اقرأ الحلقة الأولى من ملف "تسعينات البحرين": «الوسط» تفتح أوراق « تسعينيات البحرين »انقشاع أتربة عاصفة الصحراء... والنّخبة البحرينية تقود قطار الإصلاح
الوسط - حيدر محمد
var photos=new Array()
var photos2=new Array()
var photosAlt=new Array()
var photosAlt2=new Array()
var which=0
//define images. You can have as many as you want:
photos[0]='http://www.alwasatnews.com/wasatdata/alwasat/archive/2223/images/Alwasat-B90-10-7-1.jpg'
photos2[0]='http://www.alwasatnews.com/wasatdata/alwasat/archive/2223/images/Alwasat-B90-10-7-1.jpg'
photosAlt[0]=''
photosAlt2[0]=''
//imgsCount.innerText = "1 - " + photos.length;
//do NOT edit pass this line
var preloadedimages=new Array()
for (i=0;i0){
which--
applyeffect()
document.images.photoslider.src=photos[which]
document.images.photoslider2.src=photos2[which]
playeffect()
document.images.photoslider.title=photosAlt[which]
NewsDetails_ImageExpaned_desc.innerText=photosAlt2[which]
keeptrack()
}
}
function forward(){
if (which
document.write('')
document.write('')
document.write(photosAlt2[0]);
«لماذا تسعينيات البحرين»...؟ليس بوسع أي سبب أن يتحمل لوحده المسئولية كاملة عن هذه الحقبة، لأن أي عامل - مهما عظمت أهميته - لم يكن كافياًً لرسم هذه الصفحة بكل تفاصيلها المؤلمة، وهذا يدل على أن «التسعينيات» ولدت من رحم التراكم، فهي من جهة الوريثة الشرعية لنضالات البحرينيين من أجل خلق واقع اجتماعي وسياسي عادل، وهي من جهة أخرى ارهاص من ارهاصات ما بعد صيف العام 1990 الذي غيّر وجه هذه المنطقة رأساً على عقب.ومن نافلة القول إن الساحة البحرينية الملتهبة هي بنت الواقع الإقليمي المضطرب جدّاً الذي بدأ يلبّد سماء المنطقة منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران بقيادة الإمام الخميني وهو الحدث التاريخي الذي وجدته حكومات المنطقة التهديد الأبرز والأهم لها، فالحماس المعزز بشعارات «تصدير الثورة» أرهب حكومات المنطقة، وخصوصاً مع انتقال الحماس إلى خيار الشارع القادم من الضفة الاخرى للخليج، ورأت هذه الدول أنه ليس من خيارٍ أمامها سوى التكتل في منظومة سياسية معززة باتفاقيات عسكرية وتعاون وثيق مع الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها، ولعل ذلك كان السبب المحوري لنشأة مجلس التعاون الخليجي الذي أراد ان يحمل على عاتقه مواجهة ما يراه من خطر يداهم جيران «إيران الثورة».من جانب آخر، أدى انهيار أسعار النفط في نهاية الثمانينيات إلى خلق وضع اقتصادي متأزم أضيف إلى مناخ سياسي محتقن بعد حوادث الثمانينيات المريرة التي مرَّت بها البحرين، ففي الثمانينيات من القرن الماضي تشابكت كل الخطوط مع بعضها بعضاً، ومرت الساحة بأكثر مراحل تشنجها منذ فرض قانون أمن الدولة في بعيد إغلاق المجلس الوطني المنتخب الذي أوقف أيضاً قاطرة الديمقراطية في البحرين لعقود ثلاثة مضت.خريف الثمانينياتمواجهات حادة عرفتها البحرين في الثمانينيات خصوصاً بين السلطة وأعضاء الجبهة الإسلامية لتحرير البحرين التي اتهمتها الدولة بالسعي إلى تدبير عملية انقلاب، وبلغ الوضع ذروته مع سقوط عدد من المواطنين في المعتقلات ومن بينهم جميل العلي وآخرون.حقبة الثمانينيات خلفت مئات المعتقلين والمعذبين والمبعدين ووصل الوضع إلى مرحلة الاختناق الذي كان بحاجة إلى عملية جراحة لتعيد إلى البحرين شيئاً من نسيم الحياة، وخصوصاً بعد فشل كل محاولات التهدئة ولم تؤت كل الوساطات أُكُلها.فحوادث الثمانينيات تزامنت مع دوي الحرب العراقية - الإيرانية التي خلقت فرزاً واضحاً في كل بقاع هذه المنطقة المشتعلة من العالم. وخرجت المنطقة من الحرب منهكة جدّاً، وكان شغلها يتركز في الاستقرار وخصوصاً مع الخسائر الهائلة التي طالت بغداد وطهران، فضلاً عن تأثر الخزينة الخليجية التي كانت واقفة مع صدام حسين في حربه التي عنونها بحماية البوابة الشرقية للأمة العربية.ولكن ما أن وضعت الحرب التي استمرت ثماني سنين أوزارها حتى عاشت المنطقة مجدداً على دوي زلزال آخر... إنها عاصفة الصحراء التي قلبت كل الموازين، فهاهي القوات العراقية وصلت الى قلب الكويت (العاصمة) في2 أغسطس/آب 1990، وصحيح أن الغزو لم يمكث طويلاً، ولكن كل المعادلات قد انقلبت رأساً على عقب، لأن الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأميركية وجدت من «مغامرة صدام حسين» فرصة سانحة لا تعوض للبقاء في المنطقة الى أجلٍ غير مسمى.هزات «عاصفة الصحراء»ومن الهزات السياسية التي خلَّفتها «عاصفة الصحراء»،وهو اسم عملية تحرير الكويت التي قادتها القوات الأميركية هي شعور المنطقة بالحاجة الى التغيير والى دور فعال في إدارة الشئون العامة، وامتد الحلم لدى نخبة الخليج الى ضرورة أن تشكل الحربين الأخيرتين درساً قويّاً لحكومات المنطقة لإشراك شعوبها في السلطة والثروة.نُخَب الخليج دغدغتها أيضاً تصريحات الرئيس الأميركي جورج بوش الأب بأن «الولايات المتحدة تريد أن ترى ديمقراطيات في المنطقة وأن حكم الفرد الواحد قد ولَّى»، فقد سعى بوش الأب الى معالجة تداعيات الأزمة وتقليل خسائرها قدر الإمكان عبر تهيئة السبل لاستقرار في الشرق الأوسط عموماً وفي منطقة الخليج خصوصاً.ودعا الرئيس الأميركي إلى عقد مؤتمر دولي لبحث الصراع في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما تمثل في عقد مؤتمر مدريد في العام 1991، برعاية كل من الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي وبحضور وفود ممثلة لجميع أطراف الصراع العربي - الإسرائيلي، إضافة إلى الأمين العام للأمم المتحدة وممثلين عن الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون لدول الخليج العربية، وهو ما مثل أول لقاء في التاريخ يضم أطراف الصراع على طاولة واحدة. تصاعد نغمة التغييرنغمة التغيير التي انطلقت بعد حربين ضروسين شهدتهما المنطقة، وجدت في البحرين صدى كبيراً لها، وأحست النخبة المثقفة ومعها الشارع أن الأمور بعد التغيرات الكبرى التي حدثت في المنطقة يجب ألا تعود الى سابق عهدها، وخصوصاً أن ما حدث خلال العشرين عاماً من غياب الشفافية ونمو الطبقية وتفاقم التمييز في كل مناحي الحياة وغياب القانون فرض واقعاً جديداً كانت ترى النخبة البحرينية أن على السلطة أن تواجه ذلك بالشجاعة التي تتطلبها دقة الظروف في المنطقة.وبناء على كل هذه الإرهاصات، سعت النخبة البحرينية الى تغيير حقيقي يعيد العمل بدستور البلاد للعام 1973 وإطلاق سراح المعتقلين وإرجاع المبعدين وإقرار سبل الحوار والمشاركة الشعبية في الحكم، فضلاً عن تحسين الأوضاع الاقتصادية وخصوصاً لدى آلاف الأسر الواقعة تحت خط الفقر، ولكن لم تكن السلطة حينها مستعدة لمواجهة استحقاقات كبرى من هذا القبيل، فكان لزاماً على نخبة المجتمع أن تتحرك نحو قطاع الإصلاح والمشاركة الشعبية غير المنقوصة.فتح الملف الحقوقي في جنيفكان أول إنجاز تحققه المعارضة البحرينية المتمركزة في الخارج (لاسيما لندن) أنها استطاعت أن تصل إلى فتح الملف الحقوقي البحرين لدى لجنة حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. ففي أغسطس/ آب 1991 قررت هذه اللجنة إحالة ملف حقوق الإنسان في البحرين إلى المحاسبة السرية (بحسب إجراء 1503)، وتولت اللجنة الخاصة بالمحاسبة السرية مناقشة الخروقات التي تعتقد أنها كانت تمارس في البحرين بصورة منهجية.وأثناء تلك المحاسبة غير العلنية، قدمت المعارضة البحرينية في الخارج وثائق عديدة حول مجريات الأحداث في البحرين، من ضمنها منع البحرينيين من العودة إلى بلادهم والتعذيب في السجون والحرمان من الحقوق المدنية لأتفه الأسباب.وعليه، فقد وعد وفد الحكومة البحرينية إجراء بعض التحسينات، وعلى إثر ذلك سمحت الحكومة لنحو 60 شخصاً من المبعدين بالعودة وذلك في يناير/ كانون الثاني 1993، وكان من بين الذين عادوا إلى البحرين من قم المقدسة كل من الشيخ علي سلمان والشيخ حمزة الديري والسيد حيدر الستري (حالياً ضمن كتلة الوفاق البرلمانية).في هذه الفترة بالذات، بدأت النخبة تتحرك، وتصدى الشيخ عبدالأمير الجمري لقيادة الساحة الإسلامية الشيعية وعاونه في نشاطه عدد من الذين عادوا للتو من الخارج.كما قامت الحكومة بتحسين ظروف السجن قليلاً، وبناء على سماحها بعودة عدد من المبعدين وتحسين ظروف السجناء، قامت لجنة حقوق الإنسان في جنيف بإغلاق ملف المحاسبة السرية للملف الحقوقي البحريني في فبراير/ شباط 1993.الجمري: العريضة عبرت عن طرح متقدميقول رئيس تحرير صحيفة «الوسط» الناطق باسم حركة أحرار البحرين سابقاً منصور الجمري عن إرهاصات هذه المرحلة: «بعد انتهاء الغزو العراقي للكويت في العام 1991، واكتساح الرياح الديمقراطية أجزاء كبيرة من العالم بدأت النخبة السياسية في البحرين التحرك للتعبير عن إرادة الشعب ومطالبه الحقوقية، ونتجت عن ذلك عريضة نخبوية وقعها أكثر من 300 شخصية في العام 1992. وتصدَّرت العريضة لجنة مثلت الاتجاهات الفكرية الإسلامية والوطنية ومثلت كذلك مجتمع البحرين بقسميه الشيعي والسني. وعبَّرت العريضة عن الطرح المتقدم للمعارضة الوطنية التي قادت الحالة السياسية إلى نهج دستوري حقوقي معتدل. لكن الدَّولة لم تستجب للمطالب الشعبية التي قدمتها الرموز الشعبية إلى سمو أمير البلاد الراحل عبر العريضة النُّخبوية».ويضيف «في تلك الفترة كانت مجموعة الناشطين في لندن على اتصال مباشر بالمرحوم الشيخ عبد الأمير الجمري، وكانت هناك حوارات عديدة بشأن ترشيد الخطاب السياسي نتج عنه التزام القيادات والناشطين في البحرين ولندن بالأهداف الدستورية والحقوقية المتفق عليها مع الاتجاهات الأخرى الناشطة في الساحة. وقمنا من لندن بالاتصال بالإخوة في الجبهة الشعبية وجبهة التحرير الوطني والجبهة الاسلامية والمبعدين في سورية وايران والدنمارك بهدف تنسيق النشاطات بحسب امكانات الاتفاق مع هذا الطرف أو ذاك ». المحمود: الهم الوطني جمعناويقول الشيخ عبداللطيف المحمود في لقاء سابق مع «الوسط»: «كانت الساحة في البحرين مقسمة إلى الإسلاميين السنة والشيعة من ناحية، والليبراليين والقوميين والعلمانيين من جهة أخرى، ولم يكن يجمعهم جامع مشترك في اللقاءات، في الوقت الذي كانت تمر فيه البحرين بمرحلة من التأزم السياسي الذي بدأ في العام 1975، وكانت الحكومة أذكى من الناس، فعموم الناس لم تكن لديهم تجربة سياسية ومؤسسات تطور من وعيهم السياسي وتصنع لهم أدوات للتعاطي في هذا الأمر، وكانت التحركات السياسية عفوية بطيب خاطر، تحاول أن تحلحل الأزمة».