الايام الصورة تحتاج الى تخطيط كبير من المدرسة او من الوالد للحصول عليها... وعليه امسكت بورقة وقلم، وقمت برسم «خرابيش»، اعتقدت انها تشبه صورتي، وهرعت بها الى المرحوم علي بن منصور الغسرة، وقلت له «تفضل هذه رسمتي»، فخر ضاحكا على مافعلته.



تلك كانت النجف الجميلة، ولكن النجف بدأت تتحول الى بيئة موحشة بعد مجيء حزب البعث الى الحكم، وقيامه بتهجير العراقيين من أصل إيراني من منازلهم. بعد ذلك، بدأت اشكال همجية تتكاثر في منطقتنا، وكان من بينهم عائلة لديها «حمير» في مكان ما في النجف.



وكان احد أبناء هذه العائلة يأتي بأحد حميره من المكان البعيد الى الحي ويوقف الحمار أمام النزل الذي احتله بعد تهجير اصحابه العجم، كل يوم، ويبدأ بضرب الحمر بكل شيء موجع، بما في ذلك في أحد المرات انبوب حديد استخدمه لضرب الحمار على الوجه وعلى كل مكان حتى سال دم ذلك الحمار وبدأ يعرج ووجهه ينزف، ومنظره يثير الشفقة. مررت ذلك اليوم أمام المنزل المحتل، وقد تأثرت كثيراً لحال الحمار وقلت له: «خليه... خطية المطي... لاتضربه»، ومعناه «مسكين الحمار... لاتضربه». ولكن كيف أتجرأ واقول «خطية»؟... اذ هرع ذلك الوحش تجاهي بما كان بيده، ولو أمسكني لفعل بي ماشاء... منذ تلك الحادثة، وحتى خروجي من النجف (ربما سنة أو سنتين) كنت أخاف خوفاً شديداً من المرور أمام ذلك المنزل، ولا أمر أبداً الا اذا كان هناك اناس معي في الطريق.



الضاربون للحمير ازدادوا في منطقتنا، وكان أحدهم يأتي وقت الظهيرة ليجمع بقايا الطعام، ولم نكن نعلم ماذا يفعل بفضلات الطعام على رغم ان هناك كلاماً يتردد ان قشور البطيخ الأحمر يستخدمونه لصناعة الصابون والبقية يتم استخدامه كغذاء للحيوانات. وذات مرة قررت خالتي نجاح التي سكنت معنا لمدة سنة واحدة الانتقام من صاحب الحمار الذي لا يرحم الحيوان، فطلبت مني ان أجهز نفسي واستفيد من فرصة تركه الحمار في الزاوية التي يوجد فيها منزلنا من دون وجود صاحبه الذي يذهب لجلب الفضلات من زاوية أخرى وأقوم بقلب «عدة الحمار»... وفعلاً ما إن ترك صاحب الحمار حماره لأقل من دقيقة واحدة وإذا بكل ما جمعه سقط على الأرض وقد كان كثيراً جداً... بدأ ينظر يمنة ويسرة محاولاً اكتشاف الفاعل ونحن ننظر إليه من ثقب الباب الرئيسي، ولم يعرف الفاعل. ولو عرف انني الذي فعلت ذلك لنال مني وأسال دمي كما كان يسيل دم حماره ويثقله بفضلات الطعام.



واحدة من العادات السيئة التي كانت تنتشر آنذاك هي التعرض للذات الالهية وللاسماء المقدسة... وليس معروف كيف انتشرت تلك العادة، اذ ان الناس العاديون عندما يختلفون مع بعضهم البعض يصادف كثيرا ان تسمع احدهم يشتم الله، او احد الاسماء المقدسة. البعض يقول ان التشجيع على شتم الذات الالهية انتشر بسبب موجة الحادية، شهدتها العراق، وان الشيوعيين البعثيين ساعدوا على ذلك لاحقا، ولكنني لست متخصصا في الموضوع، ولست ادري ان كان ذلك صحيحا ام انه من الكلام السياسي الذي يحاول النيل من هذا الطرف او ذاك. كنت مرة في سوق الحويش بمحاذاة الجامع الهندي، وكانت احد النساء تبيع مجموعة من النعل (مجموع نعال)، وكانت بين فترة واخرى تحصي عددهم اثناء البيع، وتصادف ان كنت قريبا من الجامع عندما أحصت عدد مالديها، واكتشفت (او تصورت) ان احدهم قد سرق نعالا منها... فبدأت تتوتر وتردد عبارات عديدة مثل “من الذي سرق نعالا مني؟”، وبعد فترة رفعت رأسها الى السماء وأشرت باصبعها السبابة وتوجهت بالحديث الى الله “كل هذا من عندك... انت تدري انه واحد راح يسرقني اليوم... انت كله صوجك.” وبعد ذلك بدأت بشتم الله بكلمات لايمكن ذكرها.



النجف لم تحتوِي على وسائل ترفيه للأطفال، ولكن كانت هناك بدائل. فهناك لعبة الطائرات الورقية التي نشتريها ونطيرها من فوق سطوح المنازل في العصر. وكنا نتنافس فيما بيننا أي شخص يستطيع «تطيير» طائرته أعلى وأطول وقت. وكنا بعض الأحيان «نتحارب» إذ نحاول سحب طائرة أحدنا إلى الآخر أو قطعها.



وعملية القطع تحتاج إلى عمل آخر يجب علينا القيام به قبل تطيير الطائرات. فكنا نأتي بـ «زجاج» ونطحنه باستخدم «الهاون» المنزلي، ومن ثم نعجنه بالرز المطبوخ. وبعد ذلك نمرر العجينة على الخيوط وبعد ان تنشف الخيوط تصبح مثل المنشار. وبعد ذلك «نطير» الطائرة الورقية وحين يلامس الخيط «المنشارة» خيطاً آخر لا يحتوي على مادة الزجاج فإن صاحب المنشار «ينتصر»!



لعبة «الدعبل» (التيلة) كانت مشهورة وكذلك عدد من الألعاب الأخرى مشهورة أيضا. وفي ذات يوم كنت ألعب مع أبناء الجيران وكنت قد لبست ساعة يدوية جلبها لي والدي بعد أن عاد تواً من البحرين، اذ كان يسافر إلى البحرين في رمضان وعاشوراء من أجل «القراءة» ولتوفير بعض المال لمواصلة الدراسة. «الساعة اليدوية» كانت شيئاً غير متوافر آنذاك في النجف، وكنت أنا ألبسها وألعب خارج المنزل. مر علينا شاب ضخم جداً وتوقف يشاهدنا بعد أن شاهد الساعة اليدوية على يدي. وبعد دقيقة من وقوفه قال لي: «لا تلعب، يمكن توقع»... قلت له «وما دخلك؟» إلا انه هجم عليّ وسلبني الساعة اليدوية وولى هارباً بها.



السفر من وإلى البحرين له خاصيته على رغم المخاطر المحفوفة به، وكذلك القصص الطريفة التي تحصل باستمرار بسبب اختلاف اللهجة العراقية عن لهجة أهل البحرين الذين يزورون النجف وتحصل لهم الكثير من الأمور أثناء تعاملهم مع العراقيين. ولكن تبقى في الذكريات حوادث تعبر عن اجواء تلك المرحلة وظروفها.



اتذكر اننا مرة سافرنا من البحرين الى البصرة عبر باخرة، وتعطلت في وسط الخليج، وضج الناس، لاعتقادهم بأنها ستغرق، واتذكر مرور طائرة صغيرة جاءت لاستكشاف ماحدث لتلك الباخرة التي كانوا يطلقون عليها مسمى «التك»، وبعد توقف دام ربما يوم او اكثر، اشتغلت الباخرة ووصلت الى البصرة (وعلمنا انها غرقت بعد سنة او سنتين)... عندما وصلنا الى البصرة جاء احد اقاربنا لاستقبالنا، وقال لي الوالد ان لدينا اهلا من بني جمرة هاجروا الى البصرة قبل مئة عام للابتعاد عن بعض المظالم الواقعة عليهم (مازالوا يعيشون في البصرة ويزوروننا بين فترة واخرى). اخذنا اقاربنا الى بيتهم الواقع في «القصبة» آنذاك، بالقرب من البصرة، وهو بيت طيني كبير وجميل جدا، وعندما وصلنا في اليوم الاول مشيا بالاقدام اليه، وفي صباح اليوم الثاني وجدنا ان المنزل محاط بالمياه... وكان هذا شيئا طبيعيا، اذ ان لديهم قوارب توصلهم بين بعضهم البعض، والمنطقة تشهد هذا الامر يوميا.



ومن ذكريات المدرسة عندما دخلت الصف الأول في مدرسة الطالبية الابتدائية للبنين، وكان المدرس يأتي صباح كل يوم ويأمرنا أن ننام لربع ساعة ثم علينا ان نخبره بالحلم الذي شاهدناه أثناء النوم. وكنت أخشى أنني إذا لم احلم فإنه سيعاقبني ولذلك كنت اضع رأسي وأحاول أن اختلق قصة أقول إنها الحلم الذي شاهدته. المدرس كان - كما يبدو - متململاً من التدريس وكان يضيع وقت الدرس كل يوم بهذه الوسيلة، ولكن هذا الأسلوب توقف في يوم من الأيام. ففي ذلك اليوم وقف احد التلاميذ وقال للمدرس: «انا حلمت انك وأمك فوق بعير»... وهنا انفجر الصف ضاحكاً، ولكن المدرس لم يضحك ابدأ بل ركض تجاه التلميذ وأشبعه ضرباً. ففي العراق لا يمكن ان تذكر «الأم» الا للشتم كما ان كلمة «بعير» (أي جمل) تستخدم أيضا للشتم. ولكن التلميذ المسكين الذي حصل على ضرب مبرح ذلك اليوم خلصنا جميعاً من النوم الإجباري اليومي الذي كان يفرضه علينا المدرس، اذ لم يطلب منا أيّاً من ذلك في الأيام التالية.

منقول

ذكريات غير متناثرة من النجف الأشرف

عندما توفي الإمام محسن الحكيم (اعتقد ان ذلك كان في العام 1970) خرجت مظاهرات كبرى في النجف الاشرف تندد بحزب البعث الذي قطع الماء والكهرباء عن الحكيم وطارد ابنه السيدمهدي. وكنت مع اخي الاكبر محمد جميل والسيدعلي بن السيدجواد الوداعي في حضرة الإمام علي (ع) نشاهد واحدة من اكبر المظاهرات المعادية للنظام البعثي. وكان من الشعارات التي رفعها المتظاهرون آنذاك «سيدمهدي مو جاسوس، هذي اشاعة كاذبة». حينها التفت إلى محمدجميل وسألته «من الذي قال إن سيدمهدي جاسوس؟»... محمد جميل نظر الي وقال «شوش... بعدين»... بعد ذلك قال لي: «كيف ترفع صوتك والشرطة كانت بجانبنا، انهم هم الذين يقولون ان سيدمهدي جاسوس».



والدي (الشيخ عبدالأمير الجمري) كان مشاركاً في مراسم تشييع الامام الحكيم وألقى كلمة باسم طلاب علوم الدين البحارنة تهجم فيها على حكم حزب البعث، ومنذ تلك الحادثة الدينية اصبح اسمه في القائمة السوداء لدى المخابرات العراقية. لكنه نجا منهم حتى رجوعه إلى البحرين في 1973 ولم يكتشفوا ان الشخص الذي يبحثون عنه (عبدالأمير الجمري) كان مسجلاً لديهم باسم «عبدالله منصور محمد». فالوالد كان قد غير اسمه أثناء تواجده في العراق لأنه كان يسافر من وإلى العراق سنوياً عبر البر ويمر في الكويت والسعودية قبل ان يصل إلى البحرين أو العراق. وكان اسمه (عبدالأمير) يخلق له مشكلات لدى بعض مسئولي الجمارك عند عبوره الحدود لأن اسماء «عبد» تختص بالله بحسب احد التفاسير الدينية المتبعة في الجزيرة العربية. وبدلاً من خلق المشكلات اثناء السفر غير اسمه إلى «عبدالله منصور محمد» وثم اعاد اسمه الاصلي عندما استقر في البحرين لاحقاً.

وكان لهذا التغيير في الاسم نجاة من قبضة البعثيين الذين لم يكونوا سيرحموا أي شخص يتجرأ عليهم مهما كانت المناسبة والحدث الذي دعا إلى ذلك.

النجف الاشرف كانت مزدحمة بالعراقيين والإيرانيين والافغانيين والخليجيين وحتى الصينيين (من التيبت) وغيرهم الذين كانوا يفدون إلى مدينة الإمام علي (ع) إما للدراسة او للزيارة. وأسواقها لها اجواء خاصة وتحتوي على كل ما يحتاجه الدارس أو الزائر أو المقيم. وأجمل ما تشاهده في النجف السوق المخصصة لبيع الكتب والتي تتفرع من سوق «الحويش» والسوق الكبير وسوق العمارة.