ويضيف المحمود «بالنسبة لي لم أكن أتحرك بصفتي ممثلاً لجهة، وإن كنت أنتمي إلى الجمعية الإسلامية في النطاق الخاص، وإلى التيار الإسلامي السني في النطاق الأوسع، فلم أكن أمثل أحداً، والسبب في هذا الوضع السياسي آنذاك الذي كان يأخذ البريء بذنب المخطئ، والساكن بذنب المتحرك، وهذا ما حدث بالنسبة لي في العام 1991 عندما شاركت في ندوة تتحدث عن مستقبل الخليج وإمكان لمِّ الصفوف لدول المنطقة، وكان البحث يدور أساساً في كيفية تجنب هذه الأزمات مستقبلاً، والنتيجة كانت أنَّ تقوية مجلس التعاون ونظر دوله إلى مصالح الشعوب سيكون الدرع الواقي لتكرار أزمة كما حدث في العام 1990. في تلك المشاركة، بيّنتُ وجهة نظري - ولاأزال مقتنعاً بها - هي أن الإشكالية الأساسية في أنظمة المنطقة المسببة في عدم التلاحم بين النظام الحاكم والشعب، وأساسها تداول الثروة وتوزيعها في البلاد، ليس لنظام معين، بل في عموم المنطقة، كما أن عدم وجود المجالس النيابية وعدم مشاركة شعوب المنطقة في صنع القرار والتشريع يعني تغييب الشعب عن ممارسة دور مهم من أدواره»... ومضى قائلاً: «لم أرد أن أحمّل أحداً هذا الموقف، فكنت منطلقاً من رؤاي الخاصة، فوجدت لزاماً عليّ أن أقول كلمة أؤمن بها، مع صلاتي الطيبة بالأسرة الحاكمة - كانت ومازالت - وكنت أريد لهذه الصلة أن تكون مدخلاً لإحداث بعض التغيير، ولكن ما حدث هو إلقاء القبض عليَّ والتحقيق لمدة أسبوعين، ومنعي من التدريس والخطابة وسحب جواز السفر... كل هذه الأمور جعل من الفعاليات السياسية المحلية ترى أن هناك مشتركات لها معي، فالتقينا».ويردف «كانت الاجتماعات تضم الإسلاميين الشيعة واللبراليين، والهم الرئيسي الذي كان مسيطراً على لقاءاتنا هو: كيف للبحرين أن تخرج من هذه الأزمة السياسية وما يتبعها من أزمات اقتصادية وأمنية... فتلاقت الأفكار على أن أفضل طريق سلمي للخروج من هذه الأزمة هو المطالبة بعودة المجلس الوطني، ومخاطبة الحاكم مباشرة في هذا الشأن وهو ما يتيحه الدستور، ولكن المنطلق أيضاً كان يرتكز على أمرين: أن يكون العمل قانونيّاً لكي لا يصطدم بأي قانون في البلد، وأن يكون سلميّاً ليست فيه أي من مظاهر العنف».ويعود المحمود بقوله: «كان التحرك صعباً ولا شك في تلك المرحلة، فالكل كان يخشى من الأمن والإجراءات التي يمكن أن تتخذ، ولكن المجموعة الأساسية كانت تجاوزت مرحلة الخوف والتوجس، مطمئنين إلى أننا لا ندعو إلى العنف أو تغيير نظام الحكم، فالمطلب الأساسي هو تفعيل الدستور، ولذلك فإن ما تتفق عليه المجموعة والصياغات كانت تتسرب وتصل إلى الجهات الأمنية، فما تجاوز الاثنين ذاع وانتشر، فكانت بعض الصياغات تعطى أيضاً لأفراد من خارج المجموعة للرأي والتقييم، ولم نكن نخشى هذا التسرب، لأننا نتحرك سلميّاً وقانونيّاً».ويضيف المحمود «بدأت عملية جمع التوقيعات، وكانت العملية محدودة وصعبة نظراً إلى طبيعة الظروف في ذلك الوقت، ولذلك لم يتم جمع سوى مئات قليلة من التوقيعات، لكنها كانت تكفي لتمثيل شريحة من الشعب ترغب في القول لحاكمها إنها تدعو إلى تفعيل الدستور. كنا نأمل أن يمثل الموقعون المجتمع البحريني بشكل متوازن، لكنني لست «حركيّاً» لكي أحمل هذه العريضة إلى البيئة التي أتصل بها، وفي المقابل، فإن الإسلاميين الشيعة لديهم من المنابر والمساجد والمآتم ما مكَّنهم من خلالها من جمع عدد أكبر من الأسماء والتواقيع، ولكن - في المقابل - لم تكن هذه العريضة مطروحة على أنها شعبية، بل كما أسميت بأنها نخبوية».ويشرح المحمود تفاصيل اللقاء مع الأمير السابق، فيقول: «طلبنا مقابلة الأمير الراحل سمو الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة (طيب الله ثراه)، لم نتلقَّ ردّاً من الديوان لبعض الوقت، ربما لثلاثة أشهر، في تلك الفترة خرجت فكرة إنشاء مجلس للشورى، بعد ذلك تم تحديد موعد المقابلة، وفي المقابلة، قال لنا الأمير الراحل أن لا تفكير حاليّاً في عودة المجلس الوطني، وإننا أمام تجربة جديدة للشورى، فقلنا إن للحكومة والدولة أن تشكل لها من المجالس الشورية ما تشاء، وبأسماء مختلفة أيضاً، ولكن هذا لا يغني عن المجلس الوطني الذي يمارس الدور التشريعي والرقابي، وليس مجلساً شوريّاً لا يقوم، ولا يمكنه أن يقوم مقام المجلس الوطني».الشهابي: اشتد عود المطالباتوفي مقابلة أجرتها «الوسط» مع المرحوم هشام الشهابي في 2005، يستعيد الشهابي شيئاً من الذاكرة الوطنية لإرهاصات الساحة المحلية بعد حرب الخليج الثانية، واشتداد عود المطالبات بعودة الحياة الدستورية وإعادة العمل بالبرلمان المنتخب وإيقاف عجلة قانون أمن الدولة. وعن توصيف الحال، يقول الشهابي: «بعد حل المجلس الوطني مباشرة، حدث أكثر من تجمع ولقاء بأنّ هذا الوضع يجب ألا يستمر، وإنْ استمر يجب ألا يتجاوز سنة أو سنتين على الأكثر، ومن ثم تعود الأمور إلى مجاريها. إلا أنّ الوضع طال إلى ربع قرن من الزَّمان، وذلك بمبادرة من البرلمانيين الذين أحسوا بخطورة القرار الذي اتخذ». ويضيف «عندما جاءت الثورة الإيرانية، وأحد تداعياتها أنّ النظام أصبح أكثر قلقاً من أي وقت مضى (...) وتداعت الأمور إلى نشوء مجلس التعاون، فبدأت جولة جديدة من الاعتقالات، وهنا أيضاً اختلفت الوجوه والتوجّهات التي صارت محل المطاردة، فبعد أنْ كانت الاعتقالات في السبعينيات تطول اليساريين والقوميين والليبراليين، وبعض غير المنتمين الذين أوقعهم سوء حظهم في الطريق، تحوّل في الثمانينيات إلى الجماعات الإسلامية الشيعية، وصارت الأعداد تتزايد داخل المعتقلات والذاهبين رهباً أو كرهاً إلى الخارج».ويتابع الشهابي قائلاً: «عندما حدث الغزو العراقي للكويت في العام 1990، كان عدد المعتقلين كبيراً، وكانت الحكومة أكثر شدَّة في تعاملها معهم، لم تكن هناك مساحة أو فسحة للتعاطي، وهذا دليل على ازدياد حال القلق لدى السلطة. كان أحد أثمان حرب تحرير الكويت من قبل قوّات التحالف أنْ تسود حال من الديمقراطية في المنطقة؛ لكي يكون الأمر مبرراً أمام الشعوب الغربية فيما لو تحرّكت القوّات الدَّولية لحماية دولة أو أكثر في المنطقة فيما لو حدث أيّ توتر في المنطقة مستقبلاً، إذ لقيت الإدارة الأميركية معارضة شديدة في ذاك الوقت بأنّ أنظمة المنطقة أنظمة غير ديمقراطية، فلماذا تُراق الدماء الأميركية في مقابل النَّفط، صاحب ذلك - أثناء الاستعدادات لتحرير الكويت - مؤتمر عقد في جدة للقوى الوطنية والسياسية الكويتية، وذلك لفتح صفحات جديدة من العلاقات بين عائلة الصباح والشعب، والحفاظ على الدستور».الدستور أولاًويستعرض الشهابي العريضة ومخاضاتها: «في تلك الفترة كانت اللقاءات المهمومة بالوطن لاتزال تعقد، وكان من ضمن الأشخاص الذين يلتقون دائماً عبدالله مطيويع، محمد جابر الصباح، أحمد الشملان، وآخرون، وبدأ يتوسّع اللقاء، وحاولت استثمار هذه الفرصة لتحديد المطالب. الملفات الموجودة سابقاً هي الملفات التي لاتزال مطروحة، إلاّ أن الرأي استقر على بند واحد ومطلب واحد، وهو: الدستور الذي يرسّخ الديمقراطية ومبدأ فصل السلطات، والحياة البرلمانية وغيرها، وإذا لم تكن هناك جدية أو وضوح في الرؤية خلال العقدين الماضيين في المطالبة بإحيائه أو تفعيله، فليكن هذا الأمر الآن، على أنْ تكون المطالبة سلمية وعلنية، فمن حق المواطن مخاطبة السلطات بحسب الدستور».ويشدد الشهابي على الصبغة الوطنية، وليس الفئوية لحركة المطالب السياسية: «كانت الفكرة ألا تكون هذه المطالبة مقصورة على مجموعة قليلة من الأشخاص، حتى لا يكون هناك انفراد بالأمر، وأنْ يبدو المطلب مطلباً وطنيّاً وليس فئويّاً، فأخذت تتوسع دوائر اللقاءات، وصارت تتبلور الفكرة أكثر بأنْ تتم كتابة شيء في هذا الشأن، وأن تشمل أكبر قدر من المواطنين الذين يحملون الهمّ نفسه، بغض النظر عن انتماءاتهم أو ماضيهم السياسي، وهذا ما استغرق وقتاً طويلاً في الحوار مع جماعات انقطع الحوار معها لسنوات طويلة، إذ لم يكن هناك أيّ حوار في الأساس، وذلك لطبيعة الحياة السياسية في البحرين بعد حل المجلس والثورة الإيرانية، فكان هناك نوع من القطيعة الشعبية، فكلّ مجموعة كانت تتحاور مع دوائرها القريبة. والفكرة في الأساس هي المطالبة بعودة تفعيل كلّ موادّ الدستور، ولتترك التفاصيل إلى وقت لاحق».ويتابع: «بادرت هذه المجموعة بالاتصال بالآخرين، من أمثال: الشيخ عبداللطيف المحمود، الشيخ عبدالأمير الجمري، عبدالوهاب حسين، واكتشفنا أنّ هناك لغة مشتركة فيما بيننا لم نكن نعلم أننا إلى هذا الحد قريبون منها، وكان الجيّد في الأمر أن جدول الأعمال كان مقتصراً على بند واحد وهو: عودة الحياة البرلمانية في البحرين».ويضيف «...إلى جانب المذكورة أسماؤهم، كانت المجموعة تتلقى دعماً من قبل أشخاص يرون أنّ وجودهم بشكل علني لا يخدم المسألة، ولكنهم قدّموا ما يستطيعون من دعم، وبهذا تكونت هذه الكتلة الحرجة في العام 1991، ووضعت الخطوط لطريقة العمل (السلمية العلنية)، وبدأت تتوسّع الدائرة للاستماع إلى آراء أخرى إنْ وجدت. وبدأ المشاركون يتخاطبون بشكل أكثر انفتاحاً بعد طول انقطاع، في محاولة لإبعاد الشكوك والتربّص فيما بينهم أولاً».وفد العريضة الأولىويتحدّث الشهابي عن مرحلة الإجهار العلني بدعوة العريضة: «بدأ التفكير في كم العدد المطلوب أنْ يوقع العريضة (1992) التي تم الاتفاق على رفعها إلى سمو الأمير الراحل الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، فإذا كان العدد ضخماً فلربما يُحدث هذا نوعاً من رد الفعل السلبي والارتياب لدى السلطة، فتم الاتفاق على أنْ يكون العدد محدوداً بما يعبّر عن التنوّع البحريني في هذا المطلب. فكان المنتظر ألا يتجاوز عدد التوقيعات خمسين توقيعاً، ولكن فوجئت المجموعة بأن الأعداد أكبر، ربما وصلت إلى 300 توقيع، فكان البعض يعتب لـ «استفراد» المطلب من قبل جماعة صغيرة من المواطنين، فيما هو مطلب شعبي عام».ليس هذا مانريد!في هذه الأثناء «ربما» عجّلت هذه الحركة العلنية السلمية بإنشاء مجلس للشورى في مطلع 1993 لكي يكون - كما قيل في تلك الفترة - مقدّمة لعودة الحياة البرلمانية إلى البحرين، ولكن هذا لم يكن مطلبنا من هذه العملية، فبالإمكان تكوين مجالس على مد البصر، وبالتسميات التي توضع، ولكن أمر العريضة كان يدور حول الدُّستور نفسه وعودة الحياة البرلمانية. الوفد الذي ذهب لملاقاة الأمير الراحل لتسليم العريضة كان مؤلّفاً من حميد صنقور، عبدالأمير الجمري، عبداللطيف المحمود، محمد جابر الصباح، وعيسى الجودر.ولابدّ من التوقف هنا عند الدور الذي أداه صنقور، إذ لم يكن من ضمن المجموعة التي تحاورت وصاغت العريضة، ولكن عندما تم البحث عن وجه؛ ليترأس وفد العريضة، تم طرح حميد صنقور، ويُذكر للرجل أنّه لم يناقش في المسألة، ولم يتردد طرفة عين، ولم يحاجج أو يعتب على أنّه كان بعيداً طوال هذه المدة ولم يُعلم بها إلاّ في اللحظة الأخيرة، لكنه أبدى كلّ الاستعداد للمشاركة، وأعلن تشرفه بالمساهمة في هذا الموضوع.ولكن كيف كان رد السلطة على العريضة؟ يجيب الشهابي: «كان الرد بأنّ التجربة الآنَ هي تجربة مجلس الشورى الذي يجب دعمه بدلاً من تشتيت الجهود، ولكن هذا الأمر لم يكن ليلبي المطلب الأساسي، إذ لايزال الدستور معلقاً (...) قُبلت العريضة الأولى على مضض من قبل الحكم، فتم إثر ذلك العمل على العريضة الثانية في 1994، وهي العريضة الشعبية التي تغيّر صوغها، لكنها كانت تحمل المطلب نفسه، فتم جمع حوالي خمسة وعشرين توقيعاً لتأكيد المطالبة، فجرت هنا عمليات الاعتقال الواسعة والمواجهات والنفي، فبقيت العريضة لدينا، ولم يكن هناك من فرجة لإرسالها؛ لأنّ الوضع كان على أشد ما يكون التوتر... تمت كتابة أكثر من رسالة في هذا الإطار من قبل المجموعة نفسها تدعو إلى تهدئة الأوضاع، في تلك الفترة ترك المحمود العمل مع المجموعة لأسبابه الخاصة، فيما تم اعتقال الجمري، وكان من «اللعبة» أنْ، يتم اعتقال الشيعة فقط حتى تبدو المطالب بشكلها العام مطالب طائفية وليست وطنية».ويوضح الشهابي أنّ المسألة «تعدت مجرد المواجهة؛ لأنّ هذه العملية غطت على لغة الحوار التي كنا نرجوها، فكان لدى السلطة منطق في تلك الأيام أنه إذا كانت هناك مشكلة ما... فاقضِ على صاحب المشكلة تقضِ على المشكلة من أساسها، فهذه الثقافة خطرة وهي «إسماع» الطرف الآخر الأوامر بأقصر الطرق وأقلّها تحضراً، فقد يفقد الإنسان صبره، وقد ينفجر، ولكن بشكل عام فإنّ اللجوء إلى العنف غير مبرر إطلاقاً، ويجب ألا يسمح أيّ طرف أن ينجر إلى ساحة المواجهة؛ لتغيب فيما بعد لغة الحوار، فالحوار والمزيد من الحوار يعد نقطة البداية في أي عمل، وخصوصاً إنْ كان على المدى البعيد (...) وفي المقابل، فإنّ الثمن الذي سيُدفع سيكون غالياً جدّاً ومعرقلاً لأيّ مبدأ للحوار يمكن أن يتم... ليس عن جبن، ولكن عن قناعة أكيدة بأنني قادر على أنْ أقول كلمتي مرات ومرات، ولكنني لن أبادئ في رفع يدي على الآخرين».مناهضة مجلس الشورىمن جهته يقول المحامي عبدالله هاشم: «عندما أنجزت العريضة النخبوية، تم تشكيل وفد من مختلف الأطياف التي شاركت في توقيع العريضة للقاء الأمير الراحل، فقال لهم إن ما لدينا فقد علمتموه، وليس لدينا شيء آخر (...) كانت الحكومة تعتقد في ذلك الوقت أن مخرجها من الفراغ الدستوري هو تشكيل مجلس شورى صوري يحرك الأمور، لكي يقال للرأي العام العالمي إن في البحرين مشاركة شعبية، وتتمثل في هذا المجلس، ولم يطرح المجلس على أنه أولى خطوات العودة إلى الدستور، بل كان المطروح هو البديل في ذلك الوقت. وكنا نعلم، أن هذا المجلس لا يمكنه أن يقدم شيئاً، وناهضناه بوعي، لأنه حركة تزوير لواقع يمثل هدفاً لسحق المطالب الأساسية». ويضيف هاشم «لم أكن ضمن أعضاء العريضة لكنني كنت أحد أجنحتها الوطنية، فتم الاتفاق ضمن دوائر لجنة العريضة على أن يكون هناك تحرك جديد أوسع، وطرحت العريضة الشعبية كخيار، أما الجناح الوطني، فلم يكن مرتبطاً بحركة شعبية عميقة وواسعة، لكننا مرتبطون بمثقفين لهم دور مهم في المجتمع، واستطعنا إقناع الكثيرين بالتوقيع، فكانت الأدوار تتكامل بين النخب والامتداد الشعبي».الجودر: الصبغة الوطنية لونت العريضةويقول الشيخ عيسى الجودر: «للتاريخ، أذكر أن سمو الأمير الراحل استجاب للمطالب الوطنية في مطلع السبعينيات بعد الاستفتاء على عروبة البحرين، وذلك بإصدار دستور عقدي بين الشعب والحاكم وهو دستور العام 1973، لكن للأسف تم حل البرلمان وجاء قانون أمن الدولة وجثم على أنفاس أهل البحرين حتى استعاد ثلة من الوطنيين العزم والهمة من أجل بدء مرحلة المطالبات بإعادة الحياة النيابية وتفعيل الدستور الشرعي للبلاد وكانت العريضة الدستورية النخبوية التي استغرق انجازها سنتان».ويضيف «كنا مجموعة من المواطنين المطالبين بالحق من دون خوف وكان معنا علي ربيعة وأحمد الشملان والشيخ عبدالأمير الجمري والشيخ عبداللطيف المحمود وعبدالوهاب حسين وأحمد منصور وإبراهيم كمال الدين وسعيد العسبول واستطعنا أن نحصد 350 توقيعاً تقريباً وكان ذلك صعباً للغاية في تلك الفترة… ولم يكن لهذه التحركات أية صبغة طائفية فالهم الوطني كان فوق كل شيء».ويستدرك الجودر، قائلاً: «صحيح أن سمو الأمير الراحل الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة لم يستقبلنا، وذلك بسبب تعارض زيارتنا المفاجئة للديوان الأميري مع ارتباط سمو الأمير مع السفير الفرنسي، وسبب الزيارة المفاجئة أننا كنا نخاف أن نمنع من دخول الديوان الأميري وتسليم العريضة أو أن يخلقوا مماطلة في ذلك، وتم تسليمها إلى رئيس الديوان الأميري آنذاك المرحوم يوسف أرحمة الدوسري الذي رحب بنا كثيراً وأكرمنا وتسلم العريضة وأبلغنا اعتذار سمو الأمير عن استقبالنا لانشغاله ووعدنا بعرضها عليه». وبدا واضحاً أن النخبة السياسية المتحركة بكل تلاوينها أجمعت على أن مجلس الشورى الذي أسس ليس هو مطلبها، وإنما هو إطار غير ذي محتوى أريد له أن يكون العصا التي توضع في عجلة المطالبة الشعبية بالديمقراطية المتمثلة في حكم الدستور والانتخابات المباشرة للمجلس الوطني، ومن هنا بدا أن تحرك النخبة لوحده لن يجدي نفعاً، وكان خيار الشارع».وللحديث بقية.العريضة التي قدمت إلى أمير البلاد العام 1992م والتي تطالب بعودة المجلس الوطنيبسم الله الرحمن الرحيم15-11-1992محضرة صاحب السمو الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفةأمير دولة البحرين وفقه الله لما يحبه ويرضاهالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعدلقد صدقتم يا صاحب السمو وأصدرتم في لحظة تاريخية دستور دولة البحرين بتاريخ 12\11\1393هـ الموافق 6\12\1973م - بعد أن ناقشه وأقره المجلس التأسيسي الذي دعوتم الى تكوينه بالمرسوم بقانون رقم 12\1972 بتاريخ9\5\1392هـ الموافق 6-12-1972م - في الوقت الذي كنتم تستعيدون فيه ماضي البحرين في رحاب العروبة والإسلام، وتتطلعون بإيمان وحزم الى مستقبل قائم على الشورى والعدل، حافل بالمشاركة في مسئوليات الحكم والإدارة، كافل للحرية والمساواة، وموطد للإخاء والتضامن الاجتماعي، كما جاء في مقدمة الدستور، فرسخ هذا الدستور أمس المشاركة الشعبية في الحقوق والواجبات العامة على نهج قويم من أحكام وأصول الشورى المستمدة من ديننا الإسلامي الحنيف، ومن مبادئ العدل و الحرية و المساواة التي كانت دوماً مبادئ راسخة في الحضارة الإسلامية والإنسانية. وما كان ذلك الأمر الا تغيير رائد سعى إليه سموكم لإرساء نظام حديث يحكم دولة البحرين، وإنجاز حضاري سيذكره التاريخ لسموكم. واذا كان حل المجلس الوطني يوم 26-8-1975م بالمرسوم الأميري رقم 14-1975 بموجب الصلاحية التي تمنحها المادة 65 لسموكم فإن المادة نفسها تؤكد إعادة الانتخابات للمجلس الجديد في ميعاد لا يجاوز شهرين من تاريخ الحل وإلا استرد المجلس المنحل كامل سلطته الدستورية، علماً بأن المادة 108 من الدستور قد قررت عدم جواز تعطيل أي حكم من أحكامه الا اأناء قيام الأحكام العرفية في الحدود التي يبينها القانون، ولم يكن حل المجلس في حالة قيام هذه الأحكام. بناء على ما ذكر وبناء على المتغيرات المحلية والإقليمية الدولية خلال السنوات الماضية وما تتجه اليه الإرادة الدَّولية لخلق نظام إعلامي جديد فإن الأمر يستدعي - إن لم يتم الأخذ بالمادة رقم 65 من الدستور - الدَّعوة الى انتخاب مجلس وطني جديد يعتمد على الانتخاب الحرِّ المباشر حسب ما يقرره الدستور، من أجل ممارسة الدولة نظامها الديموقراطي الذي نصت عليه المادة (1) فقرة (د) القاضية بأن: «الحكم في البحرين ديموقراطي، السيادة فيه للشعب مصدر السلطات جميعاً، وتكون ممارسة السيادة على الوجه المبين بهذا الدستور» ومن أجل إرساء الثقة والاحترام المتبادل بين الدولة والمواطنين، وحرصا على تضافر جهود جميع أفراد هذا الشعب حكاماً ومحكومين في تقدم وازدهار هذا البلد، ومن أجل إطلاق طاقات كل مواطن للمشاركة في عملية البناء والتنمية الاجتماعية والاقتصادية طبقاً لنص المادة (1) فقره (هـ) من الدستور والتي تنص على أن: «للمواطنين حق المشاركة في الشئون العامة والتمتع بالحقوق السياسية، بدءًاً بحق الانتخاب، وذلك وفقاً لهذا الدستور وللشروط والأوضاع التي يبينها القانون».إننا الموقعين أدناه نرفع الى سموكم هذا الخطاب انطلاقاً من مسئوليتنا كمسلمين ومواطنين، ومن حقوقنا المشروعة كمحكومين واستناداً الى نص المادة (29) من الدستور التي تقضي بأن: «لكل فرد أن يخاطب السلطات العامة كتابة وبتوقيعه» وباعتبار سموكم رأس الدولة طبقاً لنص المادة (33) فقرة (أ) من الدستور مطالبين سموكم بالمبادرة بإصدار الأمر لإجراء الانتخابات للمجلس الوطني عملاً بما ورد من تنظيم له في الفصل الثاني من الباب الرابع من الدستور. وان المجلس الوطني كمجلس تشريعي دستوري لا يتعارض مع ما ذكر مؤخراً عن عزم الحكومة إنشاء مجلس استشاري لتوسيع دائرة استشاراتها فيما تريد القيام به، ولا يحل المجلس الاستشاري محل المجلس الوطني كسلطة تشريعية دستورية.إننا على أمل ان يحقق سموكم هذا المطلب الجماهيري لما فيه خير الجميع.
Tuesday, November 18, 2008
Sunday, November 16, 2008
اقرأ الحلقة السادسة من ملف "تسعينات البحرين" (2):قصة «المبادرة» والحوار بين المعارضة والحكومة في البحرين (أغسطس 1995 - يناير 1996) كما كتبها منصور الجمري في العام 1996
في منتصف أغسطس/آب 1995 انهالت علينا التقارير من داخل البحرين تتحدث عن إطلاق عدد من الرموز القيادية في التحرك الشعبي المطالب بعودة الحياة الدستورية للبلاد. وما هي الا فترة وجيزة حتى اتصل حسن مشيمع ـ احد القياديين الذين أفرج عنهم ـ بنا في لندن يعلمنا انه عازم على السفر إلى الخارج لتبادل وجهات النظر حول المحادثات التي بدأت في السجن بين القيادة الأمنية (ممثلة في المدير العام ايان هندرسون، ووزير الداخلية) وبين خمسة من قياديي التحرك الشعبي (الشيخ عبدالأمير الجمري، حسن مشيمع، عبدالوهاب حسين، الشيخ خليل سلطان والشيخ حسن سلطان).
وهكذا دخلت الانتفاضة مرحلة جديدة اتسمت بالأفراح الشعبية ومظاهر الزينة للاحتفال بمئات من المفرج عنهم بعد أن وصلت الأوضاع إلى حال من الاختناق.
بدا وكأن البحرين تدشن مرحلة حرية التعبير عن الرأي والحوار بين المعارضة والحكومة. الشكوك والظنون كثيرة وكذلك الآلام والآمال. وهكذا بدأنا في لندن نترقب مجيئ مشيمع والشيخ خليل سلطان إلى لندن للاطلاع على ما دار مع القيادة الأمنية.