وكنا نعيش بالقرب من سوقي الحويش والعمارة، ولكن ذهابنا إلى سوق العمارة اكثر لان منزل السيدشرف الخابوري ومنزل الشيخ عيسى أحمد قاسم كانا هناك، وكنا نتردد عليهما. منزل السيدشرف كان قريبا لمنزل الإمام محسن الحكيم وقريباً من حضرة الإمام علي (ع) وكان اكثر ما أستمتع به مشاهدة صلاة الجماعة في «الحضرة» للامام الحكيم. فعدد المصلين بالآلاف التي ينقطع النظر عندما يحاول متابعة الصفوف وعدد «العمائم» التي تركع وتسجد. وكنت اقول لوالدي «لو اراد واحد ان يصل إلى القمر فما عليه الا ان يجمع العمائم على بعضها ويركب عليها ليصل إلى السماء والقمر». تلك الجملة البريئة كانت تعبر عن العدد الكبير الذي يصلي خلف الحكيم. وكان العدد الكبير من المصلين يحتاج الى ادارة اثناء الصلاة، وكان هناك شخص او اكثر يصرخ باعلى الصوت بكلمات محددة (مثل: ركوع، سجود، سمع الله لمن حمده...) منوها ببدء كل ركعة وكل سجدة وكل فعل من افعال الصلاة، لأن الصفوف الخلفية لاترى الامام. وأروع من ذلك هي الرحلة القصيرة من ناحية المسافة والطويلة زمنياً التي يقطعها الحكيم من منزله إلى حضرة الإمام علي (ع) وبالعكس. فالرحلة تستغرق طويلاً للعدد الكبير الذي يمشي خلفه وكان بعض الناس يوقفون الموكب لتقبيل يد الإمام الحكيم. وكان هناك عدد من الذين يسيرون في الموكب يحاولون إبعاد الناس (لاسيما الاطفال أمثالنا) من الوقوف في الطريق أو محاولة ايقاف الموكب لتقبيل يد الحكيم وكانوا يؤشرون بأيديهم ويهمسون «وخر، وخر»، بمعنى «ابتعد، ابتعد».

بعد وفاة الإمام الحكيم تسلم ابنه السيديوسف إمامة الجماعة، وعندها تجرأتُ مرة واحدة وأوقفت الموكب لأقبل يده وسط غضب شديد من عدد من الذين كانوا يمشون خلفه.

أكبر مأساة شاهدتها في النجف كان «تسفير» العراقيين من أصل إيراني. فعندما وصل حزب البعث إلى الحكم اعلن الكراهية لكل شخص لديه صلة بالإيرانيين حتى لو كان من الجيل الثالث أو الرابع ممن عاشوا في العراق عشرات وربما مئات السنين. وكانت أول حملة تسفير في مطلع السبعينات (لا اتذكر متى، ولكن ربما العام 1971).

الشرطة العراقية كانت تهجم على المنازل وتسحب من فيها إلى الخارج وترميهم في شاحنات وسيارات من من دون ان تسمح لهم بأخذ شيء وترميهم على الحدود العراقية - الإيرانية. كان الطقس بارداً جداً، وبرد النجف شرس جداً لأنه لا يرحم حتى لو لبست كل ما لديك من ثياب، وشاهدت بأم عيني رجالاً ونساء كبارا في السن رمتهم الشرطة العراقية في عربات خشبية وهم من دون لباس يقيهم سوى ثياب منزلية خفيفة.

عراقيون آخرون (من أصل إيراني) تم اختطافهم من دكاكينهم وبقيت محلاتهم مفتوحة بينما هم يسفّرون إلى الحدود. الوضع سيئ جداً ولا يمكن تصوره أو احتماله وكان والدي يهمس مع طلاب العلوم الدينية البحرينيين عن الوضع وهم في رعب من هذه السياسة الهوجاء.

ولكن ما كان يرعبني أكثر هو تصرف بعض العراقيين العاديين الذين استغلوا تهجير إخوانهم (الذين يحملون جوازات سفر عراقية مثلهم) وبدأوا يسلبونهم، مضيفين إلى الألم السلطوي ألم الجهل الذي دفعهم لإيذاء غيرهم من دون أي رادع إنساني ذاتي.

وذات يوم كنا داخل المنزل وقد أغلقنا باب الغرفة وكان الجو قارساً، وكنت ألعب مع اخواني ووالدتي تحاول تهدئتنا ولكن من دون جدوى. غير اننا فوجئنا بصوت امرأة على باب الغرفة وهي تهتف «يا أهل الحوش» (يعني يا أهل البيت)...

خرجنا جميعاً وإذا بها في وسط المنزل ونحن نسأل كيف تمكنت من الدخول وخصوصا نحن نقفل الباب بثلاثة أنواع من القفول. ولكن يبدو أن الوالدة دخلت المنزل خلفنا ونسيت المفتاح في الباب من الجهة الخارجية وهذه من النوادر القليلة التي تنسى فيها المفتاح. فأخذت المرأة العراقية المفتاح (بعد أن فتحت الباب) ووضعته ما بين صدرها.

وهكذا هرعنا ونحن نسمعها تهتف «يا أهل الحوش»... سألناها ماذا تريد؟ ولكنها سألتنا «أنتم عرب لو عجم؟» فهتفنا جميعاً: «نحن عرب من البحرين»... وهنا قالت «لبالي» (بمعنى... أعتقدت شيئاً آخر)... ومدت يدها داخل صدرها وأخرجت المفتاح وسلمتنا إياه، وخرجت...

الوالدة كانت خائفة جداً، لان تسفير الإيرانيين كان يعني لبعض الأشخاص احتلال المنزل وسلب ما فيه، وكانت المرأة تتفحص الأمر وفيما لو كنا عراقيين من أصل إيراني (وسيتم تسفيرنا) كانت ستأتي بأشخاص آخرين معها لسلبنا واحتلال منزلنا... هكذا بكل شراسة كانت تجري الامور تحت حكم حزب البعث العربي الاشتراكي.

منزلنا في اخر سوق الحويش واول سوق العمارة، في طريق (عقد) السيد بوالحسن، وكان من جيراننا الكثير ممن تعرضوا للاذى بعد قيام حزب البعث بتهجير العراقيين من اصل ايراني. كان أحد الشباب اسمه حسن كلستن، اختفى مع عائلته في ظروف قاسية، ومن جيراننا منزل لاحد علماء الدين الايرانيين نعرفه باسم الشيخ الخلخالي (لست ادري ان كان قريبا للشيخ الخلخالي الذي اشتهر اسمه لاحقا في إيران)، وكان لنا جار لديه دكان «عطار» اسمه جبار تبينه، وابناه حافظ وستار، وذات مرة مر عليه البعثيون في دكانه في سوق الحويش وسحبوه الى المخفر لتهجيره مع عائلته. وبعد بهدلات واهانات ثبت لهم انه عراقي من اصل عربي (تبعية عثمانية)، ولكن التجربة التي مر بها كانت مأسوية.

كان من جيراننا ابوعمار، وهو من العجم، وابنه عمار كان رجل دين يلبس العمامة. وعندما جاء البعث الى الحكم نزع العمامة ولبس ثياب «الافندية» وأطال شعره كثيرا، وانضم الى حزب البعث، ولكن هذا لم يرحمه ولم ينقذه من التهجير الذي طاله مع عائلته وظل بيتهم خاليا افترة من الزمن.

وكان من جيرانا ابو معين، ومنزلهم «آيل الى السقوط» وعندما يتساقط المطر لا تستطيع لمس الجدار لانه يكهرب اليد... وذات ليلة هطل مطر غزير وانهدم المنزل على من فيه، وتوفيت امرأة واحدة بسبب ذلك. اصبحنا الصباح واذا بالمنزل الواقع امام منزلنا قد انهدم بالكامل.

ربما ان من اجمل الاسواق كان سوق الكبير، والولد كان يزور دكان ابو مزهر، وهو متخصص في بيع العبي (البشوت)... ومن اجمل الاحياء التي كنا نزورها «حي المعلمين» و«حي السعد»، ومن افقر المناطق كانت «الشوافع» وهي قريبة من شاطيء، ومنطقة منخفضة جدا عن مستوى المنازل الاخرى. الاحياء الرئيسية في النجف القديمة والمحيطة بحضرة الامام علي هي البراق والمشراق والعمارة والحويش.

لم يكن السلب والنهب الذي ازداد بعد مجيء حزب البعث هو الأمر الوحيد، فلقد كان علماء الدين الذين يلبسون «العمامة» يعانون الأمرين كلما مروا في الطرقات، إذ كان يتجمع حولهم بعض السفلة ويهتفون «الموامنة جواسيس، الموامنة جواسيس». و«الموامنة» كلمة تحقيرية لعلماء الدين. والوالد كان يتصدى لهم ويرد عليهم باللهجة العراقية «أدب سز» (يا عديمي الاخلاق)، وثم يراددهم، وكانوا يخافون عندما يرد عليهم عالم الدين ولكنهم يستأسدون عليه اذا سكت عنهم. وفي مرة مر امام منزل احد علماء الدين الكبار المعروفين في النجف وأحاطه السفلة من كل مكان ولم يكتفوا بشتمه ولكن أيضاً أهانوه عبر بهدلته باليد وملامسة المناطق الحساسة بصورة سيئة وشديدة. وكنت قد هربت من الموقع واستمريت في المشاهدة من ثقب المنزل. ولكن لم يستطع احد فعل شيء لأن هؤلاء السفلة كانوا يأتمرون بحكومة البعث التي تعتمد على السفلة في كل شيء.

بدأ البعثيون يملأون المنازل في منطقتنا، وصادف ان توفيت جارتنا (أم علي) ما حدا بزوجها وابنيها الانتقال من منزلهم. وكان الشخص الذي حل محلهم احد أفراد المخابرات ومعه اثنتان من اخواته. وعرفنا انه من المخابرات لأنه يلبس ثياباً مدنية وفي كل يوم نشاهده عند احدى بوابات حضرة الإمام علي (ع) يتحدث إلى الشرطة بين فترة وأخرى ويتفحص كل ما يدور من حوله ويداوم يومياً في المكان نفسه.

لم يكتفِ بعمله بل بدأ باستهداف الوالد والتعرض اليه وكل يوم يوقف الوالد ويقول له «لدينا ماء في المنزل يأتي من جهتكم»... ومرة أخرى يقول شيئاً آخر، حتى تجرأ مرة وأوقف الوالد في سوق العمارة محاولاً الاعتداء عليه بالضرب. كان الوالد بالقرب من دكان «القصاب»، واسمه «لطيف»، الذي نشتري منه اللحم وكان القصاب صديق الوالد، وعندما شاهد شخصاً يحاول الاعتداء عليه حمل سكينه الكبيرة وركض باتجاه ذلك الشخص السيئ. وكالعادة، فالجبناء من أتباع حزب البعث يخافون عندما ترد عليهم، فما كان من ذلك الذئب المفترس إلا أن يخضع ويتنازل ويطلب مصالحة الوالد وانه جار يبحث عن تفاهم وليس عن مشكلات.

الوالد كان لديه اصدقاء كثيرون في الاسواق المحيطة بنا. فالرسائل والبرقيات من البحرين كانت تصل الى دكان في سوق العمارة لصاحبه «حسين العذاري»، والوالد يمر يوميا على الدكان. وكان هناك ايضا في سوق العمارة دكان جواد المظفر الذي كنا نشتري منه المواد الغذائية. كثير من الدكاكين كانت ترفع شعار «الدين ممنوع»، وكنت اسأل نفسي، لماذا يمنعون الدين، وكنت اعتقد ان المقصود بذلك دين الاسلام، الى ان عرف بعض افراد عائلتي تفسيري لما كنت اقرأه وسخروا مني وأوضحوا ان الشعار يعني «الاستلاف ممنوع».

كان الوالد يذهب يوميا تقريبا الى سوق لبيع الكتب محاذية لسوق الحويش، وكنت اذهب معه، وكان كل يوم يشتر كتاب صغير أو كبير... وقرر ذات يوم اعادة تنظيم مكتبته في المنزل، وقام بتجليد الكتب وجمع الكتب الصغيرة في مجلدات قوية، ومن ثم ذهب الى نجار وطلب منه صناعة طاولة تناسب جلسة الوالد على الارض، اذ كان الوالد يجلس على الارض ويسحب الطاولة لتغطي ركبتيه ويبدأ بالقراء والكتابة... وكنت قد ذهبت معه الى النجار عدة مرات، ويوم اكتملت الطاولة جاء بها فرحاً الى مجلسه إذ توجد مكتبته الخاصة، ووضعها وجربها وكان سعيدا بها، واعتبرها قوية جدا... فجأة خطرت ببالي فكرة لاختبار قوتها، وهرعت الى مطرقة كان يستخدمها الوالد، ورفعت المطرقة الى اعلى شيء وهويت بها على الطاولة، فما كان من مقدمة المطرقة الا واخترقت سطح الطاولة الجميل جدا...