وصل الوفد إلى لندن يوم 26 أغسطس 1995، في ختام أسبوع حافل للمعارضة عقدت خلاله مؤتمرا صحافيا وندوة سياسية وخرجت مظاهرة جماهيرية في شوارع لندن. كان في وداع الوفد في مطار البحرين الدولي فريق امني برئاسة عادل فليفل، لتسهيل سفر الوفد (ذلك لأن من يعتقل ويفرج عنه لا يسمح له بالسفر مباشرة).
قام مشيمع بتسليم «أحرار البحرين» رسالة كتبها الشيخ الجمري في السجن بتاريخ 24/8/1995، أي قبل يومين من سفر الوفد إلى لندن. لخصت الحوار الجاري بالقول: «فإنني قد اطلعت على البيان الصحفي الصادر عن حركة أحرار البحرين الإسلامية بتاريخ 21 أغسطس 1995، والذي تـناول فيما تـناول موضوع الاتفاق بيننا وبين الحكومة، والذي جاء فيه التزام الحركة مشكورة بما جاء في لاتفاق، وإنني أرجو منكم جميعا التعاون معنا لإتاحة الفرصة الكافية لإنجاحه، وتجنب كل ما يعيق تنفيذه ويطيل زمن محنة شعبنا، وان تتكرس الجهود في البحث عن أفضل السبل بتعزيز الحوار مع الحكومة التي أعربت عن رغبتها فيه، مؤكدا الحاجة القصوى للتعاون من اجل إخراج البلاد من محنتها بأسلوب حضاري حكيم وراق يتناسب مع تراثنا التاريخي والثقافي وقيم ومبادئ شعبنا المسلم وطبائعه الإنسانية النبيلة، ومؤكدا رفض الإسلام لاستخدام العنف مادام يوجد للحوار سبيل، ومؤكدا أيضا أن عودة الأمن والاستقرار إلى البلاد مع المحافظة على الحقوق والواجبات المتبادلة بين الشعب والحكومة تمثل الأساس الأقوى والأفضل لنمو البلاد وازدهارها وتحقيق آمال وطموحات شعبنا والمحافظة على مكتسباته، وإنني على ثقة بأنكم سوف تهتدون بفضل الله تعالى وتسديده لأفضل السبل السلمية الدستورية الحكيمة التي تمر عبر الحوار لتحقيق ذلك، وعدم تضييع الفرص التاريخية الثمينة لاسيما هذه الفرصة التي تمثل منعطفا خطيرا في تاريخ شعبنا».
عبرت هذه الرسالة عن الأجواء التي يعيشها قادة المعارضة الذين تحاوروا مع وزارة الداخلية. فلقد كانت الأخيرة توصل المنشورات التي نوزعها داخل البلاد ونعبر فيها عن مواقفنا إلى داخل السجن. وكانت حركة أحرار البحرين قد أصدرت بيانا رحبت فيه بمبادرة الحوار مع الحكومة للخروج من الأزمة. لقد حاز قادة المعارضة في السجن على ثقة الجماهير وكان الجميع بانتظار التعرف على التفاصيل وعلى كيفية التفاهم مع الحكومة للخروج من الأزمة السياسية.
الحوار بين مشيمع والشيخ سلطان وبين شخصيات المعارضة المتواجدين في لندن تطرق إلى جميع الأمور المنظورة، وكان النقاش حاداً وصريحاً إلى الدرجة التي كان الوفد (الضيف) يشعر وكأنه خرج من سجون البحرين والمشادات مع المخابرات إلى سجون منازل لندن ومشادات المعارضة. ولكن مثل هذا النقاش كان ضروريا لأن المصلحة العامة للأمة تتطلب الابتعاد عن الجانب العاطفي والشخصي كل البعد للتأكد من سلامة الطريق.
وبينما كنا نتحاور مع الوفد القادم إلى لندن، كان وزير الإعلام الجديد، محمد المطوع يصرح لإذاعة لندن أن الإفراج عن المعتقلين ما هو إلا «مكرمة أميرية» لتوفير الفرصة للمفرج عنهم لكي يعودوا إلى الصراط المستقيم. لعبت هذه الكلمات الجارحة دورها لاحقا في عدم عودة احد أفراد الوفد إلى البحرين بعد انتهاء الزيارة. وبالرغم من ذلك شعرنا بضرورة المتابعة لمجريات الأمور بصبر وحذر شديدين مع الإمساك بقدرة التحرك الجماهيري عندما تتراجع الحكومة عن ما تم الاتفاق عليه. أمام هذه المعادلة، كان علينا أن نبتعد عن الجوانب النظرية البحتة ونتعامل مع الواقع وظروفه، وكيفية معالجة السلبيات التي تصاحب مثل هذه التجربة.
وكان مشيمع قد بدأ حواره بالإشارة إلى أن مثل هذا الحوار لم يكن ليحصل لو أن القادة كانوا على انفراد في زنزانات متفرقة. وكانت الخطوة الأولى التي سعوا إليها هي إقناع وزارة الداخلية بسجنهم في مكان مشترك لأجل التداول في جميع القضايا. وفي مقابل هذا الطلب، كانت المخابرات تريد الحصول على ورقة مكتوبة وموقعة من القادة الخمسة يعتذرون فيها عما جرى. ومن اجل هذا الأمر تُرك الخمسة في غرفة خاصة ومجهزة بأجهزة التنصت للاستماع لما يتم الاتفاق عليه.
وكان القرار الذي اتخذه الخمسة كتابة رسالة تحمل جملة «شرطية» يقول فيها الموقعون عليها أنهم يعتذرون «إذا» كان قد صدر منهم خطأ. وذكر مشيمع أن كلمة «إذا» وضعت في منتصف الكتابة لكي لا يتم حذفها بعد ذلك عندما تقوم الحكومة بنشرها فيما لو تراجعت عن الحوار. وهكذا كتبت الرسـالة الموجهة إلى أمير البلاد بتاريخ 24 ابريل/نيسان 1995 (أي بعد ثلاثة أسابيع من اعتقال الشيخ الجمري) متضمنة الجملة الشرطية التالية: «وإزاء الأحداث المؤلمة التي شهدتها البحرين في الأشهر القليلة الماضية نعرب عن أسفنا الشديد لسموكم «إذا» كانت قد تسببت تصرفاتنا والأعمال التي قمنا بها وأدت إلى الاضطرابات في البلاد».
لقد كانت خطـورة الرسـالة واضحة أمام الخمسة ولكنهم فضلوا أن يقدموا على المخاطرة لكي يتمكنوا من الاجتماع مع بعضهم البعض بصورة مستمرة والخروج بمشروع مشتـرك استمر الحوار فيه لإخراجه قرابة الأربعة اشهـر داخل السجن مع قيادة الأمن العام التابعة لوزارة الداخلية.
ملخص الحوار في لندن
أشار الوفد الزائر إلى أن جذور المبادرة بدأت بعد أيام قلائل من الاعتقال، وخرج عدد من القيادات بصورة مستقلة أثناء اعتقالهم الانفرادي بفكرة لتهدئة الأوضاع مقابل الدخول في حوار مع الحكومة.
بعد عدة جلسات من التحقيق المنفرد مع المخابرات بدا واضحا أن هناك رأي مشترك بين عدد من القياديين، ولهذا تم تقديم طلب بالسماح لخمسة منهم بالاشتراك في سجن واحد لكي يخرجوا بمشروع مشترك. ولكن وزارة الداخلية كانت تصر على كتابة رسالة إلى الأمير قبل السماح بذلك. وقال مشيمع: «إلا أن البند الرابع حُذف بطلب من السلطات العليا في الحكومة حسب ما قاله هندرسون.
البند الأول: هو الدعوة للهدوء والاستقرار مقابل إطلاق سراح جميع الموقوفين (غير المحكومين) وتم الاتفاق على أن يطلق سراح ثلاثة من المحاورين مع 150 شخص في 16 أغسطس، ثم يتم الإفراج عن عبدالوهاب حسين مع 150 معتقل آخرين، وفي 30 سبتمبر/أيلول يتم الإفراج عن الشيخ الجمري مع 500 ـ 600 موقوف.
البند الثاني: معالجة آثار الأزمة. فقد خلفت آثارا مختلفة، ولكي يتحقق استقرار دائم فلا بد من الإفراج عن الذين حُكم عليهم وإرجاع المبعدين ومناقشة عودة البرلمان المنتخب.
البند الثالث: تعزيز العلاقة الطيبة بين الشعب والحكومة. وكان الطرف الحكومي قد أصرّ على كلمة تعزيز بدلا من الكلمة الأصلية «خلق».
البعد الرابع: (الذي لم توافق عليه السلطات العليا): كان ينص على تصحيح العلاقة بين المعارضة في الخارج والحكومة.
ملاحظات ذكرها الوفد الزائر
1 - قال رئيس المخابرات هندرسون في إحدى جلسات الحوار: «لقد استطعتم هز الكأس فلا تكسروه. لقد وصلنا إلى قناعة بأن القمع لن يخمد الشارع العام بالصورة التي نحب، كما أن الوجهاء الذين اعتمدنا عليهم لم يستطيعوا حل المشكلة».
2 - عندما طلبت المعارضة توثيق الاتفاق قبل بدء الإفراجات تم ترتيب لقاء مع وزير الداخلية بتاريخ 14اغسطس (قبل يومين من الإفراج عن الدفعة الأولى) حضره وزير العمل والشئون الاجتماعية عبدالنبي الشعلة، وقضاة المحكمة الجعفرية الشيخ سليمان المدني والشيخ احمد العصفور والشيخ منصور الستري، بالإضافة إلى الوجيه الحاج احمد منصور العالي. وقام الشيخ الجمري بقراءة المبادرة المكتوبة أمام الحضور الذين استمعوا إلى ما قيل عن الحوار الدائر.
3 - قال هندرسون إن زيارة لندن وإقناع المعارضة هناك سوف يكون له الأثر الكبير في الإسراع بحلحلة الأوضاع. خصوصا بعد ذهاب العلماء الثلاثة الذين تم إبعادهم في يناير/كانون الثاني 1995 إلى لندن لأن ذلك قلب الموازين على الحكومة.
4 - تم إخبار وزارة الداخلية أن المحاورين لن يطلبوا من المعارضة ومن الجماهير التوقف وإنما سيطلبون إعطاء فرصة للحوار.
ملاحظات ذكرها أفراد المعارضة في لندن
1 - الحكومة رفضت أن توثق الاتفاق من جانبها كتابيا ورفضت وضع جدولة واضحة للفترة الأمنية من الحوار. كما أن المرحلة الأساسية للحوار غامضة بالنسبة للآلية. فالمعارضة طرحت مطالب دستورية تعتمد على الإجماع الوطني وأي آلية للحوار لا بد أن تحتوي على ممثلين من الأطراف المشاركة في العريضة الشعبية ومن الأطراف الأخرى المؤثرة في الساحة.
2 - إن الحكومة طلبت كتابة رسالة اعتذار كمقدمة للحوار، وبالرغم أن الرسالة كتبت بلغة «شرطية» فإن الابتزاز واضح ولن تتوانى وزارة الداخلية عن استخدام هذه الورقة ونكران الحوار لأنها لم تقدم شيئاً مكتوباً.
3 - إن تكرار وزير الإعلام الجديد لوصف خروج القياديين بأنه مكرمة أميرية من أجل العودة للصراط القويم أمر آخر لا ينبئ بالخير.
4 - الحكومة تريد معالجة عوارض الأزمة وليس جذورها، ولا يبدو أن تغييرا حقيقيا في النهج السياسي قد حصل. فالحديث لا زال عن مجلس الشورى المعيّن وهناك محاولة لتغيير تركيبة الحكم بحيث تستعصي عودة الحياة الدستورية والبرلمان المنتخب.
رجوع مشيمع إلى البحرين
رجع مشيمع إلى البحرين والتقى مع الشيخ الجمري وحسين داخل السجن ليخبرهما بنتيجة الحوار مع المعارضة في الخارج. ولكن سرعان ما بدأت الحوادث تأخذ منحى آخر عندما جاء موعد الإفراج عن حسين في 7 سبتمبر 1995. فالسلطة لم تفرج عنه في اليوم المحدد، كما لم تفرج عن العدد الكامل المتفق عليه احتجاجا على مظاهر الفرح الجماهيرية التي بدأت تتسع مع الأيام. وعندما أفرج عن الشيخ الجمري في أواخر سبتمبر، وخرجت الجماهير من كل مكان لاستقباله، انزعجت الحكومة من دون سبب وامتنعت عن الإفراج عن باقي الموقوفين المتفق عليهم ويقدر عددهم بـ 500 شخص. ينبغي ان نذكر هنا ان الشيخ خليل سلطان الذي خرج من السجن وسافر الى لندن مع مشيمع لم يرجع الى البحرين، وانما بقي في الخارج وتنقل بين عدة بلدان وانتهى به الأمر في سنوات لاحقة الى تقديم اللجوء السياسي في هولندا.
وكان شهر أكتوبر/تشرين الأول 1995 حافلا بالمساجلات والاتهامات بين القيادة الأمنية والمعارضة في الوقت الذي بدا واضحا أن الحكومة لم تكن جادة في فتح باب الحوار بل الالتفاف على المطالب الجوهرية للتحرك الشعبي، وهو إعادة الحياة الدستورية واحترام حقوق المواطن. وهكذا بدأت الحوادث في التصاعد وبدأت تختفي مظاهر الفرح وتعود حالة اللا أمن واللا استقرار والاعتقالات العشوائية والمحاكمات الجائرة والتصريحات غير المسئولة.
تسارع الأحداث
لقد تسارعت الحوادث في يناير/كانون الثاني 1996 بصورة خاطفة، وبدا الارتباك واضحا في ردود فعل الحكومة، وهذا ملخص ما جرى:
25 سبتمبر 1995: الإفراج عن الشيخ الجمري.
23 أكتوبر 1995: اعتصام سبعة قياديين وإضرابهم عن الطعام في منزل الشيخ الجمري، احتجاجا على عدم وفاء الحكومة بالاتفاق المبرم معها.
1 نوفمبر/تشرين الثاني 1995: انتهاء الاعتصام واحتشاد اكبر تجمع في تاريخ البحرين (قدر العدد بما بين 60 - 70 ألف شخص) أمام منزل الشيخ الجمري للاستماع للبيان الختامي للمعتصمين.
3 يناير 1996: بعثت قيادة امن المنامة إلى الحاج علي عبدالله الابريق مسئول جامع الصادق بالقفول (المنامة) وأنذروه بمنع الشيخ الجمري من الصلاة مساء الجمعة كل أسبوع. وعندما اتصل الإبريق بدائرة الأوقاف الجعفرية قيل له انه ليس من مسئوليتهم منع أو تحديد من يصلي جماعة في المسجد. فاتصل مدير مركز امن القرى العقيد (ع.م) بالأوقاف ليأمرهم، لكن دائرة الأوقاف اعتذرت عن ذلك. بعدها اتصل العقيد (ع.م) بالشيخ الجمري وقال له: «انك ممنوع من الصلاة والخطبة في مسجد الصادق» وكررها ثلاث مرات. فرد عليه الشيخ الجمري انه يرفض المنع.
4 يناير 1996: هجمت قوات الأمن على جامع الامام زين العابدين حيث كان الشيخ الجمري مع جمهور من المصلين يقرؤون الدعاء (دعاء كميل). واستخدمت مسيلات الدموع بكثافة وتم الاعتداء على المارة بصورة عشوائية وفرض حصار حول منزل الشيخ الجمري. بعد فترة انسحبت قرابة عشرين سيارة جيب من المنطقة وبقيت السيارات المدنية وأربع شاحنات مملوءة بالقوات. وبعد فترة تجمعت أعداد غفيرة حول منزل الشيخ الجمري وخرج الشيخ وخطب فيهم قائلا: «إن هذه الحركة الصبيانية المراهقة قد فعلها هؤلاء بدون سبب. وارى انها قد أرهقتهم وحدة الشعب وإصراره على مطالبه، وأرهقتهم الجماهير الهائلة التي تجتمع لصلاة يوم الجمعة في جامع الصادق ولا نستغرب مثل هذه الحركة، ونحن صامدون لن نتراجع، والذي أراه أن هذا الانسحاب تكتيكي لكي تتجمعوا بسبب هذه المكيدة ثم يأتوا مرة أخرى للهجوم زاعمين أن هناك فوضى وتجمعا غير مشروع، إننا سوف نظل متمسكين بسلوكنا الذي هزمهم وجعلنا نستـقطب الرأي العـام في الداخل والخارج وهو السلوك السلمي، وأرى أن نفوّت عليهم الفرصة ونحبط هذه المكيدة بالتفرق والانصراف من هذا المكان، شكر الله مساعيكم، على أن الانصراف لا يعني التخـلي عـن المسـئولية، بل هـو انصراف مع التحسـب للطوارئ. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته».
الجمعة 5 يناير 1996: صلى الشيخ الجمري الظهر في جامع الصادق بالدراز، بينما كانت مداخل الدراز تتواجد فيها القوات ولكن الجماهير انهالت من كل حدب وصوب. أما صلاة المغرب فيصليها الشيخ في جامع الصادق بالقفول. وعندما توجه الناس إلى القفول كانت القوات قد حاصرت الجامع منذ الثالثة بعد الظهر بـ 250 مسلحاً وأغلقت جميع الطرق إلى الجامع. وقامت هذه القوات باستخدام مسيلات الدموع والرصاص المطاطي وأصبحت الأجواء مكفهرة، وأصيب عدد غير قليل من النساء والرجال والأطفال. وقد شاهد هذا الحادث السواح الأجانب الذين كانوا متواجدين في الحديقة المائية القريبة من الجامع.
مساء الجمعة 5 يناير 1996: أقيم حفل ديني في منطقة النعيم بالمنامة وكان من بين الحضور الشيخ الجمري. وبينما كان مشيمع يلقي كلمته أمام الحضور هجمت قوات الشغب بالقنابل الخانقة على الحضور. فانفض الجمهور وسقط عدد كبير على الأرض من بينهم الشيخ الجمري، فحمله الشباب إلى بيت صغير ملاصق لمكان الاجتماع. وقد التجأ إلى هذا المنزل حوالي مئة شخص، وبقوا هناك ما لا يقل عن ساعة ونصف لا يستطيعون النزول ويتكلمون بالهمس، لأن البيت مطوق والمنطقة كذلك. بعد ذلك هجمت قوات الشغب على المنزل وكسروا أبوابه ودخلوا واقتادوا الشباب بصورة وحشية ضربا ورفسا وشتما. وقيدوا أيدي الشباب من الخلف. وتعرض الشيخ الجمري لضربة على ظهره من احد أفراد قوات الشغب، بعدها واجه الشيخ الشخص الذي قام بالهجوم واسمه الملازم (ع.ق)، وحمّله مسئولية ما حدث. ثم طالب بالإفراج عن الشباب الذين قيدوا، وتم ذلك بعد فترة من النقاش الحاد. وقام الشيخ والشباب بتفقد الجرحى الذين سقطوا على الأرض ونقل بعضهم إلى المستشفى.
8 يناير 1996: الشيخ الجمري يصلي في جامع الصادق رغم التهديد له قبل الصلاة والجماهير تجتمع من كل مكان. بعد ذلك توجه الشيخ الجمري للدراز وحضر احتفالا جماهيريا ضخما رددت فيه هتافات الصمود.
12 يناير 1996: طوقت قوات الأمن جامع الصادق بالقفول، وعندما جاء عدد كبير من الناس واغلبهم من الشباب للصلاة وجدوا شرطة مكافحة الشغب قد أغلقت المنافذ المؤدية للجامع من الجهات الأربع مما أدى لامتداد طوابير السيارات القادمة من كل جهة لأكثر من كيلومتر واحد. وحدث إرباك في الحركة المرورية وعم التذمر العام من تصرفات قوات الأمن. ثم قامت الأخيرة بملاحقة القادمين للصلاة باستخدام الرصاص المطاطي الذي تسبب في إتلاف عدد من السيارات والممتلكات. كما أطلقت قوات الأمن قنابل غازية ذات لون احمر لخلق حالة من الفزع.
13 يناير 1996: استدعت وزارة الداخلية الشيخ الجمري وسبعة من رفاقه وأدخلوهم واحداً بعد الآخر في مكتب وزارة الداخلية الذي كان يتوسطه 14 من قوات الأمن. وكان وكان يحاورهم وكيل وزارة الداخلية. وطالب قادة المعارضة بحضور محامي الدفاع إلا أن ضباط الداخلية قالوا إن الهدف هو إبلاغ رسالة، إن الحكومة قررت منع الصلاة جماعة وإلقاء الخطب أمام الناس. وكان جواب الشيخ الجمري ورفاقه، إنهم لا يعتبرون بهذا القرار لأنه غير دستوري.
14 يناير 1996: اعتقل الناشط عبد الوهاب حسين من منزله الساعة الثالثة بعد الظهر. وكان حسين قد ألقى كلمة أمام حفل جماهيري في عراد مساء 13 يناير شرح فيه ما جرى مع ضباط وزارة الداخلية وموقف قادة المعارضة الرافض لمثل هذه التهديدات.
15 يناير 1996: بدأت حملة اعتقالات واسعة شملت جميع الذين ظهرت أسماؤهم للعلن خلال الأشهر المنصرمة من علماء دين وأساتذة وخطباء ووجهاء ومسئولي مساجد، من مختلف مناطق البلاد.
16 يناير 1996: الشيخ الجمري يلقي كلمة أمام جمهور غفير في مدينة حمد ويتعرض للحوادث الجارية ويدعو لوحدة الشعب ويؤكد المطالب العادلة.
17 يناير 1996: استدعي الشيخ الجمري لمقابلة رئيس اللجنة الأمنية التي انشئت لقمع الانتفاضة. وكان اللقاء مختلفا عما قبله. إذ قدم الاعتذار لإساءة الخُلق في الاجتماع السابق (13 يناير). طالب الشيخ الجمري بالإفراج عن حسين وإيقاف الهجوم على المساجد والتجمعات العامة لكيلا ينفلت الوضع الأمني وتعود الاضطرابات. طلب رئيس اللجنة الأمنية بعدم رفع الشعارات السياسية، إلا أن الشيخ قال إن المطالب سلمية ودستورية وليس من شأنها الإضرار بالأمن، بل على العكس. ولكن الاجتماع انتهى دون معرفة الهدف الأساسي من اللقاء.
19 يناير 1996: استدعي الشيخ الجمري للقاء رئيس اللجنة الأمنية مرة أخرى، وكان هذا اللقاء عكس اللقاء الذي سبقه. احتدم الخلاف بين الطرفين بعد أن اتهم رئيس اللجنة الأمنية الشيخ الجمري بالتحريض ضد الحكومة، وطالب بإيقاف النشاطات والتجمعات والصلاة وعدم الإدلاء بأي تصريح لوكالات الأنباء العالمية، إلا أن الشيخ الجمري رفض كل ذلك.
20 يناير 1996: فرض الحصار المنزلي الثاني (الأول كان في ابريل 1995) على الشيخ الجمري ابتداء من الساعة الثالثة فجرا. الإحتجاجات تعم مناطق البحرين وتعود مظاهر الاشتباكات مرة أخرى للساحة. اعتقالات واسعة شملت جميع أعضاء «المبادرة» ومعظم العلماء والخطباء والوجهاء الذين وقفوا بحزم أمام هجوم قوات الشغب على المساجد والتجمعات العامة.
21 يناير 1996: اعتقال الشيخ الجمري من منزله والعودة الكاملة لحالة الانتفاضة التي سبقت الإفراج عن قادة المبادرة في أغسطس وسبتمبر 1995. بل إن الأوضاع ازدادت حدة ودخلت البحرين مرحلة صراع أخرى كان بالإمكان تفاديها لولا تجنب السلطة من الحوار مع المعارضة.
وقبل اعتقاله بساعات قليلة، كتب الشيخ الجمري رسالة أرسلها لي بالفاكس قائلا: «أنا والعائلة نعيش الحصار داخل البيت وقد طوقنا بعشرات الجنود وعدد من السيارات، بل حوصر جيراننا في بيوتهم وهم الذين بجانبنا وخلفنا حتى المغتسل، وشرقا حتى بيت طه جاسم، ويمتد غربا إلى بيت ميرزا آدم، ولم يسمح لأحد منا بالخروج إلا الأطفال إلى المدرسة ويفتشون في خروجهم ودخولهم تفتيشا دقيقا. نحن في حال سيئة جدا . . . لا أدري ما سيجري بالنسبة لنا وللشعب من تطور وتصعيد للعنف... هذا وإذاعتهم وتلفزيونهم وصحفهم تتكلم ضدنا وتربط الأحداث (حوادث العنف) التي استدرجوا الناس إليها بنا وبالمساجد وتزعم أننا استغلينا المساجد. الآن يحاولون إسكات الأمة من خلال اعتقال عدد من العلماء وجميع الشيالين (خطباء المواكب الحسينية) وأعداد كبيرة من الشباب... وتعتبر هذه الأصـوات قـد أخمـدت، ولم يبـق إلا الأمـل فـي الله والرجـاء منه».
العدد 2258 الثلثاء 11 نوفمبر 2008 الموافق 13 ذو القعدة 1429 هــ
في منتصف أغسطس/آب 1995 انهالت علينا التقارير من داخل البحرين تتحدث عن إطلاق عدد من الرموز القيادية في التحرك الشعبي المطالب بعودة الحياة الدستورية للبلاد. وما هي الا فترة وجيزة حتى اتصل حسن مشيمع ـ احد القياديين الذين أفرج عنهم ـ بنا في لندن يعلمنا انه عازم على السفر إلى الخارج لتبادل وجهات النظر حول المحادثات التي بدأت في السجن بين القيادة الأمنية (ممثلة في المدير العام ايان هندرسون، ووزير الداخلية) وبين خمسة من قياديي التحرك الشعبي (الشيخ عبدالأمير الجمري، حسن مشيمع، عبدالوهاب حسين، الشيخ خليل سلطان والشيخ حسن سلطان).
وهكذا دخلت الانتفاضة مرحلة جديدة اتسمت بالأفراح الشعبية ومظاهر الزينة للاحتفال بمئات من المفرج عنهم بعد أن وصلت الأوضاع إلى حال من الاختناق.
بدا وكأن البحرين تدشن مرحلة حرية التعبير عن الرأي والحوار بين المعارضة والحكومة. الشكوك والظنون كثيرة وكذلك الآلام والآمال. وهكذا بدأنا في لندن نترقب مجيئ مشيمع والشيخ خليل سلطان إلى لندن للاطلاع على ما دار مع القيادة الأمنية.