الوالد غضب مني كثيرا، وركض خلفي لمعاقبتي لانني خربت طاولته في اليوم الاول لاستلامها، ولكنني اعرف كيف اوقف مطاردته لي، فهرعت الى أعلى السطح، وهناك اركب فوق حائط السطح المصنوع من مواد عدة من بينها «صفيح الجينكو»، وبعد ذلك أضع رجل على حائط منزلنا، ورجل اخرى على حائط الجيران... الوالد يتوقف فجأة، فالفكرة تنجح في كل مرة، لانه اذا طاردني فقد اقع بين الجدارين الى الارض، ولكنني لن اصل الى الأرض اذا وقعت، لان اسلاك الكهرباء الممدودة بين المنازل كثيرة، والموت ستكون نتيجة شبه مؤكدة. الوالد يتراجع الى الخلف وينزل من على السطح، وابقى فترة حتى يهدأ روعه وانزل من ذلك المكان... الفكرة كانت تتكرر وتنجح، ولذا، اذا كان الوالد يريد معاقبتي، فإن اول شيء يعمله هو قفل الباب المؤدي الى سطح المنزل.

منقول

ذكريات غير متناثرة من النجف الأشرف
الوسط - منصور الجمري
ارتبطت أماكن سكنت فيها سنوات كثيرة من عمري بشخصيتي وأثرت عليّ كثيراً... فمنذ أن كنت صغيراً أخذني والدي (المرحوم الشيخ عبد الامير الجمري) مع والدتي وأخي الأكبر محمد جميل الذي يكبرني بعامين إلى النجف الأشرف في العراق بعد أن قرر مواصلة علومه الدينية هناك، وذلك في العام 1962. كان عمري حينها عدة أشهر (ولدت في 17 ديسمبر 1961) وعندما فتحت عيني وبدأت أدرك ما حولي كانت والدتي قد أنجبت أختي عفاف التي تصغرني بسنتين... وعندما استقر الوالد في النجف نزل في منزل متواضع، ومن ثم انتقل الى آخر في منطقة الحويش.

النجف مدينة الإمام علي (ع) صعبة جداً في جوانب عدة... فهي مركز للعلوم الدينية ولمراجع الدين منذ الف عام وكثير من منشآتها تحمل اسماء ترتبط «بالهنود»، مثل الجامع الهندي والقناة الهندية، الخ، وذلك لأن الهنود الشيعة الذين كانوا يحكمون إحدى الولايات الهندية (ولاية عوض في شمال الهند) حتى القرن التاسع عشر الميلادي كانوا يدفعون الأموال الطائلة للمراجع ولمد قنوات المياه وتعمير المساجد وتوفير الخدمات في النجف الاشرف وفي كربلاء المقدسة أيضا. بيوت النجف تحتوي على «سرداب» والسرداب يحتوي على حفيرة (بئر ماء) مرتبطة تاريخياً بالقنوات التي كانت تمد المدينة بالماء. والسرداب عادة مظلم، بل إنه مخيف لارتباط كثير من حكايات وأساطير «الجن» بالبئر الموجود في السرداب. ولذلك فإنه مقفل إلا إذا قرر الوالد استخدامه في الصيف (لأنه بارد) لاستقبال الضيوف، أو لتبريد بعض المأكولات، مثل البطيخ الأحمر.

إقفال السرداب قد يخلصك من «الجن» ولكن عليك ان تقفل الباب الرئيسي بثلاثة أنواع من الأقفال وإلا فإنك قد تسرق في وضح النهار. كما ان عليك الامتناع عن الخروج من المنزل ما بين الساعة الثانية عشرة ظهراً حتى الثانية بعد الظهر وثم بعد العاشرة مساءً. في الظهيرة ينتشر بعض أصحاب السوء للسلب وغير السلب وفي الليل (بعد العاشرة مساء) تبدأ الكلاب الضالة، وبعضها حجمها كبير جداً وأصواتها مزعجة، بغزو طرق المدينة ومعهم أصحاب السوء أيضاً.

في الأوقات «الآمنة» الأخرى عليك الاحتراز فيما لو مر عليك شباب من أبناء إحدى العشائر النجفية... شباب العشائر يمشون جماعات جماعات ولهم الطريق والاولوية. وذات مرة كنا نلعب أمام منزل الشيخ علي الجزائري، وهو عالم دين فاضل كان يدرس لديه الوالد أصول الفقه، وبينما كنت ألعب مع ابنهم عصام لعبة «الدعبل» او ما يسميها أهل البحرين بـ «التيلة» مر علينا شخص واحد عرفنا لاحقاً انه من ابناء إحدى العشائر الكبيرة. هذا الشخص لم يتعطل عندما مر بنا اذ قام بجمع «الدعبل» التي كنا نلعب بها ووضعها في جيبه. غير ان احد ابناء الشيخ الجزائري (وكان يكبرنا سناً) كان موجوداً بالقرب منا فتدخل وأمسك بذلك الشخص وأمره بإرجاع «الدعبل» حالاً. فما كان من ذلك الشخص الا ان قال «هل تعلم انني من آل بو...؟». فرد عليه ابن الشيخ الجزائري «قز القط»، وهي الأقرب لما يقوله أهل البحرين «طز»... الشخص الذي سلبنا أرجع «الدعبل» إلينا، إلا انه قال إنه سيعود في يوم الغد مع شباب عشيرته لكي يلقننا درساً لن ننساه.

ابناء الشيخ الجزائري توجهوا لشباب الجيران في الحي الذي نعيش فيه (عقد ابو الحسن الواقع في حي الحويش) وأخبروهم بأن «آل بو...» سيهجمون علينا يوم غد وعلينا الاستعداد. الجيران كانوا من العراقيين، وبعضهم كان من أصل إيراني، ولكنهم شعروا بالخطر يدهمهم فبدأوا الاستعداد عبر جمع الاخشاب ووسائل الدفاع الأخرى عند اشتباك الأيدي.

في اليوم الثاني عصراً، هجم شباب العشيرة النجفية المذكورة وبدأ العراك والضرب والشتم وما يشبه تكسير الابواب. غير ان شباب الحي تصدوا بجدارة لشباب العشيرة التي كان يهابها الجميع. ولذلك قام شباب العشيرة بتحويل هجومهم؛ إذ صادف مرور شاب إيراني (ليس من الحي) وكان المسكين لا يدري ماذا يدور، فانهالوا عليه بالضرب المبرح ولم يتركوه الا بعد أن شارف على الموت... وبعد ذلك نادوا شباب الحي وصالحوهم قائلين ان «المشكلة هي مع العجم فقط».

كانت تلك السنوات العجاف هي بداية وصول حزب البعث للسلطة، وكان الحزب ينشر الشعارات المعادية للإيرانيين في المدارس وفي كل مكان. بل ان المدرسين المنتمين لحزب البعث كانوا يقولون لنا اثناء التدريس «تستطيعون ضرب أي شخص عجمي (يعني إيراني الاصل) ولا يستطيع ان يفعل شيئاً، واذا ذهب إلى الشرطة فإنه سيحصل على مزيد من الضرب».

عندما وصل حزب البعث إلى الحكم في العام 1968 بدأت الحياة تتغير كثيراً. فبالنسبة إلينا كطلاب في الابتدائية شاهدنا كثيراً من الامور. في البداية كانت الكتب تتغير، وبدلاً من سورة الحمد او آية البسملة على الصفحات الأولى من الكتاب وجدنا بعض الكلمات المنسوبة لـ «القائد أحمد حسن البكر».

المدرسون البعثيون يمشون بزهو ويستطيعون تغيير الدرس من أية مادة إلى موضوع عن حزب البعث العربي الاشتراكي وعن شعاراته «وحدة وحرية واشتراكية»، «أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة»... إلخ. لا يجرؤ أي شخص على الاعتراض لان المدرسة ليست فقط مدرسة. فكل مدرس وكل فراش يحمل بيده «خيزران» وكل واحد منهم (حتى الفراش / حارس المدرسة) يستطيع ايقاف أي تلميذ وضربه بصورة مبرحة جداً ولا يوجد احد ينقذه. بل ان المدرس يستطيع ان يستعمل «الفلقة» مع التلاميذ. ولاستخدام «الفلقة» يأمر المدرس التلميذ بنزع حذائه وثم يأمر اثنين من الاشخاص بوضع «الفلقة» على رجليه ويتم رفع الرجلين إلى اعلى وعندما ينكشف اسفل القدمين ينهال المدرس على التلميذ بالخيزران بصورة شرسة بحيث لا يستطيع التلميذ المشي بعد ذلك.

قلائل هم الذين لم يحصلوا على ضرب الفلقة، اما الخيزران فلا يوجد احد لم يحصل عليه. لان المدرس يضرب لأتفه الاسباب. ومن القلائل الذين لم يتعرضوا لضرب الفلقة هم التلاميذ البحرينيون، أو ما يسميهم العراقيون «البحارنة».

«البحارنة» في مدرستي آنذاك (مدرسة الطالبية) كانوا أنا وأخي الاكبر (وفي آخر سنة لي في النجف كنت في الصف الخامس وكان قد دخل الصف الأول اخي صادق الذي يصغرني بأربع سنوات) وابناء السيدجواد الوداعي وابناء السيدشرف الخابوري (والذي كانوا يعتبرونهم من «البحارنة» على رغم انهم عمانيون) وفي احدى السنوات كان معنا ايضا سامي ابن الشيخ عيسى أحمد قاسم قبل ان ينتقل إلى مدرسة أخرى، وعدد آخر من أبناء طلبة العلوم الدينية.

هؤلاء «البحارنة» كانوا اهدأ التلاميذ ويحاولون الابتعاد عن المشكلات ما استطاعوا ذلك. وكانوا هم ايضا الذين يلتزمون بالفرائض الدينية أكثر من غيرهم، ويبدو ذلك واضحاً في شهر رمضان. ففي هذا الشهر المبارك يصوم التلاميذ البحارنة (الصغار الذين لا يستطيعون الصيام يقللون من اكلهم)، كما ويصوم معهم مدير المدرسة ونائب المدير وعدد قليل من المدرسين وربما بعض التلاميذ. احد المعلمين كان عالم دين يلبس العمامة الدينية (ويطلق عليهم العراقيون موامنة، ومفرد ذلك مومن)، ومدرس آخر كان يصوم اسمه الاستاذ كاظم عرفت بعد سنوات عدة انه من التيار الاسلامي (حزب الدعوة) الذين نحر اكثرهم نظام حزب البعث في الثمانينات. فيما عدا ذلك، فإن شهر رمضان (في ظل حزب البعث العربي الاشتراكي) لم يكن له أي معنى في مدرسة ابتدائية في مدينة الإمام علي (ع)، فالأكثرية تأكل وتشرب وتدخن. عندما يدخل المدرس إلى الصف فان رائحة دخان السجائر تصل إلى كل مكان.

طابور المدرسة اقرب إلى طابور عسكري، وفي احد الأيام وصلنا المدرسة واذا بها مملوءة بالملصقات والشعارات التي تمجد «حزب البعث» وتتحدث عن امور عدة لم نكن نفهم كثيراً منها. فبالاضافة إلى شعار «نفط العرب للعرب» كانت هناك مقتطفات لـ «الاخ القائد أحمد حسن البكر» الذي كان رئيساً للجمهورية قبل ان يطيح به صدام حسين في العام 1979. وفوجئنا في صباح ذلك اليوم بوقوف نائب المدير الذي كان شخصاً محترماً ومتديناً (ومن اصول إيرانية على ما اعتقد) يخطب فينا عن الاعمال العظيمة التي قام بها حزب البعث لخدمة العراقيين. وبدأ يعدد انجازات الحزب في مدينة «دهوك» شمال العراق وفي بغداد وكيف اقام الطرق وسهل الامور... وبعد ذلك طلب منا ان نخرج في مظاهرة تأييدية لحزب العبث. كان ذلك كما اعتقد في العام 1970 أو 1971.

دخلنا الصفوف وكثير منا خائفون وكان يجلس بجانبي السيدعلي بن السيدشرف الخابوري وبعد عدة طاولات كان هناك السيدمحسن بن السيدجواد الوداعي، وبدأت انظر اليهما وماذا كان سيفعلان. التفت إلى السيدعلي وقلت له «لقد حذرني والدي من البعثيين والبعثي لايؤمن بالدين، مثل الكافر، ماذا نعمل؟». بعد عدة مداولات قررنا ان «نتظاهر» بالهتاف من خلال تحريك الشفاه ولكن من دون النطق بالشعارات لاننا اذا لم نشارك فان مصيراً اسود ربما ينتظرنا.

جاء المدرسون واخرجونا من الصفوف بعد ان هتفوا عدة شعارات مثل «وحدة وحرية واشتراكية، أحمد قائدنا واحنا بعثية»، «امة عربية واحدة، ذات رسالة خالدة» إلخ... المقصود بأحمد هو أحمد حسن البكر الذي حكم ما بين 1968 و1979. خرجنا ونحن خائفون وبدأنا نحرك الشفاه من دون ان ننطق بأي من تلك الشعارات الصاخبة. امرنا المعلمون بالذهاب إلى المدارس الأخرى واخراج تلاميذها. وفعلاً كان يقودنا بعض المعلمين البعثيين لاسيما معلم الرياضة وكنا ندخل المدارس ونخرج التلاميذ. وعندما نمر امام مركز شرطة يزداد الحماس في الشعارات، ويقوم الشرطة برفع قبضات ايديهم مؤيدين لما نقول. ثم وصلنا إلى مدرسة رفض مديرها ان يخرج التلاميذ فما كان من تلاميذ مدرستنا الا انهالوا بالحجارة على المدرسة محاولين كسر بوابتها. واثناء القذف بالحجارة توقفت شعارات البعث وبدأت شعارات سوقية تشتم من بداخل تلك المدرسة. واخف شعار يمكن كتابته كان «ابو عقال لا تنقهر ترى الافندي قندرة». و«ابو عقال» هو الإنسان العادي الذي يلبس عقالا خارج المدرسة والافندي هم المدرسون والتلاميذ الذين يمنعون من لباس «العقال»، و»القندرة» تعني «الحذاء». ومعنى الشعار ان المدرس الذي منع تلاميذه عن الخروج انما هو «قندرة» (حذاء).

بعد ان أشبعوا تلك المدرسة رمياً بالحجارة توجهوا إلى مدرسة إيرانية بالقرب منها وانهالوا عليها بالحجارة والشتائم الشخصية والعنصرية التي كان يطلقها افراد حزب البعث (من المدرسين) الذي قادوا المظاهرة. ومن تلك الشعارات «العرب فوق المنارة والعجم بالطهارة»، و«الطهارة» هي المرحاض.

كنا اثناء القذف بالحجارة ننزوي بعيداً لكيلا نتورط في ايذاء أناس آخرين نتفق أساسا معهم في عدم الخروج. كنا صغار السن والحوادث كانت اكبر منا بكثير ولا نعلم شيئاً عن خلفياتها الهوجاء، فما عسى من كان عمره 9 او 10 أعوام ان يفهم كل الامور التي تدور حوله؟

مظاهرة اخرى خرجنا فيها - مرغمين - كانت ضد حزب البعث، والحزب الشيوعي هو الذي اخرجها، حملت احد شعاراته آنذاك «الوحدة الوحدة ياطلاب»... كنا قد انتقلنا لفترة وجيزة في مبنى مؤقت للمدرسة لاجراء بعض الاصلاحات في المدرسة الاصلية، وعند خروجنا من الدوام في احدى الايام الممطرة بدأ عدد من الطلاب الذين كانوا قد اتفقوا على اخراج التظاهرة بالضرب على الكتب والتصفيق والهتاف «الوحدة الوحدة ياطلاب»... الشعار كان جميلا، وسرعان ما اشترك الاكثرية في الهتاف، وتفرقت المظاهرة بسرعة... غير ان طابور اليوم التالي كان تحقيقا من المدرسين البعثيين بحثا عن الذين حرضوا عليها، وبالطبع فقد لاقى عدد من الطلاب نصيبهم من الضرب المبرح.

مظاهرة اخرى شاهدتها، من دون المشاركة فيها، كانت إما بمناسبة عيد الجيش او عيد العمال (لا أتذكر)، وكان كل الموظفين والعمال قد تركوا عملهم (ربما خوفا من العقاب او طمعا في المشي والصراخ) واشتركوا في تلك المظاهرة... اثناء انعقاد تلك المسيرة، كان المتظاهرون يضربون شخصا رفض الانضمام اليهم، وكانت وسيلة الضرب مؤلمة، فكل شخص يقوم بضربه بقوة خلف رقبته، ويدفعه الى الامام (أضرب وأشمر)، ويصرخ «خائن» ويأمر الآخرين بانه يتوجب عليهم ضربه الى ان يصل الى مقدمة المظاهرة، وهناك يتم تسليمه الى الشرطة... لم استطع الاستمرار في متابعة ماجرى لذلك الرجل المسكين، فالمظاهرة طويلة جدا، واحتمال اما انه اغمي عليه قبل ان يسلم الى الشرطة، وربما حدث له امر اسوأ من ذلك.

مدرستنا (الطالبية الابتدائية للبنين) كانت مكتظة جدا في الصباح، وفي المساء تتحول الى مدرسة اخرى باسم آخر، وفي المساء تتحول الى مدرسة ثالثة باسم آخر ايضا. فراش (حارس) المدرسة كان لقبه «عمي حسين»، وشخصيته قوية جداً وتنافس المدير، اذ كان يعتقد ان من حقه ان يأمر ويضرب التلاميذ سواء كانوا داخل المدرسة ام خارجها. اما نحن فكنا نغتنم بعض الفرص (خارج الدوام) لاثارته عبر اطلاق بعض العبارات والهرب قبل ان يرى وجوهنا ويتعرف علينا، ومن تلك العبارات «عمي حسين، اقعد زين، بيع الطماطة بفلسين». ولقد كنا نشتري المأكولات حينها بفلس او فلسين او عدة فلوس... وكانت عشرة الفلوس العراقية آنذاك شيء كبير اذ انها كانت تعطيك وجبة كاملة.

التحريض البعثي ضد «العجم» لم يكن له حدود، فكل عراقي من اصل إيراني (عجمي) خائن يجب طرده من العراق، وكل عراقي من اصل عربي ويعارض نظام البعث يلصقون به تهمة العمالة لتركيا آنذاك، وعلى العراقيين انذاك ان يختاروا بين ان يكونوا بعثيين، او عملاء لايران او عملاء لتركيا.

تهمة العمالة لتركيا ألصقت برموز عشائرية ودينية كبيرة. وعلى أساس ذلك تم اعتقال وإعدام ومطاردة عدد غير قليل من العراقيين عند وصول حزب البعث الى الحكم في 1968. ومن الذين أصابهم البعث بتهمه العمالة لتركيا كان الشهيد السيدمهدي بن الإمام محسن الحكيم الذي كان يعتبر الذراع اليمنى لوالده. وعندما وُجهت تهمة العمالة لتركيا هرب من العراق إلى البحرين ثم الامارات، وبعد ذلك إلى باكستان ثم إلى لندن وتم اغتياله في الخرطوم في نهاية الثمانينات من القرن الماضي بعد قرابة عشرين عاماً من المطاردة البعثية.

منقول من شبكة البتول

العلامة المجاهد الشيخ الجمري والجانب الأسري في حياته
حسين الناصري - 08/01/2008م - 10:51 م
--------------------------------------------------------------------------------

حينما تتصفح الصفحات الأسرية تجد كيف أن هذه الشخصية العظيمة كانت تعيش حياة سعيدة بفضل إيمانه ودماثة خلقه وسلوكياته العالية مع أقرب الناس إليه وهي زوجته "زهراء" والذي ساعد على ذلك هو التوافق بين الطرفين إيمانيا و وعيا للحياة وكيفية حسن البعولة والمعاملة ، يذكر سماحة الشيخ الجمري أن زوجته المؤمنة كانت تكن له حبا كبيرا وهو يكن لها كذلك حبا كبيرا ...




العلامة المجاهد الشيخ الجمري والجانب الأسري في حياته



قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً}[1] .

منذ أن خلق الله الإنسان جعل في حياته سنة وفطرة وهي تكوين الأسرة ولاتتحقق هذه الأسرة إلا بزوجين وأبناء، ووضع الله تعالى قوانين وشرائع تقوم هذه الحياة وتضمن لها سلامة الإستمرار وفق التعاليم الربانية وتعاليم الأنبياء والأئمة المعصومين (ع) ومن ركائز نجاح الأسرة المثالية هي المودة والرحمة كما ورد في الآية الشريفة الآنفة الذكر ومن خلال كلمة مودة ورحمة تندرج في سياقها الصدق ،الوفاء ،التضحية ،الإباء ،الحوار ،التفاهم التفاني ، التواضع ، التعاون ، الإيثار ... الخ .

الشيخ الجمري رائدا أسريا:ـ
سماحة الشيخ عبد الأمير الجمري (رض) كونه رائدا وقائدا وعالما ومعلما وقدوة للأجيال المؤمنة مثل في شخصيته وبفطرته السليمة وتمسكه بأخلاقيات أهل البيت "عليهم السلام" وتعاليمهم المعصومية شكلت هذه المعطيات بأن يكون سماحة الشيخ شخصية مثالية في الجانب الأسري وكيفية التعامل السلوكي أسريا مع الزوجة والأبناء وكيف يربي أسرة مؤمنة مثالية وفي ذات الوقت الذي جاهد نفسه للرقي بأسرته أخلاقيا وسلوكيا وجعلها متمسكة دينيا ومتمسكة بفطرتها الطبيعية وعرفت بأسرة قويمة مستقيمة هذه المثالية أصبحت مرآة للمجتمع وللأجيال المؤمنة وهذا هو ديدن القيادات الرابانية من أمثال شيخنا الجمري يسعون في تربية إطارهم الأسري وإطارهم المجتمعي .

الشيخ الجمري مع زوجته:ـ
حينما تتصفح الصفحات الأسرية تجد كيف أن هذه الشخصية العظيمة كانت تعيش حياة سعيدة بفضل إيمانه ودماثة خلقه وسلوكياته العالية مع أقرب الناس إليه وهي زوجته "زهراء" والذي ساعد على ذلك هو التوافق بين الطرفين إيمانيا و وعيا للحياة وكيفية حسن البعولة والمعاملة ، يذكر سماحة الشيخ الجمري أن زوجته المؤمنة كانت تكن له حبا كبيرا وهو يكن لها كذلك حبا كبيرا وكيف أن زوجته تحملت فقره في الحضر والسفر وتحملت غربته أثناء دراسته الحوزوية على الرغم من معارضة أهلها بعدم سفرها وتغربها إلا أنها أصرت أن تبقى مع زوجها في كل مواقع الحياة وكيف تحملت المعاناة التي لاحقت شيخنا الجمري أثناء نضاله وجهاده ومواجهته وتحديه للظلم والفساد الذي جثم على شعب البحرين من زمرة أمن الدولة الفاسدين والجلادين القساة في بحريننا العزيزة وكيف صبرت وتحملت سجن إبنها البكر لمدة عشرة اعوام وسجن زوج إبنتها لمدة سبعة اعوام وغربة أبنائها قهرا خارج وطنهم وبلدهم البحرين وهنا نص ما ذكره سماحة الشيخ (رض) من شهادة في حق زوجته أم جميل: "ولقد كشفت التجارب التي عشتها صبرها وصدقها وثباتها، فكانت بحق أعظم نعم الله عليّ بعد نعمة الإسلام " .. " أما أخلاقها معي وصبرها وحبّها لي فذلك في اعلى المستويات، كما ان حبي لها يكاد يتجاوز الحدود الطبيعية، فحياتنا الزوجية سعيدة جدا، لله الحمد والمنة على حسن توفيقه، وبالنسبة لما يحدث من خلاف في الرأي حول بعض المسائل والأمور المعيشية والبيتية وبعض القضايا ما اسرع ان يزول لوجود التفاهم والحوار وعدم التعصب وبناء الامور على القناعة، واشهد الله اني استفيد من النقاش معها" وفي هذا السياق تذكر ام جميل أن سماحة الشيخ الجمري حينما ينتابهم شيئا من الزعل البسيط يناديها بكلمة زهوري وبكلمات من شأنها ترفع حالة التشنج والزعل وبهذا الإسلوب تعود المياه لمجراها الطبيعي.