وصل الوفد إلى لندن يوم 26 أغسطس 1995، في ختام أسبوع حافل للمعارضة عقدت خلاله مؤتمرا صحافيا وندوة سياسية وخرجت مظاهرة جماهيرية في شوارع لندن. كان في وداع الوفد في مطار البحرين الدولي فريق امني برئاسة عادل فليفل، لتسهيل سفر الوفد (ذلك لأن من يعتقل ويفرج عنه لا يسمح له بالسفر مباشرة).
قام مشيمع بتسليم «أحرار البحرين» رسالة كتبها الشيخ الجمري في السجن بتاريخ 24/8/1995، أي قبل يومين من سفر الوفد إلى لندن. لخصت الحوار الجاري بالقول: «فإنني قد اطلعت على البيان الصحفي الصادر عن حركة أحرار البحرين الإسلامية بتاريخ 21 أغسطس 1995، والذي تـناول فيما تـناول موضوع الاتفاق بيننا وبين الحكومة، والذي جاء فيه التزام الحركة مشكورة بما جاء في لاتفاق، وإنني أرجو منكم جميعا التعاون معنا لإتاحة الفرصة الكافية لإنجاحه، وتجنب كل ما يعيق تنفيذه ويطيل زمن محنة شعبنا، وان تتكرس الجهود في البحث عن أفضل السبل بتعزيز الحوار مع الحكومة التي أعربت عن رغبتها فيه، مؤكدا الحاجة القصوى للتعاون من اجل إخراج البلاد من محنتها بأسلوب حضاري حكيم وراق يتناسب مع تراثنا التاريخي والثقافي وقيم ومبادئ شعبنا المسلم وطبائعه الإنسانية النبيلة، ومؤكدا رفض الإسلام لاستخدام العنف مادام يوجد للحوار سبيل، ومؤكدا أيضا أن عودة الأمن والاستقرار إلى البلاد مع المحافظة على الحقوق والواجبات المتبادلة بين الشعب والحكومة تمثل الأساس الأقوى والأفضل لنمو البلاد وازدهارها وتحقيق آمال وطموحات شعبنا والمحافظة على مكتسباته، وإنني على ثقة بأنكم سوف تهتدون بفضل الله تعالى وتسديده لأفضل السبل السلمية الدستورية الحكيمة التي تمر عبر الحوار لتحقيق ذلك، وعدم تضييع الفرص التاريخية الثمينة لاسيما هذه الفرصة التي تمثل منعطفا خطيرا في تاريخ شعبنا».
عبرت هذه الرسالة عن الأجواء التي يعيشها قادة المعارضة الذين تحاوروا مع وزارة الداخلية. فلقد كانت الأخيرة توصل المنشورات التي نوزعها داخل البلاد ونعبر فيها عن مواقفنا إلى داخل السجن. وكانت حركة أحرار البحرين قد أصدرت بيانا رحبت فيه بمبادرة الحوار مع الحكومة للخروج من الأزمة. لقد حاز قادة المعارضة في السجن على ثقة الجماهير وكان الجميع بانتظار التعرف على التفاصيل وعلى كيفية التفاهم مع الحكومة للخروج من الأزمة السياسية.
الحوار بين مشيمع والشيخ سلطان وبين شخصيات المعارضة المتواجدين في لندن تطرق إلى جميع الأمور المنظورة، وكان النقاش حاداً وصريحاً إلى الدرجة التي كان الوفد (الضيف) يشعر وكأنه خرج من سجون البحرين والمشادات مع المخابرات إلى سجون منازل لندن ومشادات المعارضة. ولكن مثل هذا النقاش كان ضروريا لأن المصلحة العامة للأمة تتطلب الابتعاد عن الجانب العاطفي والشخصي كل البعد للتأكد من سلامة الطريق.
وبينما كنا نتحاور مع الوفد القادم إلى لندن، كان وزير الإعلام الجديد، محمد المطوع يصرح لإذاعة لندن أن الإفراج عن المعتقلين ما هو إلا «مكرمة أميرية» لتوفير الفرصة للمفرج عنهم لكي يعودوا إلى الصراط المستقيم. لعبت هذه الكلمات الجارحة دورها لاحقا في عدم عودة احد أفراد الوفد إلى البحرين بعد انتهاء الزيارة. وبالرغم من ذلك شعرنا بضرورة المتابعة لمجريات الأمور بصبر وحذر شديدين مع الإمساك بقدرة التحرك الجماهيري عندما تتراجع الحكومة عن ما تم الاتفاق عليه. أمام هذه المعادلة، كان علينا أن نبتعد عن الجوانب النظرية البحتة ونتعامل مع الواقع وظروفه، وكيفية معالجة السلبيات التي تصاحب مثل هذه التجربة.
وكان مشيمع قد بدأ حواره بالإشارة إلى أن مثل هذا الحوار لم يكن ليحصل لو أن القادة كانوا على انفراد في زنزانات متفرقة. وكانت الخطوة الأولى التي سعوا إليها هي إقناع وزارة الداخلية بسجنهم في مكان مشترك لأجل التداول في جميع القضايا. وفي مقابل هذا الطلب، كانت المخابرات تريد الحصول على ورقة مكتوبة وموقعة من القادة الخمسة يعتذرون فيها عما جرى. ومن اجل هذا الأمر تُرك الخمسة في غرفة خاصة ومجهزة بأجهزة التنصت للاستماع لما يتم الاتفاق عليه.
وكان القرار الذي اتخذه الخمسة كتابة رسالة تحمل جملة «شرطية» يقول فيها الموقعون عليها أنهم يعتذرون «إذا» كان قد صدر منهم خطأ. وذكر مشيمع أن كلمة «إذا» وضعت في منتصف الكتابة لكي لا يتم حذفها بعد ذلك عندما تقوم الحكومة بنشرها فيما لو تراجعت عن الحوار. وهكذا كتبت الرسـالة الموجهة إلى أمير البلاد بتاريخ 24 ابريل/نيسان 1995 (أي بعد ثلاثة أسابيع من اعتقال الشيخ الجمري) متضمنة الجملة الشرطية التالية: «وإزاء الأحداث المؤلمة التي شهدتها البحرين في الأشهر القليلة الماضية نعرب عن أسفنا الشديد لسموكم «إذا» كانت قد تسببت تصرفاتنا والأعمال التي قمنا بها وأدت إلى الاضطرابات في البلاد».
لقد كانت خطـورة الرسـالة واضحة أمام الخمسة ولكنهم فضلوا أن يقدموا على المخاطرة لكي يتمكنوا من الاجتماع مع بعضهم البعض بصورة مستمرة والخروج بمشروع مشتـرك استمر الحوار فيه لإخراجه قرابة الأربعة اشهـر داخل السجن مع قيادة الأمن العام التابعة لوزارة الداخلية.
ملخص الحوار في لندن
أشار الوفد الزائر إلى أن جذور المبادرة بدأت بعد أيام قلائل من الاعتقال، وخرج عدد من القيادات بصورة مستقلة أثناء اعتقالهم الانفرادي بفكرة لتهدئة الأوضاع مقابل الدخول في حوار مع الحكومة.
بعد عدة جلسات من التحقيق المنفرد مع المخابرات بدا واضحا أن هناك رأي مشترك بين عدد من القياديين، ولهذا تم تقديم طلب بالسماح لخمسة منهم بالاشتراك في سجن واحد لكي يخرجوا بمشروع مشترك. ولكن وزارة الداخلية كانت تصر على كتابة رسالة إلى الأمير قبل السماح بذلك. وقال مشيمع: «إلا أن البند الرابع حُذف بطلب من السلطات العليا في الحكومة حسب ما قاله هندرسون.
البند الأول: هو الدعوة للهدوء والاستقرار مقابل إطلاق سراح جميع الموقوفين (غير المحكومين) وتم الاتفاق على أن يطلق سراح ثلاثة من المحاورين مع 150 شخص في 16 أغسطس، ثم يتم الإفراج عن عبدالوهاب حسين مع 150 معتقل آخرين، وفي 30 سبتمبر/أيلول يتم الإفراج عن الشيخ الجمري مع 500 ـ 600 موقوف.
البند الثاني: معالجة آثار الأزمة. فقد خلفت آثارا مختلفة، ولكي يتحقق استقرار دائم فلا بد من الإفراج عن الذين حُكم عليهم وإرجاع المبعدين ومناقشة عودة البرلمان المنتخب.
البند الثالث: تعزيز العلاقة الطيبة بين الشعب والحكومة. وكان الطرف الحكومي قد أصرّ على كلمة تعزيز بدلا من الكلمة الأصلية «خلق».
البعد الرابع: (الذي لم توافق عليه السلطات العليا): كان ينص على تصحيح العلاقة بين المعارضة في الخارج والحكومة.
ملاحظات ذكرها الوفد الزائر
1 - قال رئيس المخابرات هندرسون في إحدى جلسات الحوار: «لقد استطعتم هز الكأس فلا تكسروه. لقد وصلنا إلى قناعة بأن القمع لن يخمد الشارع العام بالصورة التي نحب، كما أن الوجهاء الذين اعتمدنا عليهم لم يستطيعوا حل المشكلة».
2 - عندما طلبت المعارضة توثيق الاتفاق قبل بدء الإفراجات تم ترتيب لقاء مع وزير الداخلية بتاريخ 14اغسطس (قبل يومين من الإفراج عن الدفعة الأولى) حضره وزير العمل والشئون الاجتماعية عبدالنبي الشعلة، وقضاة المحكمة الجعفرية الشيخ سليمان المدني والشيخ احمد العصفور والشيخ منصور الستري، بالإضافة إلى الوجيه الحاج احمد منصور العالي. وقام الشيخ الجمري بقراءة المبادرة المكتوبة أمام الحضور الذين استمعوا إلى ما قيل عن الحوار الدائر.
3 - قال هندرسون إن زيارة لندن وإقناع المعارضة هناك سوف يكون له الأثر الكبير في الإسراع بحلحلة الأوضاع. خصوصا بعد ذهاب العلماء الثلاثة الذين تم إبعادهم في يناير/كانون الثاني 1995 إلى لندن لأن ذلك قلب الموازين على الحكومة.
4 - تم إخبار وزارة الداخلية أن المحاورين لن يطلبوا من المعارضة ومن الجماهير التوقف وإنما سيطلبون إعطاء فرصة للحوار.
ملاحظات ذكرها أفراد المعارضة في لندن
1 - الحكومة رفضت أن توثق الاتفاق من جانبها كتابيا ورفضت وضع جدولة واضحة للفترة الأمنية من الحوار. كما أن المرحلة الأساسية للحوار غامضة بالنسبة للآلية. فالمعارضة طرحت مطالب دستورية تعتمد على الإجماع الوطني وأي آلية للحوار لا بد أن تحتوي على ممثلين من الأطراف المشاركة في العريضة الشعبية ومن الأطراف الأخرى المؤثرة في الساحة.
2 - إن الحكومة طلبت كتابة رسالة اعتذار كمقدمة للحوار، وبالرغم أن الرسالة كتبت بلغة «شرطية» فإن الابتزاز واضح ولن تتوانى وزارة الداخلية عن استخدام هذه الورقة ونكران الحوار لأنها لم تقدم شيئاً مكتوباً.
3 - إن تكرار وزير الإعلام الجديد لوصف خروج القياديين بأنه مكرمة أميرية من أجل العودة للصراط القويم أمر آخر لا ينبئ بالخير.
4 - الحكومة تريد معالجة عوارض الأزمة وليس جذورها، ولا يبدو أن تغييرا حقيقيا في النهج السياسي قد حصل. فالحديث لا زال عن مجلس الشورى المعيّن وهناك محاولة لتغيير تركيبة الحكم بحيث تستعصي عودة الحياة الدستورية والبرلمان المنتخب.
رجوع مشيمع إلى البحرين
رجع مشيمع إلى البحرين والتقى مع الشيخ الجمري وحسين داخل السجن ليخبرهما بنتيجة الحوار مع المعارضة في الخارج. ولكن سرعان ما بدأت الحوادث تأخذ منحى آخر عندما جاء موعد الإفراج عن حسين في 7 سبتمبر 1995. فالسلطة لم تفرج عنه في اليوم المحدد، كما لم تفرج عن العدد الكامل المتفق عليه احتجاجا على مظاهر الفرح الجماهيرية التي بدأت تتسع مع الأيام. وعندما أفرج عن الشيخ الجمري في أواخر سبتمبر، وخرجت الجماهير من كل مكان لاستقباله، انزعجت الحكومة من دون سبب وامتنعت عن الإفراج عن باقي الموقوفين المتفق عليهم ويقدر عددهم بـ 500 شخص. ينبغي ان نذكر هنا ان الشيخ خليل سلطان الذي خرج من السجن وسافر الى لندن مع مشيمع لم يرجع الى البحرين، وانما بقي في الخارج وتنقل بين عدة بلدان وانتهى به الأمر في سنوات لاحقة الى تقديم اللجوء السياسي في هولندا.
وكان شهر أكتوبر/تشرين الأول 1995 حافلا بالمساجلات والاتهامات بين القيادة الأمنية والمعارضة في الوقت الذي بدا واضحا أن الحكومة لم تكن جادة في فتح باب الحوار بل الالتفاف على المطالب الجوهرية للتحرك الشعبي، وهو إعادة الحياة الدستورية واحترام حقوق المواطن. وهكذا بدأت الحوادث في التصاعد وبدأت تختفي مظاهر الفرح وتعود حالة اللا أمن واللا استقرار والاعتقالات العشوائية والمحاكمات الجائرة والتصريحات غير المسئولة.