ويؤكد شيخنا الجمري أن أم جميل كانت في النجف الأشراف كانت تقوم بكل لوازم البيت من حيث شراء الحاجات وترتيب المنزل وتربية الأولاد وسائر الشؤون، وأنا كنت مشغولا بدراستي فقط. وكنت أسافر إلى البحرين كل عام مرة أو مرتين لقراءة شهر رمضان وعشرة عاشوراء واتركها غالبا في النجف مع الأولاد فتقوم بالرعاية وتدبير الأمور خير قيام. فكانت خير مؤازر ومعين، وأثناء اعتقال سماحة الشيخ الجمري في فترة انتفاضة التسعينات ووفاء لزوجته نظم أبيات من الشعر في حق زوجته ومن المعروف بأن شيخنا الجمري كان شخصية أدبية وله باع بارع في نظم الشعر ويشهد له بذلك سماحة آية الله الشيخ عيسى قاسم "حفظه الله " إذ يقول عن سماحته أنه كان أديبا وقوي شعره وسريع في نظم الشعر ، والأبيات هي كما يلي:

حبتك السماء بإنسانــــــةٍ حمدتَ ولازلتَ منها الشّيَــــــم
مؤازرةٍ عبرَ كلّ الظـــــــروف معاونةٍ، من عظيم القِسَـــــــم
ألستَ تخاطبها قــــــــــائلاً مقالة شخص بها قد جـــــــزم
خديجةُ لي انتِ أُمَّ الجميل يجازيك خيراً اله النّعـــــــــــــم
أنرت حياتي ملأت الضميــر كذا العينَ، سُلِّمت من كلّ ذم

ضرورة الإقتداء بالعظماء:ـ
هذه بعض مقتطفات نورانية تتحدث عن الجانب الأسري في حياة سماحة العلامة المجاهد الشهيد الشيخ عبدالأمير الجمري رضوان الله تعالى عليه، ونأمل من عشاق جمري هذه الأمة أن تحذو حذوه في كل سلوكياته واخلاقياته وتمتثل لمواقفه في هذا الشأن وتقتدي أثره فإن الإقتداء به منج ومفيد لمستقبل الأ مة من الناحية التربوية والسلوكية والتعاملية والأسرية وكم هو جميل أن نقرأ شخصيات علمائنا وكيف يتعاملون مع أسرهم وهنا اتذكر أيضا كيف إن الإمام الخميني (رض) شخصية مثالية في مسألة التعامل السلوكي والتربوي مع زوجته ومع أبنائه وأحفاده وكيف كانت زوجته تتعامل مع زوجها القائد الإمام الخميني (رض) ، ولا يسع المقام لذكر الأمثلة الناصعة التي تبين نورانية العلاقة بين الإمام وزوجته المؤمنة ، وكل ذلك بفضل الإقتداء ببيت فاطمة وعلي "عليهما السلام" في هذا الشأن التربوي والسلوكي والأسري ، وعلينا جميعا أن نتصفح سيرة عظمائنا كي نحذو حذوهم المبارك من أجلنا ومن أجل الأمة والأجيال.



والحمدلله رب العالمين








--------------------------------------------------------------------------------

[1] الروم: 21 .

Friday, January 25, 2008

منقول من منتديات يا زينب

بسم الشافي الكافي المعافي
عظم الله أجوركم إخوتي / أخواتي جميعاً بأقسى الرزايا و المصائب ، مصيبة أبي عبدالله الحسين عليه السلام و أهل بيته الكرام ، و أرفع التعازي إلى مقام صاحب الأمر و الزمان عجل الله فرجه و إلى السيد القائد الخامنئي حفظه الله و القلب النابض الأبي السيد حسن نصر الله و عالمنا الجليل السيد السستاني حفظه الله و علماء الأمة الإسلامية العاملين و الأمة الإسلامية جمعاء بالرزء العظيم.

لقاء مع الشيخ البطل الجمري

جميلٌ أن أراك أبا جميلٍ عزيز النفس و الخلق الجميل
جميلٌ أن أراك بثوب عزٍ رعاك الله من شيخٍ جليل
أبا منصور يا حسن السجايا و قاك الله من خطب جليل
أيا شيخ البلاد بقيت ذخراً لأهل الخير من أملٍ طويل

شعر: علي ادريس الغانمي

[http://www.aljamri.org/1_small.jpg

ربما تعجبون .. !!
فكيف يكون لقاء مع الشيخ الجمري – حفظه الله- و هو في حالته هذه؟؟
و لكن إن تابعتم معي هذا اللقاء سترون فعلاً أنه" لقاء مع البطل الجمري" لأن اللقاء كان مع أحب الناس و أقربهم إلى نفس و روح و وجدان هذا الرجل العظيم حتى أنكم لتشعرون بالفعل كما شعرت –أنا- أنني ...معه..
تلك المؤمنة الصابرة المجاهدة .. إلى جانب كونها لماحةً و ذكية..لا أراها و إياه إلا زينب و حسين آخرين في زمنٍ آخر مع شخوصٍ آخرين..
استقبلتنا بابتسامتها الجميلة التي ما فارقتها رغم كل ما مر بها و بوجه حنون رافقتنا إلى إحدى الغرف .إنها أم جميل ( رفيقة الدرب و مهجة الروح للأمير الجمري) و التي هي إبنة لأسرة حسينية عريقة في خدمة أهل البيت عليهم السلام وو الدها ملا يوسف رحمه الله و جدها هو ملا عطية الذي لا زالت تردد قصائده ليس في البحرين وحدها بل في كثير من البلدان..
أخبرتها أن الهدف من هذا اللقاء هو الوقوف على آخر التطورات الصحية للشيخ – رعاه الله – بالدرجة الأول و من ثم إعطائنا فكرة عن علاقته بأسرته و علاقته مع الناس خاصة بعد تدهور حالته الصحية.
- أم جميل ، ما هي آخر التطورات الصحية للشيخ الجمري ؟ و هل هناك متابعة و إشراف لحالته من قبل أطباء مختصين؟
- منذ قرابة السنة بعد عودته من أحد مستشفيات السعودية كانت صحته أفضل من الآن بكثير فقد كان يصلي بحضور قلبي و لو أنه كان يومأ إلى السجود بانحناء بسيط و بمساعدة في الوضؤ و كان كلما سمع الأذان يتابعه باهتمام و يتجاوب مع كلماته ، دائم السلام على رسول الله صلى الله عليه و آله و الزهراء فاطمة عليها السلام و كذلك صاحب الأمر و الزمان عجل الله فرجه الشريف. كان وقتها قادراً على الكلام و القراءة و يكتب الشعر بصعوبة لكنه لا زال حينها يتمتع بحسٍ شعري.
بعد عودته من السعودية مباشرة طلب لبس عمامته لأنه لم يلبسها منذ وقتٍ طويل و شرع في قراءة القرآن الكريم .


http://www.aljamri.org/7_small.jpg

أما بعد سفره للعلاج في ألمانيا فإن حالته لم تتغير بل أصبحت أكثر سوءاً و انتكست صحته بشكلٍ كبير فهو لا يستطيع القيام و يتحرك بصعوبةٍ بالغة ، نعم .. هو يدرك و يتعرف على الأشخاص و يتفاعل مع مصيبة أبي عبدالله الحسين عليه السلام بالبكاء لكنه لا يتكلم فقط لا و نعم.
شخصت حالته على أنها جلطة في المخ أثرت على النطق لديه رغم أن الأشعة تظهر مقاومة كبيرة لديه يستشف منها إصرار على المحاولة و عدم الإستسلام للمرض.الطبيب السعودي قال: الحالة مستقرة و لا أمل في أن يكون أفضل مما عليه الآن و الحمد لله أنه لا زال متماسكاً و هذه نعمة كبيرة من الله عز و جل.
طبعاً هناك متابعة لحالته الصحية و له معاملة خاصة في المستشفيات و من الأطباء الذين يتابعون حالته الآن الدكتور عادل الجشي و الدكتور محمد حسن الدرازي يتابع حالته باستمرار في المنزل.

- هل تعتقدون أن الشعب يدرك حجم التضحيات التي قدمها الشيخ ؟ و هل هناك تواصل بينهم و بينه أم أن هناك قطيعة و عزلة بين الطرفين؟
- على العكس من ذلك تماماً ، واقعاً الكل يبادر لزيارته القريب و البعيد و حتى من خارج البحرين يقدمون له الزهور و الهدايا و الزيارات متكررة و الحمد لله و كل العلماء الأجلاء يزورونه و خاصة الشيخ عيسى أحمد قاسم رفيق دربه . حتى أنني أتذكر موقفاً للسيد عبدالله الغريفي حين كان يزوره في المستشفى و هو موقف مؤثر حين احتضنه و أخذا يبكيان معاً. هذا إلى جانب القصائد و الخواطر التي تجود بها قريحة المحبين للشيخ.


http://www.aljamri.org/Pictures/12-07-2003/dsc06981.jpg

- على الصعيد العائلي كيف هي علاقته بكي كزوج و مع أولاده كأب ؟ هل يناقشهم ، هل هو صديق لهم أم مجرد أب و كيف هو مع البنات خصوصاً؟
تورد خديها و هي تستجلي ذكرياتها معه و ربما – حسبتها- غرقت بعيداً عنا في بحور الذكريات..
- بالنسبة لعلاقته معي كزوجة رائعة جداً و مميزة حتى أنه كان يغرقني بحبه وحنانه أما مع الأولاد فهو يدللهم كثيراً و يهتم بشؤونهم و خاصة البنات هم طبعاً الأكثر دلالاً على الإطلاق و كذلك زوجات أولاده يعاملهم مثل بناته تماماً ، هذا إلى جانب حبه الشديد للأطفال .
يحاور أولاده باستمرار و يناقشهم ، خاصةً جميل و كذلك زوج ابنته عبد الجليل فهو ذراعه الأيمن لكن بعد سجن الإثنين لم يعد لديه سوى ابنه صادق الذي وقف مع والده و عاونه في أموره.
( أولاد الشيخ بالترتيب: محمد جميل، منصور، صادق، محمد حسين، لؤي، علي و مهدي- بنات الشيخ بالترتيب: عفاف، منصورة و نبراس)

تراث الشيخ الديني و الثقافي و العلمي عمل يستحق التقدير و مفخرة للجميع ، يا ترى هل هناك عمل و مجهود جاري لتجميعه و توثيقه و نشره؟
- طبعاً مؤلفات ودواوين و قصائد الكثير منها موثق في كتب و هناك بعض كتاباته في أثناء مرضه هناك مجهود من قبل ابنه منصور و سكرتير مكتبه و يده اليمنى و الذي يقوم بأعماله سيد طالب أيضاً.

- هل ترين أبا جميل في أيٍ من أولادك ؟ أقصد في منهجية التفكير و السلوك و الصفات؟و هل يسعى أحدهم لنهج الوالد ؟ و هل لديهم ميل للكتابة كما الوالد حفظه الله؟
- ابني محمد جميل لديه ميل للكتابة لكنه لا يملك الوقت بسبب طبيعة عمله، و بالنسبة لمنصور فلديه نشاط كبير على المستوى السياسي، أما مهدي فلديه بعض الأنشطة على مستوى بعض المنتديات.
أنا لا أرى له شبيهاً بين أولاده و إن كان كل منهم مميز فيما اختاره.
-هل أنتي راضية عن منهجية الشيخ في حياته على كافة الأصعدة؟ -لا أنكر أنني تعبت كثيراً في الغربة و الأطفال لكنني راضية تمام الرضا عن كل ما قدمه أبا جميل من تضحيات و مواقف جريئة و صادقة ، فهو جريء و مضطلع على أحوال الناس ، و كلمة الحق تقال فقد كان يسهر و يألم لعذابات الآخرين و يسهر مفكراً طوال الليل إذا علم بسجن أحدهم فهو بمثابة أب للجميع .يساعد الكثير من الأسر المحتاجة سراً إلى أن تمكن منه المرض فأعطاني الوكالة لثقته بي لتولي أمور الأسر و الخمس و كل شيء.
لذلك لدي قناعة كاملة بكل مواقفه و لو عادوا لعدنا.

- أم جميل هي الأقدر بنظري و الأقوى من خلال قرائتي المتواضعة لمواقفها البطولية و صمودها رغم كل الصعوبات . فما رأيك؟
بابتسامةٍ خجولة ، قالت : لا أنكر أنني وقفت مع زوجي في أحلك الظروف لكنني أعتقد أنه واجب كل زوجة مؤمنة أن تساند زوجها و تؤازره في طريق الحق . و أكثر ما أثر بي غربة ابني منصور و الذي ما رأيته طوال سني غربته الخمسة عشر سوى ثلاث مرات و عنما عاد كان ذلك بمثابة معجزة ، حيث ظل الخوف يلازمني مدة من أن يصيبه مكروه ما.
رغم كل ماحدث من ابتلاءات لم أشعر بالخوف بل بشجاعة و قوة أستمدها من قراءتي الدائمة للقرآن الكريم و لزيارة عاشوراء.
- من يقوم باستقبال موفدي الوكالات الأجنبية و العربية طوال الفترات الماضية؟
- كنت أستقبلهم بنفسي و أحاورهم عبر مترجم و ذلك حتى يصلهم الأمر بالصورة الصحيحة و من تلك الوكالات و كالة أمريكية لا أتذكر اسمها و أيضاًال BBC .
- إلى أي مدى أنتي راضية عن حال المجتمع البحريني في ظل الظروف الحالية؟
- أتمنى للمجتمع البحريني كل الخير و التوفيق و طبعاً رغم التحسن الذي طرأ على و الإصلاحات لكن الشعب بحاجة إلى حلول جذرية لمشاكله و إصلاحات أكبر في المرحلة القادمة.
- هل هناك اختلافات في و جهات النظر بين أبنائك؟ و هل تحدث نقاشات حادة على أثر هذا الأختلاف ؟- طبعاً لابد أن تحدث اختلافات في و جهات النظر و ذلك يحدث في كل العائلات و طبعاً يحدث نقاش غير حاد بل هاديء غير أن الإختلاف دوماً لا يفسد للود قضية فهم متحابين و متفاهمين رغم اختلاف نظرتهم للأمور.


http://www.aljamri.org/Pictures/12-07-2003/dsc06996.jpg

و إليكم مقتطفات من مذكرات الشيخ الجمري ضمنّه حديثاً حول صمود الزوجة المكافحة و الهجرة إلى النجف:
النسب: و الدي هو منصور بن الحاج محمد بن عبد الرسول بن محمد بن حسين بن إبراهيم بن مكي بن الشيخ سليمان الجمري البحراني، و تعرف أسرتنا بآل الشيخ سليمان ، و بآل محمد.
و لدت في القرية المعروفة ب " بني جمرة" في العام 1937م ليلة الجمعة، و نشأت و تربيت في كنف والدي التقي العارف منصور طيب الله ثراه . و قد بذل قصارى جهده في تربيتي، و أدخلني مدرسة البديع الإبتدائية للبنين، و كان كثيراً ما يصحبني معه إلى المجالس التي يذهب إليها ، و إلى السوق أحياناً ، حينما يذهب لقضاء شئونه و شراء حاجياته. و صار يعلمني القرآن بعد إكمالي السادسة من عمري، حتى نهاية الجزء التاسع ، و فهمت باقي الأجزاء بلا معلم . وفي هذه السن علمني الوضوء و الصلاة . درست في مدارس البحرين و تعلقت نفسي منذ صغري و أنا في الإبتدائية بالمنبر الحسيني ، فكنت أقرأ مقدماً للخطيب ملا جاسم محمد حسن نجم الجمري.
حياتي الزوجية:كان زواجي من ابنة العم : زهراء ملا يوسف ملا عطية الجمري " أم جميل " ، و كنت قد أكملت العشرين ، و هي قد أكملت السادسة عشرة، بتأريخ 19 فبراير / 1957 م ، ووجدت في هذه الزوجة الكريمة بغيتي و أمنيتي خلقاً و خلقاً وصدقاً ووفاء والتزاماً، و لقد وقفت معي موقف المؤازرة في كل أدوار حياتي ، و قد شاء الله سبحانه لي معها حياة زوجية سعيدة جداً ، و لم أكن معها لأرى يوم بؤس أبداً في كل الأحوال و الأطوار التي عشناها ، و أرى من باب الوفاء أن أذكر بعض مواقفها كنموذج لمؤازرتها ووفائها و كفاءتها:
بعد الزواج بفترة قصيرة ، و حيث أنها تجيد الخياطة ، و إحساساً منها بحالتي المادية و تدنيها آنذاك طلبت مني أن اشتري لها ماكنة خياطة، فاشتريتها بمائتي روبية آنذاك إذ كان النقد آنذاك هو الروبية ، ثم طلبت أن آتي لها ب" طاقة قماش" و صارت تفصل و تخيط أقمصة و ألبسة ، و تدفع إلي الكمية التي تجهزها فأذهب بها إلى السوق و أدفعها إلى بعض الباعة يبيعها و له فائدة . فاستفدت من فكرتها و جهدها كثيراً جزاها الله خيراً.
و عندما أردت الهجرة إلى النجف الأشرف للدراسة في العام 1962م عارضني أهلها خوفاً عليها بلحاظ أنني فقير ، و حدث بيني و بين العائلة خلاف، وأصررت على موقفي و أصروا على موقفهم ، فحسمت هي الموقف بحزمها و ايجابيتها و إخلاصها حين قالت : " لا تهتم أين ما تذهب أذهب معك ". و هكذا كان فهاجرت و هاجرت معي بطيب نفس.
و في بعض السنين مرت بي حال ضيق في النجف الأشرف ، و ضاق صدري ، حتى إني عرضت نفسي للإستدانة من بعض المؤمنين فاعتذر، فلما رأت ما بي من ضيق الصدر قالت بصدق و ايجابية: " خذ ذهبي و ارهنه، و إذا تمكنت من فكه فكه، ولاتهتم". و عزمت على الذهاب إلى السوق الكبيرةلأرهن ذهبها عند بعض الصاغة، و لكن تصورتها كيف ستبقى – و هي شابة – من دون ذهبها و زينتها، فتراجعت عن بيع ذهبها، و هنا فتح الله علي و يسر لي المصرف بما يشبه المعجزة ، إذ دخلت إلى مكتبي و فتحت بعض الكتب أنظر فيها،و إذا بي أرى فئة لعشرة دنانير عراقية ، فأخذتني الرهبة و الدهشة و العجب إذ لم أذكر إنني وضعت في هذا الكتاب أو غيره مالاً، و ليس هذا من عادتي ، و ليس هناك غيري يتصرف في المكتبة أو يمارس استعمال الكتب فيها . و هذا القدر من المال هو الذي طلبت من ذلك المؤمن – غفر الله له- أن يقرضني إياه فاعتذر.
هذه نماذج من مؤازرتها و مواقفها . أما أخلاقها معي و صبرها و حبها لزوجها فذلك في أعلى المستويات ، كما أن حبي لها يكاد يتجاوز الحدود الطبيعية، فحياتنا الزوجية سعيدة جداً، لله الحمد و المنة على حسن توفيقه. و بالنسبة لما يحدث من خلاف في الرأي بشأن بعض المسائل و الأمور المعيشية و البيتية و بعض القضايا ما أسرع أن يزول لوجود التفاهم و الحوار و عدم التعصب و بناء الأمور على القناعة . و اشهد الله إني استفيد من النقاش معها، و لقد كانت في النجف الأشرف تقوم بكل لوازم البيت من شراء الحاجات و ترتيب المنزل و تربية الأولاد و سائر الشئون ،و كنت مشغولاً بدراستي فقط. و كنت أسافر إلى البحرين كل عام مرة أو مرتين لقراءة شهر رمضان و عشرة عاشوراء و أتركها غالباً في النجف مع الأولاد، فتقوم بالرعايةو تدبير الأمور خير قيام . فكانت خير مؤازر و معين.
و لقد كشفت التجارب التي عشتها صبرها و صدقها و ثباتها، فكانت بحق أعظم نعم الله علي بعد نعمة الإسلام . أذكر في 6 سبتمبر/ أيلول 1988و قد جاء العقيد عادل فليفل مع عدد من ضباط الأمن لاعتقالي فوقفت بباب المنزل حائلة بين القوم و بيني لا تدع أحداً يدخل إلى المنزل ، و صارت تتكلم لأولئك بصوت و منطق شجاع ما كنت أتوقعه منها، و لو لم أتدخل في إقناعها خشية أن يمسوها بسؤ أو يغلطوا عليها ، لما غيرت مكانها و لهجتها، و لما تمكنوا من أخذي.و لقد كانت ممسكة بجواز سفري و هم يريدون أخذه ، و لو لم أتدخل في إقناعها لما أمكنهم تسلمه، فأخذته من يدها و سلمته إليهم.
و أدكر من كلماتها في وجوههم بصوت عال و هم يريدون دخول المنزل للتفتيش:" لماذا تفتشون منزلنا؟ هل عندنا متفجرات أو قنابل، من أين تأتينا ، من أي طريق، هل نزرعها زراعة فنحصل عليها؟" و لقد حالت بقوة موقفها بينهم و بين الدخول إلى التفتيش. و عندما أرادوا أخذي لإركابي في السيارة قالت:" لا أدعكم أبداً أن تأخذوه حتى أخبر الناس، إنكم ستأخذون رجلاً له ثقله و لستم تأخذون حيواناً"، و ابتدرت إلى مكبر الصوت في جامع الإمام زين العابدين "ع" المجاور للمنزل ، و رفعت صوتها :" أخذوا أبو جميل ، جاءوا لاعتقاله ياناس، يامؤمنين". فصار الناس يتواردون من كل جانب رجالاً و نساء و شباباً و شيوخاً، و كانت هي السبب في حصول المظاهرة الصاخبة بسبب اعتقالي "6 سبتمبر 1988" و اضطرارهم إلى إعادتي بعد ساعة و ربع تقريباً " في هذه الأيام اعتقل زوج ابنتي عبد الجليل خليل إبراهيم، و ابني الأكبر محمد جميل , و حكمت عليهما محكمة أمن الدولة لاحقاً بالسجن 7 و 10 سنوات على التوالي". و لقد قلت في حقها من قصيدة لي التي نظمتها في سجني الثاني ، عدا قصيدتين خالصتين فيها إحداهما بالفصحى و الأخرى باللغة الشعبية، قلت مخاطباً نفسي:
حبتك السماء بإنسانة
حمدت ولازلت منها الشيم
مؤازرة عبر كل الظروف
معاونة، من عظيم القسم
أنرت حياتي ملأت الضمير
كذا العين، سلمت من كل ذم
و لقد كان موقفها و أنا في سجني الأول و الثاني موقفاً رائعاً و فريداً ، من حيث الصبر و الثبات و رعاية العيال ، و المطالبة بي و تفقد أحوالي ، و النشر و الإعلام ، فكانت بحق في الإنتفاضة المباركة الشرعية عنصراً فعالاً.


http://www.aljamri.org/Pictures/12-07-2003/dsc06976.jpg
انتهى..
ملاحظة : الحوار الذي دار مع أم جميل رعاها الله كان بمعية الأخت الفاضلة عبير الأمل و التي أعتبرها أخت و صديقة فليحفظها الله و يسدد خطاها.
نورس

--------------------------------------------------------------------------------

نورس07-02-2006, 05:37 PM
بسمه تعالى
أختي الكريمة حبيبي العراق، سلام من الله عليكم و رحمة منه و بركات
شكراً لك على التعديل و المساعدة ووفقك الإله لما يحب و يرضى و مؤيدةٌ بإذنه تعالى بالسداد.
نورس

--------------------------------------------------------------------------------

أحلى الأيام10-02-2006, 05:14 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
عظم الله أجورنا و أجوركم
أختي العزيزة نورس مجهودك رائع جداً و هذااللقاء كان فعلاًغير متوقع مع زوجة الشيخ عبد الأمير الجمري وكذلك مذكرات الشيخ التي تصف موقف زوجته المثابرة و الصامدة إلى جانبه و نتمنى الشفاء العاجل للشيخ الكبير وكذلك الشفاء أيضاً للشيخ عيسى أحمد قاسم الذي على ما يبدوأنه يتعالج في إيران حالياً بحق أبي عبدالله الحسين عليه السلام.
أحلى الأيام.

--------------------------------------------------------------------------------

عاشقة المهدي(ع)10-02-2006, 09:28 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد
عظم الله أجورنا و أجوركم
أشكركٍ أختي نورس ع اللقاء والمجهود الكبير على العمل الرائع والله يخلي زوجة الجمري وأولاده وأحفاده ويجدوه في احسن حالة وصحة والعافية والله يعطيها العافية زوجتة الصامدة المثابرة المحافظة على زوجها واسرتها ووقوفها مع زوجها في وقت الضيق وان شاء الله يشافي الجمري قريباً بحق هذا الشهر والامام الحسين(ع) يشافيه ويشافي كل مريض ...

--------------------------------------------------------------------------------

حبيبي العراق10-02-2006, 11:02 PM
اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

لا داعي للشكر اختي العزيزة نورس,,
فجميعنا خدمة السيده العقيله الحوراء الانسيه عليها السلام,,
ويعطيكِ العافيه على هذا الموضوع الخاص بسماحة الشيخ المجاهد المناضل عبد الامير الجمري,,

أختكم حبيبي العراق
تسألكم الدعاء,,

--------------------------------------------------------------------------------

نورس11-02-2006, 02:51 AM
بسمه تعالى
السلام على الغريب المظلوم العطشان و على أهل بيته و أنصاره.
أخي أحلى الأيام أشكر لك تواصلك معي و هاك الله لما فيه الخير و الصلاح.
أختاي الكريمتان عاشقة المهدي و حبيبي العراق تمنياتي لكما بالموفقية و السداد بمشيئته تعالى و لا تحرمونا تواصلكم.
نورس

--------------------------------------------------------------------------------

دموع12-02-2006, 10:55 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

وراء كل رجل عظيم .. امرأة عظيمة ..!
وهذا ما جسدته زوج شيخنا الجليل عبد الأمير الجمري .. حفظه الله ورعاه

شكراً للأخت الكريمة نورس .. لنقها لنا وقائع هذا اللقاء ، للعبرة والاتعاظ ..!!