تسارع الأحداث
لقد تسارعت الحوادث في يناير/كانون الثاني 1996 بصورة خاطفة، وبدا الارتباك واضحا في ردود فعل الحكومة، وهذا ملخص ما جرى:
25 سبتمبر 1995: الإفراج عن الشيخ الجمري.
23 أكتوبر 1995: اعتصام سبعة قياديين وإضرابهم عن الطعام في منزل الشيخ الجمري، احتجاجا على عدم وفاء الحكومة بالاتفاق المبرم معها.
1 نوفمبر/تشرين الثاني 1995: انتهاء الاعتصام واحتشاد اكبر تجمع في تاريخ البحرين (قدر العدد بما بين 60 - 70 ألف شخص) أمام منزل الشيخ الجمري للاستماع للبيان الختامي للمعتصمين.
3 يناير 1996: بعثت قيادة امن المنامة إلى الحاج علي عبدالله الابريق مسئول جامع الصادق بالقفول (المنامة) وأنذروه بمنع الشيخ الجمري من الصلاة مساء الجمعة كل أسبوع. وعندما اتصل الإبريق بدائرة الأوقاف الجعفرية قيل له انه ليس من مسئوليتهم منع أو تحديد من يصلي جماعة في المسجد. فاتصل مدير مركز امن القرى العقيد (ع.م) بالأوقاف ليأمرهم، لكن دائرة الأوقاف اعتذرت عن ذلك. بعدها اتصل العقيد (ع.م) بالشيخ الجمري وقال له: «انك ممنوع من الصلاة والخطبة في مسجد الصادق» وكررها ثلاث مرات. فرد عليه الشيخ الجمري انه يرفض المنع.
4 يناير 1996: هجمت قوات الأمن على جامع الامام زين العابدين حيث كان الشيخ الجمري مع جمهور من المصلين يقرؤون الدعاء (دعاء كميل). واستخدمت مسيلات الدموع بكثافة وتم الاعتداء على المارة بصورة عشوائية وفرض حصار حول منزل الشيخ الجمري. بعد فترة انسحبت قرابة عشرين سيارة جيب من المنطقة وبقيت السيارات المدنية وأربع شاحنات مملوءة بالقوات. وبعد فترة تجمعت أعداد غفيرة حول منزل الشيخ الجمري وخرج الشيخ وخطب فيهم قائلا: «إن هذه الحركة الصبيانية المراهقة قد فعلها هؤلاء بدون سبب. وارى انها قد أرهقتهم وحدة الشعب وإصراره على مطالبه، وأرهقتهم الجماهير الهائلة التي تجتمع لصلاة يوم الجمعة في جامع الصادق ولا نستغرب مثل هذه الحركة، ونحن صامدون لن نتراجع، والذي أراه أن هذا الانسحاب تكتيكي لكي تتجمعوا بسبب هذه المكيدة ثم يأتوا مرة أخرى للهجوم زاعمين أن هناك فوضى وتجمعا غير مشروع، إننا سوف نظل متمسكين بسلوكنا الذي هزمهم وجعلنا نستـقطب الرأي العـام في الداخل والخارج وهو السلوك السلمي، وأرى أن نفوّت عليهم الفرصة ونحبط هذه المكيدة بالتفرق والانصراف من هذا المكان، شكر الله مساعيكم، على أن الانصراف لا يعني التخـلي عـن المسـئولية، بل هـو انصراف مع التحسـب للطوارئ. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته».
الجمعة 5 يناير 1996: صلى الشيخ الجمري الظهر في جامع الصادق بالدراز، بينما كانت مداخل الدراز تتواجد فيها القوات ولكن الجماهير انهالت من كل حدب وصوب. أما صلاة المغرب فيصليها الشيخ في جامع الصادق بالقفول. وعندما توجه الناس إلى القفول كانت القوات قد حاصرت الجامع منذ الثالثة بعد الظهر بـ 250 مسلحاً وأغلقت جميع الطرق إلى الجامع. وقامت هذه القوات باستخدام مسيلات الدموع والرصاص المطاطي وأصبحت الأجواء مكفهرة، وأصيب عدد غير قليل من النساء والرجال والأطفال. وقد شاهد هذا الحادث السواح الأجانب الذين كانوا متواجدين في الحديقة المائية القريبة من الجامع.
مساء الجمعة 5 يناير 1996: أقيم حفل ديني في منطقة النعيم بالمنامة وكان من بين الحضور الشيخ الجمري. وبينما كان مشيمع يلقي كلمته أمام الحضور هجمت قوات الشغب بالقنابل الخانقة على الحضور. فانفض الجمهور وسقط عدد كبير على الأرض من بينهم الشيخ الجمري، فحمله الشباب إلى بيت صغير ملاصق لمكان الاجتماع. وقد التجأ إلى هذا المنزل حوالي مئة شخص، وبقوا هناك ما لا يقل عن ساعة ونصف لا يستطيعون النزول ويتكلمون بالهمس، لأن البيت مطوق والمنطقة كذلك. بعد ذلك هجمت قوات الشغب على المنزل وكسروا أبوابه ودخلوا واقتادوا الشباب بصورة وحشية ضربا ورفسا وشتما. وقيدوا أيدي الشباب من الخلف. وتعرض الشيخ الجمري لضربة على ظهره من احد أفراد قوات الشغب، بعدها واجه الشيخ الشخص الذي قام بالهجوم واسمه الملازم (ع.ق)، وحمّله مسئولية ما حدث. ثم طالب بالإفراج عن الشباب الذين قيدوا، وتم ذلك بعد فترة من النقاش الحاد. وقام الشيخ والشباب بتفقد الجرحى الذين سقطوا على الأرض ونقل بعضهم إلى المستشفى.
8 يناير 1996: الشيخ الجمري يصلي في جامع الصادق رغم التهديد له قبل الصلاة والجماهير تجتمع من كل مكان. بعد ذلك توجه الشيخ الجمري للدراز وحضر احتفالا جماهيريا ضخما رددت فيه هتافات الصمود.
12 يناير 1996: طوقت قوات الأمن جامع الصادق بالقفول، وعندما جاء عدد كبير من الناس واغلبهم من الشباب للصلاة وجدوا شرطة مكافحة الشغب قد أغلقت المنافذ المؤدية للجامع من الجهات الأربع مما أدى لامتداد طوابير السيارات القادمة من كل جهة لأكثر من كيلومتر واحد. وحدث إرباك في الحركة المرورية وعم التذمر العام من تصرفات قوات الأمن. ثم قامت الأخيرة بملاحقة القادمين للصلاة باستخدام الرصاص المطاطي الذي تسبب في إتلاف عدد من السيارات والممتلكات. كما أطلقت قوات الأمن قنابل غازية ذات لون احمر لخلق حالة من الفزع.
13 يناير 1996: استدعت وزارة الداخلية الشيخ الجمري وسبعة من رفاقه وأدخلوهم واحداً بعد الآخر في مكتب وزارة الداخلية الذي كان يتوسطه 14 من قوات الأمن. وكان وكان يحاورهم وكيل وزارة الداخلية. وطالب قادة المعارضة بحضور محامي الدفاع إلا أن ضباط الداخلية قالوا إن الهدف هو إبلاغ رسالة، إن الحكومة قررت منع الصلاة جماعة وإلقاء الخطب أمام الناس. وكان جواب الشيخ الجمري ورفاقه، إنهم لا يعتبرون بهذا القرار لأنه غير دستوري.
14 يناير 1996: اعتقل الناشط عبد الوهاب حسين من منزله الساعة الثالثة بعد الظهر. وكان حسين قد ألقى كلمة أمام حفل جماهيري في عراد مساء 13 يناير شرح فيه ما جرى مع ضباط وزارة الداخلية وموقف قادة المعارضة الرافض لمثل هذه التهديدات.
15 يناير 1996: بدأت حملة اعتقالات واسعة شملت جميع الذين ظهرت أسماؤهم للعلن خلال الأشهر المنصرمة من علماء دين وأساتذة وخطباء ووجهاء ومسئولي مساجد، من مختلف مناطق البلاد.
16 يناير 1996: الشيخ الجمري يلقي كلمة أمام جمهور غفير في مدينة حمد ويتعرض للحوادث الجارية ويدعو لوحدة الشعب ويؤكد المطالب العادلة.
17 يناير 1996: استدعي الشيخ الجمري لمقابلة رئيس اللجنة الأمنية التي انشئت لقمع الانتفاضة. وكان اللقاء مختلفا عما قبله. إذ قدم الاعتذار لإساءة الخُلق في الاجتماع السابق (13 يناير). طالب الشيخ الجمري بالإفراج عن حسين وإيقاف الهجوم على المساجد والتجمعات العامة لكيلا ينفلت الوضع الأمني وتعود الاضطرابات. طلب رئيس اللجنة الأمنية بعدم رفع الشعارات السياسية، إلا أن الشيخ قال إن المطالب سلمية ودستورية وليس من شأنها الإضرار بالأمن، بل على العكس. ولكن الاجتماع انتهى دون معرفة الهدف الأساسي من اللقاء.
19 يناير 1996: استدعي الشيخ الجمري للقاء رئيس اللجنة الأمنية مرة أخرى، وكان هذا اللقاء عكس اللقاء الذي سبقه. احتدم الخلاف بين الطرفين بعد أن اتهم رئيس اللجنة الأمنية الشيخ الجمري بالتحريض ضد الحكومة، وطالب بإيقاف النشاطات والتجمعات والصلاة وعدم الإدلاء بأي تصريح لوكالات الأنباء العالمية، إلا أن الشيخ الجمري رفض كل ذلك.
20 يناير 1996: فرض الحصار المنزلي الثاني (الأول كان في ابريل 1995) على الشيخ الجمري ابتداء من الساعة الثالثة فجرا. الإحتجاجات تعم مناطق البحرين وتعود مظاهر الاشتباكات مرة أخرى للساحة. اعتقالات واسعة شملت جميع أعضاء «المبادرة» ومعظم العلماء والخطباء والوجهاء الذين وقفوا بحزم أمام هجوم قوات الشغب على المساجد والتجمعات العامة.
21 يناير 1996: اعتقال الشيخ الجمري من منزله والعودة الكاملة لحالة الانتفاضة التي سبقت الإفراج عن قادة المبادرة في أغسطس وسبتمبر 1995. بل إن الأوضاع ازدادت حدة ودخلت البحرين مرحلة صراع أخرى كان بالإمكان تفاديها لولا تجنب السلطة من الحوار مع المعارضة.
وقبل اعتقاله بساعات قليلة، كتب الشيخ الجمري رسالة أرسلها لي بالفاكس قائلا: «أنا والعائلة نعيش الحصار داخل البيت وقد طوقنا بعشرات الجنود وعدد من السيارات، بل حوصر جيراننا في بيوتهم وهم الذين بجانبنا وخلفنا حتى المغتسل، وشرقا حتى بيت طه جاسم، ويمتد غربا إلى بيت ميرزا آدم، ولم يسمح لأحد منا بالخروج إلا الأطفال إلى المدرسة ويفتشون في خروجهم ودخولهم تفتيشا دقيقا. نحن في حال سيئة جدا . . . لا أدري ما سيجري بالنسبة لنا وللشعب من تطور وتصعيد للعنف... هذا وإذاعتهم وتلفزيونهم وصحفهم تتكلم ضدنا وتربط الأحداث (حوادث العنف) التي استدرجوا الناس إليها بنا وبالمساجد وتزعم أننا استغلينا المساجد. الآن يحاولون إسكات الأمة من خلال اعتقال عدد من العلماء وجميع الشيالين (خطباء المواكب الحسينية) وأعداد كبيرة من الشباب... وتعتبر هذه الأصـوات قـد أخمـدت، ولم يبـق إلا الأمـل فـي الله والرجـاء منه».
العدد 2258 الثلثاء 11 نوفمبر 2008 الموافق 13 ذو القعدة 1429 هــ
منقول
اقرأ الحلقة السادسة من ملف "تسعينات البحرين" (1): أبريل 1995... بني جمرة و15 يوماً من طوق الحصار
الوسط - حيدر محمد
لم يكن نبأ حصار المرحوم الشيخ عبدالأمير الجمري (1 - 15 أبريل/ نيسان 1995) ومن ثم إيداعه السجن خبراً اعتيادياً، فقد كان محطة محورية في طريق تفاقم الوضع الأمني في عشرات المناطق، وقد مثل هذا الحدث علامة فارقة منذ انطلاق شرارة الانتفاضة في العام 1994.
الأول من أبريل أو «السبت الأسود» كما يسميه الأهالي هنا... كان يوماً مأساوياً ببني جمرة، فقد شهد سقوط شابين من أبناء القرية وبتر رِجْلِ ثالث، فضلاً عن نحو خمسين جريحاً آخر.
بني جمرة طوت النهار على وقع سيل من الرصاص واقتحام عشرات المنازل، وغابت عنها الشمس بصوت طلقات الرصاص ومسيلات الدموع لم تفارق القرية حتى مطلع الفجر!
فقد كانت بني جمرة ساحة لأحداث دموية ومرعبة... وعاش أهلها 15 يوماً من الحصار المحكم و15 يوماً من المعاناة، ولكن ما ميزها أنها 15 يوماً من التضامن بين الأهالي الذين هبوا احتجاجاً على الإجراءات غير الإنسانية في تعامل السلطات مع كل من في القرية.