تحـ دموع ـياتي

--------------------------------------------------------------------------------

سمراء14-02-2006, 03:59 PM
السلام عليكم
مأجورين إخواني
صدقيني هذي المرأة أعرفها يوم كانت با العراق و الله مجاهدة و طيوبة و تعبت وايد ووقفت مع زوجها الشيخ الله يشافيه و أشكرش نورسة على ها اللقاء و انشاء الله ما يكون آخر لقاء معاكي حبيبتي
سمراء

--------------------------------------------------------------------------------

Friday, January 11, 2008

منقول

قاسم: سنبقى مدينين لجهاد الشيخ عبدالأمير الجمري


احتشدت جماهير غفيرة مساء أمس في الساحة المقابلة لمقبرة بني جمرة في الحفل التأبيني السنوي الأول لرحيل الشيخ عبدالأمير الجمري الذي تستمر فعالياته حتى مساء اليوم. وفي بداية الحفل، عرض رئيس تحرير صحيفة «الوسط» منصور الجمري نماذج من حياة الشيخ الجمري الذي اكتسب من خلالها حب الجماهير قائلا:« إن اليوم الذي توفي فيه الوالد لم يكن يوماً عادياً، وكان من أبرد أيام السنة وكانت الحشود تفد بشكل لم تشهده أية جنازة في تاريخ البحرين. وكانت الترتيبات تجرى بسرعة بمشاركة مجموعة من العلماء والأعلام، واضطررنا إلى نقل الجنازة سراً إلى منطقة في وسط منطقة البديع بعد أن سرت الأخبار بوجود أعداد هائلة تسعى للمشاركة في المسيرة، وكانت المسيرة كبيرة جداً بحيث لم يكن المشاركون في الصف الأول من الجنازة يسمعون من بآخرها».

وعاد رئيس تحرير «الوسط» بذكريات الحضور إلى اللحظات الأخيرة من توديع الشيخ الجمري، مشيراً إلى أن» إدخال الجنازة إلى القبر كان من أكبر التحديات، وساعد البرد القارس في تفريق الجموع، ولولا هذا البرد لما فارقت الجماهير القبر حتى أصبوحة اليوم التالي، وكان الشباب يعملون جاهدين لحماية القبر من الاندثار، كل تلك مشاهد لا يمكن أن تمحى من الذاكرة، والسؤال الذي ظل يطرق مخيلتي هو: ما الذي كان يربط هذه الجماهير بالشيخ الجمري؟...».

وقال الجمري:« للإجابة عن هذا السؤال لابد أن نطوف بمحطات حياة الشيخ الجمري، ففي العام 1973 عندما عاد الوالد لترشيح نفسه للمجلس الوطني للدائرة الرابعة عشرة التي تضم قرى عدة كانت الدوائر موزعة بصورة عادلة أكثر من الوضع الحالي، ورشح نفسه وذهب في عدة زيارات وذهبت معه بمعية الشيخ عيسى قاسم إلى نادي البديع وهناك التقى بالأهالي وشرح لهم الأهداف التي يسعى لها من ترشحه، وأتذكر أنه أشار عندما زاره وفد من البديع أن مشاكلهم هي مشاكل القرى الأخرى».

وأوضح الجمري أن مجلس الشيخ عبدالأمير في بني جمرة كان مركزا للكتلة الدينية، وكان يذهب إلى المجلس الوطني في كل يوم وملئه النشاط، وفي أحد الأيام دخل مجلسه وهو حزين، وكان جوابه حين سألنا « لقد أغلقوه» وكان ذلك في العام 1975 عندما رفض الشيخ الجمري ومجموعة من النواب قانوناً لحبس الناس لمدة 3 سنوات بمجرد الشك فيهم.

وقال:«لقد كان الجمري يتحرك في المجتمع، ويسعى إلى توحيد كلمة علماء الدين وخطباء المنبر الحسيني (...) الجمري شخصية اعتصرت بألم الناس، وكان يردد عندما ساوموه في عدة مرات: «كل أبناء الشعب أبنائي» ولم يوقف أي شيء رغم أن مراقبته استمرت لمدة 20 عاما!... لقد كان وقوفه إلى جانب الفئات المحرومة، وأبناء الشعب، كل ذلك أسهم في تأصيل الحب بينه وبين الجماهير التي شيعته في أضخم مسيرة عرفها تاريخ البحرين».

وألقىالشاعر جعفر الجمري قصيدة بهذه المناسبة تناول فيها مفاصل من شخصية الشيخ عبدالأمير الجمري.

من جهته ألقى الأمين العام لجمعية العمل الإسلامي الشيخ محمد علي المحفوظ كلمة قال فيها: «أننا ننتمي إلى دين يحمل أتباعه المسئولية، ولأننا ننتمي إلى دين يدعو أتباعه إلى الحق ورفض الظلم، ولأننا ننتمي إلى دين يدعو إلى الخلق... ولأن الشيخ الجمري تربى في هذه المدرسة، بل وكان من رواد منابر ثورة الإمام الحسين (ع) التي علمت الناس كيف يحملون الحق ويتحملون المسئولية وكيف يحملون الأخلاق، ولأننا ننتمي إلى هذا الدين العظيم، فمن الاستثناء ألا يخرج من يحمل هذه الأخلاق».

وأضاف «لأن العلماء ورثة الأنبياء، فمن الطبيعي أن مسيرة ذات الشوكة لابد أن يمر بها العظماء ومن يحملون على عاتقهم التطلعات والطموحات ومن يتحملون إغاثة الملهوف وإعانة المظلوم، ومن الطبيعي أن يتحمل الجمري هذا الطريق، طريق ذات الشوكة والصعوبات. لقد تحمل الجمري ما تحمله من صعوبات، بين سجن وإقامة جبرية ومرض، ورحل تاركاً هذه الأجيال من دون وضوح المصير، ولذا كان الفراق صعبا على الجمري وصعباً على محبيه».

وتعرض المحفوظ في كلمته إلى محطات رئيسية في حياة الجمري، ففي المحطة الأولى كان سماحة الشيخ الجمري صاحب مشروع كبير وهو تنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وتنظيم الواقع السياسي، ولخص مشروعه في شعار البرلمان وتحدث عن ضرورة مجلس نيابي ينظم العلاقة السياسية في أي مجتمع. وقد تحمل ما تحمل من أجل أن ينجح المشروع، وتعاون مع الناس وتعاون مع الأطياف المختلفة وكان واضحا أمام نفسه وأمام الناس.

وقال: «في المحطة الثانية، استطاع أن يجمع الناس من حول مشروعه ليدفع البلد باتجاه حراك سياسي واجتماعي جديد، وبقي صامدا حتى بعد غربة السجن والإقامة الجبرية واجتمع حوله الناس لأنهم يرون فيه الأمل... وفي المحطة الثالثة أن الشيخ الجمري بقي وفيا لمشروعه حتى بعد أن جيء بالبرلمان».

وتحدث رئيس المجلس الإسلامي العلمائي الشيخ عيسى قاسم عن شخصية الشيخ الجمري قائلا: «بُعدان لشخصية أبي جميل رحمه الله، بعدها الديني وبعدها السياسي، ليس لأن شخصيته اقتصرت على هذين البعدين؛ التقت شخصيته ببعد خط الله من خلال وحي الفطرة والبصيرة، فكان هذا الخط هو الخيار الاستراتجي في حياة هذه الشخصية على الإطلاق. وأن تبرز أبعاد أخرى لهذه الشخصية إنما هي امتداد من هذا البعد، وما زاد في تأصيله وعيه وبصيرته النافذة في هذا المجال».

وأضاف: «لا أظن ولا يظن عاقل بأن شخصية تمتلك الثبات على الطريق وأن تكون رسالية بحق وأن تستعلي على الدنيا، مغرياتها وتحدياتها. لست أظن أن شخصية يمكن أن تمتلك ذلك كشخصية صنعها الدين. وليس المهم في الكلام، وإنما بالمضي في طريق يأمر الله به وهو أمر فوق كل الحسابات الدنيوية ».

ولفت قاسم إلى أن الشيخ الجمري بقي ثابتا على الخط الإلهي، ومن هذا البعد كان نهجه السياسي... وكان للشيخ الجمري مع بقية العلماء مساع لتحريك القضية وكان للظروف حكمها، وكان للكبار تقديراتهم، وهناك حديث عن الانتفاضة وحديث عن مواجهة الفساد، ليس بمعناه الاصطلاحي السائد ولكن بمعناه اللغوي العريض الشامل، أصل مواجهة الفساد في الأرض، المنكر والظلم وتهميش الإنسان لإنسان وأكل القوي للضعيفة، الميل عن خط الكون، العدل والتكامل، كل هذا الانحراف مواجهته فرض في الإسلام لا يتخلى عنه.

وأضاف: «أما الانتفاضة فأسلوب، والأساليب متعددة، والحكومات هي من تتحكم في هذه الأساليب، وبدأت المطالبة من خلال المسجد وبعد أن يأس الناس دفعهم الوضع إلى الانتفاضة وأخذت شوطها، وجاء يوم الميثاق واختار الناس أن يعطوا كلمتهم للميثاق على أمل الإصلاح». وقال قاسم: « إذا جئنا لتجربة المجلس النيابي التي وضعت الحكومة على المحك وأمام الامتحان العملي الجدي، وهو فرصة أمام الحكومة لتعزز في نفوس الناس الإيمان بقيمة الحوار وبقيمة الكلمة».

ونوه قاسم إلى أن « الشيخ الجمري أكبر من قضية وطن، لا يمكن أن نقوقعه في قضية وطن فضلا عن أن نقوقعه في قضية برلمان. سنبقى مدينين له لجهاده وصلابته، وتقديمه لمثل كبير في الصمود على خط الله، وقد علمنا تاريخ الإسلام بأن الرجالات من صنع الإسلام هم الأكثر تضحية».

وفي ختام الحفل عرض الجزء الأول من الفيلم الوثائقي (ملحمة الصمود) عن حياة الراحل الكبير الشيخ عبدالأمير الجمري على أن يستكمل الجزء الثاني مساء اليوم ضمن فعاليات إحياء الذكرى السنوية الأولى للرحيل.

منقول من الوسط

منقول

كلمة سماحة الشيخ عبد الأمير الجمري في قرية السنابس-مأتم بن خميس- ليلة

--------------------------------------------------------------------------------

بسم الله الرحمن الرحيم،الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمدٍ
وآله الطاهرين،وأصحابه المنتجبين، والتابعين بإحسان إلى يوم الدين.

أيها الأحبَّة : عظَّم الله أجورنا وأجوركم بالحسين(ع) وأهل بيته وأنصاره.
وإنا لله وإنا إليه راجعون وسيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلبٍ ينقلبون، وبعد:

فقد قال الإمام الحسين(ع):{ الناس عبيد هذه الدنيا والدين لعقٌ على ألسنتهم
يحوطونه ما درَّت معايشهم فإذا مُحِّصوا بالبلاء قلَّ الديّانون}.

أحبَّتي نحن مع نصٍ وثائقي من نصوص الثورة الحسينية، نفهم من خلاله كيف
نصنع الموقف عند التحديات، وعند ما تكون الرسالة قد اُعُتدي على قدسها، ومن
هو الذي يصنع الموقف. أجل: من يصنع الموقف؟ من يصنع التاريخ؟ سؤال نطرحه
هنا وهنا نقرأُ هذا النص الوثائقي: هل يصنع الموقف الكسالى والمتقاعسون؟ أم
يصنع الموقف الجبناء والمُتلوِّنون بألف لون ولون؟!. لا نجهل جميعاً أنَّه
في وقت الرخاء والعافية نسمع الأصوات تتعالى، ويكثر الصراخ والضجيج، وترتفع
الشعارات والرّايات... كما لا نجهل أنَّه في حالات الشدَّة وساعات الضيق
نسمع التعقُّلات، والتّبريرات للصمت والسكوت، وتتلوَّن المواقف، ويكثر
المشكِّكون والمتلوِّنون، أين إذن نحن نرجو ونأمل الموقف الصحيح الإيجابي
الفاعل؟ هل نرجو أن نرى أهل الأصوات المتعالية حال العافية المتعيقلة حال
الضيق هل نرجو منهم أيَّ موقف شجاع؟! نعم يعطونك موقفاً، ولكن أيُّ موقف
هو؟ أما أن يكون موقفاً انهزامياً أو موقفاً زئبقياً!! وكلا النوعين من
المواقف مرفوض، سواءً المواقف الإنهزامية أو الزئبقية... والمشكلة الكبرى
ليست مع المواقف الإنهزامية، فأصحابها واضحون، وأنت تعرفهم وتدرك وضعهم
وحجمهم ونوعيَّتهم، ولكن المشكلة- أيها الأحبَّة- مع المواقف الزئبقية،
فهؤلاء ليسوا صرحاء،يكلِّمونك بصراحة، ويتعاملون معك بصراحة، وإنَّما
يتلوَّنون بألف ولون.

أحبَّتي: نحن حينما نتحدَّث عن الموقف- الذي هو الإنسان، هو كلّ شيء منه،
فالحياة موقف- لا نتحدَّث عن الحماس والإنفعال والفوضى والصراخ، كلاّ
وإنَّما نتحدَّث عن الموقف الواعي الذي ينبع عن وعي ودراسة، بعيداً عن
السذاجة والتّسرُّع والإنفعال، الموقف الذي هو نتيجة وعي، وهذا الوعي نتاج
خبرة وممارسة، فمثل هذا الموقف أقل خطأً، نعم الموقف التقوائي، وأعني
بالتقوى التي تُحرِّك في الإنسان روحَ المبادرة للعمل خوف غضب الله إذا
تقاعسَ وقصَّر في القيام بالواجب... الموقف الهادف، فموقفٌ بلا هدف هو موقف
ساذَج عشوائي فوضوي. الموقف النابع من بصيرة وإرادة، فالموقف الناجح يحتاج
فيما يحتاج إليه، إلى عنصرين رئيسيين: البصيرة والإرادة.

أجل- الموقف أيُّ موقف يحتاج لدراسة وتشخيص ثم لإرادة قويَّة قبل الفعل.

أحبَّتي: الحسين(ع): حينما تحرَّكَ لم يكن تحرُّكُه انفعالياً أو حماسياً،
بل تحرّك بعد دراسة وتشخيص وبإرادة بمنتهى الصلابة، فعل ذلك قبل أن يتحرَّك
أجل تحرَّكَ بعيداً عن الحماس والإنفعال. استمع إليه كيف يقدِّم تحليله
للموضوع، يقول(ع):{ يزيد رجل فاسق شارب الخمر قاتل النفس المحترمة ومثلي لا
يُبايعُ مثله} وبعد أن تفوَّهَ بهذا الكلام، وأعطى هذا التصريح لم يدخل
المسجد ويعتكف ويترك يزيد يعبث بالإسلام كما فعل غيره من اللاّ عمليين، من
السلبيين، من الإنهزاميين، ولم يهرَب إلى اليمن أو يلحق بالجبال كما اقترح
عليه من اقترح....بل قالها صريحةً مدوّيةً، وفعَّلها، وطبَّقها، وتحمَّل كل
نتائجها، قال {ومثلي لا يُبايعُ مثله}. أحبَّتي: لم يكن الحسين(ع) في موقفه
انهزامياً ولا زئبقياً، ولم يكن ساذجاً جاهلاً بعاقبة ونتائج موقفه، بل كان
مستعدَّاً لمواجهة وتحمُّل كل النتائج حيث قال:{ إنَّ الدنيا قد تغيَّرت
وتنكَّرت وأدبر معروفها ولم يبق منها إلا صُبابة كصُبابة الإناء وخسيس عيشٍ
كالمرعى الوبيل، ألا ترون إلى الحقِّ لا يُعملُ به، وإلى الباطل لا يُتناهى
عنه ؟ ليرغب المؤمن في لقاء ربِّه محقّاً، وإنِّي لا أرى الموت إلا سعادةً،
والحياة مع الظالمين إلا بَرْماً}. أجل- حينما تُهدَّد المقدَّسات، ويكون
الموقف مطلوباً فلا مجال لتبرير التخلُّف، ولا مجال للتسويف والمراوغة.
فالموقف المطلوب اليوم هو غيره غداً، والموقف المطلوب من العالِم والمثقَّف
هو غيره من الشخص العادي. وهنا المحك،وهنا التحدّي، وهنا يسقط رجال ويصعد
آخرون، وهنا تتكشَّف الأقنعة وتسقط البراقع والعناوين. وقد يكون- أيها
الأحبَّة- موقف شاب مخلص أفضل عند الله من موقف عالِمٍ أو مثقَّف مهما بلغ
في علمه أو ثقافته. صحيح نحن جميعاً نؤمن بأنَّ {مداد العلماء أفضل من دماء
الشهداء}. لكن لماذا؟ لأنَّهم يُشخِّصون الموقف ويُحدِّدون الأسلوب، وليس
لأيِّ سبب آخر. ما أريد أن أقوله هو: إنَّ الإسلام اليوم يحتاج لصنَّاع
المواقف السياسية والإجتماعية.

أيها الأبناء والبنات: فكما كنتم في المرحلة السابقة حاضرين في الساحة،
واضحين في المواقف فكذلك اليوم، نحن جميعاً مطالبون بالمواقف، ولكن مواقف
سياسية فيها أساليب سياسية، بعيداً عن الإنفعال والإرتجال، وأنتم أهلٌ
لذلك، كما برهنتم في الأيام السابقة. ولا يفوتني في الختام أن أطلب منكم أن
تقفوا وقفة إجلال وإكبار لشهدائنا الأبرار، لقراءة الفاتحة في هذا المكان
الذي وقفنا فيه جميعاً للصلاة على روح الفقيد الشهيد هاني عباس خميس، فإلى
روحه وأرواح جميع الشهداء والعلماء والمؤمنين والمؤمنات الفاتحة تسبقها
الصلوات على محمد وآل محمد.والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. :(
__________________

منقول

كلمة سماحة الشيخ عبد الأمير الجمري في الإحتفال المشترك لمآتم المحرَّق

--------------------------------------------------------------------------------

كلمة سماحة الشيخ عبد الأمير الجمري في الإحتفال المشترك لمآتم المحرَّق في
مأتم القراشية ليلة الأربعاء 5-3-2002م /20ذي الحجَّة 1422هـ بمناسبة عيد
الغدير الأغر
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمدٍ وآله المنتجبين والتابعين
بإحسان إلى يوم الدين.
أيها الأحبَّة: نحن نعيش هذه الأيام مناسبة الغدير، وفي رحاب الغدير،
ورسالة صاحب الغدير، أمير المؤمنين علي(ع). فلنأخذ فكرة عامة عن سلوك صاحب
الغدير، والأُطروحة التي تُجسِّدها سيرته الطاهرة؟ فمن هو صاحب الغدير وما
هي الأطروحة التي تجسدها سيرته؟ هو(ع)منبع الإيمان والحق، منبع العلم
والعمل، منبع الخير والعدل بكل ما لهذه الكلمات من معانٍ وشمولية، أجل هو
منبعٌ استلهم منه محبّوا العدالة أسمى المعاني الإنسانية، وتربَّى على
منهجه المسلمون الصادقون الصامدون، فكان لهم وجودهم الفاعل، ودورهم
المؤثِّر والمغيِّر. وهو الذي طرح المفاهيم الإنسانية العظيمة، والقيم
الرفيعة، هذه القيم التي تجسَّدت في كل مجال من مجالات حياته(ع)وبشكل خاص
في تجربته في الحكم، هذه القيم التي انصهر بها الآخرون، وأدركوا قيمتها
وعظمتها، فهاهو يقول في عهده العظيم لعامله على مصر مالك الأشتر:{ الناس
صنفان، أخٌ لكَ في الدين، أو نظير لك في الخلق}. هذا النهج الذي كان أساساً
بُنيت عليه وثيقة حقوق الإنسان ، هذه الحقوق التي تقول بكرامة الإنسان،
وسواسية الإنسان، وعدم إيذاء الإنسان.
وهو الذي كانت همومه، والأمر الذي يشغل باله، ويسهر ليله، ويقلقه ويؤرِّقه
هموم الأمَّة، أجل هموم الأمَّة هي همَّه الأول. وحدة الأمَّة يراها الإمام
فوق حقِّه في الخلافة، فرغم بيعة الغدير، ورغم النصوص التي وردت في حقِّه
عن النبي(ص) في أكثر من موقف، أجل رغم أنَّ حقّه ثابت لا غبار عليه ولا
شكَّ فيه، إلا أنَّه ومن أجل وحدة الأمَّة سكت عن حقِّه، لأنه صار بين
خيارين لا ثالث لهما، إما أن يُصرّ على موقفه ويواجه هو ومن معه من الأنصار
وتهلك الأمَّة، وتتمزَّق وحدتها، وتنتهي التجربة الإسلامية الأولى، وإما أن
يسكت ويصبر، ويقف بجانب الخلفاء مسانداً ومُسدِّداً، ومحافظاً على صيانة
التجربة، وعلى وحدة الأمَّة.
بعبارة أخرى: كان بين خيارين: الحفاظ على مصلحته الشخصية، أو الحفاظ على
مصلحة الأمةَّ، ولا شكَّ أنَّه لا يقدِّم على مصلحة الأمَّة أي مصلحة.
ولذلك قال:{ لأُسلِّمنَّ ما سلمت أمور المسلمين}. وفي هذا درسٌ عظيم لنا،
فليضع كلٌّ من السُّني والشيعي يده في يد الآخر، من أجل مصلحة الأمَّة،
وليتوحَّدوا، بعيداً عن الإنفعالات والحساسيات، من أجل مصلحة الإسلام،
ومصلحة الوطن، ولنسمع جميعاً ما يقول صاحب الغدير وما أعظم ما يقول:{
شُقُّوا أمواج الفتن بسفن النجاة}. إنَّه يدعونا إلى تحطيم الحواجز، وإزالة
العقد النفسية، والتعاون والتآزر، ولنلاحظ أوضاعنا المؤسفة، والدعايات
والعناصر التي تريد تفريقنا، وجدّية أعداء الإسلام في إيجاد التفرقة، وطرح
الشكوك، وإثارة الظنون السيئة في بعضنا البعض. وحين تسلَّمَ(ع) الخلافة
باشر خطواته الإصلاحية على الصعيدين الشعبي والحكومي، فهاهو لم يكتف
بموظفيه في معرفة أوضاع الأمَّة والإحاطة بها، بل نزل إلى الشارع هو بنفسه،
فتحسَّسَ المشاكل والآلام، رافضاً سكن القصور، واللذائذ، والطيِّبات،
مؤثراً أن يأكل الجشب من الطعام، ويلبس الخشن من الثياب مؤاساة للطبقات
الضعيفة والفقيرة من شعبه، قائلاً بملء فيه:{ أَوَ أبيت مبطاناً وحولي بطون
غرثى وأكباد حرَّى، أو أكون كما قال القائل:
وحسبـــكَ داءً أن تبيــتَ ببطنةٍ وحـولَـكَ أكـبـاد تـحـنُّ إلى
القَدِّ
أجل إنَّه يريد مؤاساة أقل فرد من أفراد المجتمع الذي يحكمه. وها هو يقدِّم
أكبر صورةٍ وأعظم رمزٍ للأمانة والمحافظة على المال العام. إنَّه ينهر أخاه
عقيلاً، ويَحمي له حديدةً يدنيها منه ليحسّ بحرارتها حينما طلب منه تفضيلاً
في العطاء. وها هو يحاسب على احتراق وذوبان الشَّمعة داخل بيت المال، حيث
يطفؤها إذا انتهى عمله لبيت المال وللأمَّة. وغياب هذا السلوك، وعدم تطبيق
هذه الأمانة وهذه المحافظة على أموال الأمَّة هو الآفة الكبرى التي تُعطِّل
نموَّ أي مجتمع. أجل إنَّ المصيبة الكبرى التي تُذهب كرامة الأمَّة هي
الفساد المالي والإداري، والتَّسلُّط على المال العام، وعدم العدالة في
التوزيع، والإستحواذ على خيرات البلاد دونما عدالة بين الناس في القسمة
والتوزيع والتعامل.
وتلك مدرعته المرقَّعة مضرب المثل، هذه المدرعة التي جُمِعت خيوطها من كدِّ
علي وجهوده وعرق جبينه، بعيداً عن أموال الأمَّة ومقدَّراتها، هذه المدرعة
التي كان لها شأن تعتز به الإنسانية، هذه المدرعة التي مثَّلت أرقى صور
الزهد، والعدالة، والتواضع، ونكران الذات، هذه المدرعة التي تخلَّدَ ذكرها،
وعطاؤها بينما بليت ثياب الأمراء وبليَ ذكرها ولم يبق لها إلا ذكر السوء
لأنَّها كانت من أقوات المساكين، هذه المدرعة التي ضمَّت نفساً عاشت لله،
للإنسان، للأمَّة، هذه المدرعة التي قال عنها(ع):{والله لقد رقَّعتُ مدرعتي
حتى استحييت من راقعها، ولقد قال لي قائل ألا تنبذُها عنك!! فقلتُ: اعزب
عنِّي فعند الصباح يحمُد القوم السُّرى.هذه المدرعة التي أعلنت أنه ليس همّ
علي الملابس الزاهية، كما أنَّه ليس همُّه المآكل النفيسة واللذيذة، ولا
الحكم والسلطان، ولا المال، بل همُّه الأكبر الإسلام، والأمَّة ووحدتها،
وسلامتها، ورفعتها، وقوَّتها، ومصلحتها، وحلِّ مشاكلها، هذه هي هموم علي،
وليس الشخصية، والذات، والمصالح الخاصَّة. لأيِّ فرد أن ينال من علي كشخص،
يستطيع أن يعتدي عليه كشخص، يستطيع أن يدَّعي درعه ولا يخاف ردَّة فعل
مثله،بل سيجده ينصاع لحكم القاضي الذي نصَّبه هو بنفسه والذي يحكم بالدرع
لخصمه..... لكن لا يستطيع أحد كائناً من كان أن يمس الإسلام أو يمس مصلحة
الأمَّة وشأنها ووحدتها.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
والى أرواح شهدائنا الأبرار وجميع أموات الأمة الإسلامية رحم الله من قرأ
الفاتحة تسبقها الصلوات على محمد وال محمد