فالحصار القاسي الذي فرضته قوات الأمن المدججة في السلاح على الشيخ عبدالأمير الجمري شمل القرية بأكملها...القرية مغلقة بالكامل ومحاطة من كل جانب، ولا يدخلها أحدٌ إلا بعد المرور بتفتيش دقيق عند المنافذ التي نصبتها قوات الأمن التي طوقت القرية.
كثيرة هي القصص وكثيرة هي الروايات وكثيرة هي الجراحات أيضاً، فكل أبناء بني جمرة يتذكرون ذلك اليوم الطويل، كل من في القرية شمله العذاب، ولكن ماذا يقول شهود العيان عن شريط دامٍ عاصروه ولا يزال محفوراً بالذاكرة... لكنه مقرون بطعم تحرك شعبي غير مسبوق، لذلك فإن الحصار كان كفيلاً لاكتشاف صلابة الناس.
حصار قبل مطلع الفجر
ويروي سلمان عطية (شاهد عيان من أبناء بني جمرة) ما واجهه من أحداث خلال هذه الفترة قائلاً: «يمكنني القول إن السلطات الأمنية اختارت الوقت غير المناسب لبدء الحصار على قرية بني جمرة ، لأنه كان قبل أذان الفجر، ففي هذه الفترة كل الناس كانت تتوجه للمساجد، ولذلك فإن قوات الأمن كانت مدهوشة من الجموع الآتية من كل القرية قاصدة جامع الإمام زين العابدين (ع) (القريب من بيت الشيخ الجمري) عن طريقين هما: طريق المقبرة وطريق البر».
ويوضح عطية أن قوات الأمن الكثيفة التي كانت تحاصر الجامع استغربت من هذه الجموع الغفيرة، فتصورت أن ما حدث هو ردة فعل شعبية على قرار الحصار، مع أن الناس كانت تجهل ما كان يحدث أساساً، وكان التصور هو مجرد عملية اعتقال، لأن مسألة الحصار لم تكن معتادة، فظن الناس أنها مجرد اعتقالات.
الطلقات في وجه الجماهير
ويعتقد عطية أن ردة الفعل المباشرة من قبل قوات الأمن كانت هي الأخرى غير متوقعة... فقوات الشغب بادرت بإطلاق الرصاص الحي في كل مكان، وقد لاذ الناس بالفرار وهم مأسورون بهول الصدمة، كما قامت قوات الأمن بإبعاد كل الموجودين في البيوت المجاورة لمنزل الشيخ الجمري حتى تضمن أن يسير مخططها لمحاصرة الشيخ كما خططت له.
ويروي عطية ما شاهده بأم عينيه قائلاً: « لم يكن نبأ اعتقال الشيخ الجمري حدثاً طبيعياً، ولذلك فإن الناس لم تفر إلى بيوتها كما توقعت الشرطة، بيتي كان قريباً من الحدث ولذا فإن أصوات الرصاص كانت تسمع فيه بقوة، لقد وقفت الجماهير محتارة، وتجمّع الناس في منطقة البر (المنطقة القديمة من بني جمرة)، لم تتوقف أصوات الرصاص فأردنا الخروج من المنزل، إلا أن الوالدة وقفت على الباب لتحول بيننا وبين الخروج».
قتلى وجرحى يتساقطون
ويبيّن عطية أن «إطلاق الرصاص استمر لعشر دقائق، وكنا نسمع صوت طلقات مختلفة، وبعد مضي خمس دقائق، سمعنا صوت امرأة تصرخ بقوة... وكانت زوجة محمد صادق العرب الذي بترت رجله في ذلك اليوم... اقتربنا من مزرعتنا القريبة من المنزل، فجاء شخص وجهه مغطى بالدماء، وبالكاد كان قادراً على المشي (جعفر طالب)... أدخلناه في بيتنا ولكننا لم نكن نعلم حتى ذلك الوقت سبب صراخ المرأة».
لم يتمالك عطية نفسه وهو يقص دقائق من الأحداث المؤلمة: «بعد لحظات وجدنا شخصاً آخر ملقياً على الأرض فوق عينيه دائرة سوداء تحوطها نقاط داكنة اللون، كان الجميع في حيرة لمعرفة هذا الشخص، لأن رأسه كان - بفعل النزيف الداخلي - أكبر من كرة قدم، ولاحقاً تعرفنا عليه وكان هو الشهيد محمد جعفر الذي كان يتنفس بشدة، بعدها سرنا خطوات ورأينا شخصاً ملقياً على بطنه وثوبه مسحوبة وكان يئن».
وقد شاهدنا الطلقة التي أصيب بها وكان مضروباً أيضاً، إنه الشهيد محمد علي عبدالرزاق الذي كان مضروباً بعدة طلقات مباشرة... فكان يشتكي من شدة الألم، فالطلقة دمرته لأنها أصابته في موضع حساس، علماً أن الطلقات كانت توجه عن قرب، وبعد إدخاله إلى البيت كان يردد «أسعد، أسعد...»، وكان تشخيص جميع الموجودين انه كان فاقداً للوعي (ولكن عرفنا لاحقاً أنه يردد اسم ابنه)». وبحسب عطية فإن الشرطة كانت قد ضربت هذه المجموعة بصورة مفاجئة، وقد ابتعد الشهيد محمد علي عن هذه المجموعة، إلا أنه بعد إطلاق الرصاص على الشهيد محمد جعفر قرر أن يرجع إليه مرة أخرى، وسرعان ما قد ازدادت جموع الشرطة التي ظهرت بين النخيل فجاءت قوات أمن كثيفة فأطلقت عليه الرصاص، فأردته أرضاً.
مصاب ملقىً وسط نخلة!
ويعود عطية إلى حديث الذكريات بقوله: «بعد عشرين دقيقة عرفنا سبب صراخ المرأة، فزوجها (محمد صادق العرب)... تجمّع الشباب وجرت عملية بحث عن محمد صادق، وبعد ثلث ساعة رأينا زوجها ملقياً في وسط نخلة قرب مزرعتنا، ورأيت تحته بقعة كبيرة من الدم. قمت بالتدقيق في إصابته، إلا أن كسور العظم لمحنا فيها زوايا حادة، حاولت أن أحلل وظننت أنها ضربة أداة حادة، فرأيت أن أطلع على حجم الإصابة... وكانت عدنا سجادة قديمة سميكة فدحرجناه عليها، وهناك شخصان حملهما أحد الأشخاص، وهما الشهيد محمد جعفر وجعفر طالب، بينما الاثنان الآخرين فقد حملتهما في سيارتي «البيكب»، وهما محمد صادق العرب والشهيد محمد علي».
الطريق إلى المستشفى
تحيّرنا إلى أي طريق نسلك - يضيف عطية - بسبب الكثافة الأمنية وكان في نيّتنا أن نذهب إلى المستشفى الدولي، غير أن الرصاص لا يزال يطلق في بني جمرة، وخرجنا إلى قرية المرخ وقد أوقفنا أهالي المرخ وسألونا عما يجري، فشرحنا لهم الوضع، وطلبوا منا التقاط صور للتوثيق، ولكننا رفضنا لشدة الإصابات التي لا تتحمل أي نوع من التأخير، وكان ذلك على الأرجح بعد أذان الفجر ولكن المؤكد أن الشمس لم تظهر بعد...
ويمضي قائلاً: «دخلنا قرية سار واتجهنا نحو دوار سار، إلا أن دوريتي شرطة كانتا واقفتين أيضاً ولكن لحسن الحظ انهما تحركتا بعد قليل وقد، واصلنا السير قاصدين المستشفى الدولي، وعند وصولنا المستشفى استقبلنا رجل أمن مدني كان يسجل أرقام السيارات، وبعد فترة بسيطة وصل الشخص الآخر الذي حمل مصابين آخرين وقد سلك طريقاً آخر».
ولكن ماذا بعد الوصول إلى المستشفى؟ يجيب عطية: « قمنا بإدخال الجرحى الواحد بعد الآخر، وأدخلنا محمد صادق العرب الغرفة ووضعناه على السرير، لحد الآن لم يئنّ، لأنه مازال لا يعلم حجم إصابته، ثوبه كانت مرفوعة... كان واعياً ولكنه في حالة صدمة، عندما وضعناه طلب مني أن يرى مدى إصابته، فأبيت أن أريه إلا انه أصرّ عليَّ ورفع رأسه فساعدته، ورأى رجله فأغمي عليه مباشرة من شدة صدمته من حجم الإصابة.
ويضيف «وعند إدخال جعفر طالب أتت زوجة الشهيد محمد جعفر وكانت موجودة في المستشفى بسبب الاعتداء عليها بالضرب المبرح هي ووالدتها فسمعت صوتنا، وبادرتنا بالسؤال عن زوجها... ارتبكنا، ولكنها أصرت علينا، فقلت لها: «اطمئني، هو تعرض لإصابة كالآخرين»، مردفاً «بعد ذلك، حاولنا أن نرجَع بني جمرة مرة أخرى ولكن «البيكيب» كان مملوءاً بالدماء، لم نتمكن من ذلك، فقد حوصرنا لثلاثة أيام خارج بني جمرة حتى قلَّ التشديد الأمني على كل منافذ القرية فاستطعنا الدخول لبني جمرة من منفذ ثانوي».
«إنهم يريدون أن يعتقلوا الشيخ الجمري»
أما فيصل الخباز (شاهد عيان ومصاب) فيقول: بالنسبة إلى اعتقال الشيخ الجمري فقد كان أمراً متوقعاً، فقد كان الشباب يتوقعون ذلك في أية لحظة، وكانوا يتواصون بالدفاع عن الشيخ الجمري، وفي ليلة السبت كنت عند والدتي إلى وقت متأخرٍ من الليل ومن ثم رجعت إلى حجرتي وألقيت بنفسي. وقبل نحو نصف ساعة من الأذان انتبهت على صوتٍ غريب: «إنهم يريدون أن يعتقلوا الشيخ الجمري».
ويضيف الخباز «كان الصوت حلماً بالنسبة لي، فبادرت ولبست ثوبي للصلاة، وايقظت زوجتي، وقلت لها: إنني أتوقع عدم رجوعي إلى المنزل، فقالت: ولم؟ فأخبرتها أنني أسمع صوتاً يقولون «إنهم سيعتقلون الشيخ الجمري»، نزلت زوجتي خلفي ونزل خلفنا ولدي مهدي وكان صغيراً حينها، وتوجهت إلى الشخص، وكان عبدالأمير عبدالوهاب هو من ينادي في المأذنة».
المقبرة تتحول إلى ثكنة أمنية
ويواصل الخباز حديثه قائلاً: «جاء أستاذ عمران حسين للمنزل، وأخبرنا أن الشيخ الجمري محاصر وأن المنازل تم الاستيلاء عليها وإخراج أهلها، وقد بادرت إلى الخروج رغم معارضة البعض خوفاً علَيَّ، إلا أنني أصريت وذهبت إلى بيت الشيخ الجمري وأثناء مروري بجانب المقبرة متجهاً لمنزل الشيخ، توقفت لأتامّل، وكنت أدقق النظر عند الزاوية للتأمل إلى المقبرة فرأيت حركة غريبة في المقبرة فدققت النظر وإذا بالمقبرة كلها تحوّلت إلى ثكنة أمنية، فتوقفت عن الرواح، وصرت أفكر «ماذا نفعل»؟، فكان القرار أن نكبّر في كل المساجد، فطلبت من أحد الإخوة تشغيل المبكرات الصوتية في جميع المساجد، وبدأنا نتنقل من مسجدٍ إلى آخر للتكبير.
التكبير يصدح من مآذن بني جمرة
وكانت البداية من مسجد الوسطة (أبا ذر الغفاري حالياً) وبدأنا التكبير وتجمع الناس شيئاً فشيئاً، وأخذت المسيرة تتجه إلى المسجد الآخر وهو مسجد الإمام علي(ع)، وفي طريقنا كان بعض الأشخاص يطرقون المنازل ليخبرونهم عن اعتقال الشيخ، والمسيرة يزيد عددها بشكل واسع، وقامت جماعة بالتكبير في مسجد الإمام علي، وعندما وصلنا إلى قرب بيت علي محمد، ونحن متجهين إلى مسجد الخضر، وهنا المسيرة بلغت ذروتها من كثرة المشاركين، الذين وصل عددهم في هذا التجمع العفوي إلى نحو 500 شخص، وكان هذا العدد كبيراً، رغم أنه في وقت الفجر، وعندما وصلنا مسجد الخضر بدأ بعض الأشخاص في المسيرة بترديد بعض الشعارات، إلا أن البعض نهاهم، وأفهمهم أن هدفنا أكبر من مجرد شعارات!
المسيرة تتفرق إلى اتجاهات شتى
ويضيف «عندما وصلنا مسجد الخضر سمعنا أصوات الطلق بكثافة، وبدأت المسيرة تتراجع إلا أن الشهيد محمد علي عبدالرزاق وهو من شهداء يوم السبت الأسود كان مرابطاً، وطلبت منه الخروج من مسجد الخضر، ومسيلات الدموع كانت تضرب فوق المسجد، وهنا تفرقت المسيرة إلى مناطق مختلفة، ولكن القسم الأكبر بقي معنا، ودخلنا إلى الممر القريب من مأتم الانثيعشرية ، وعندما وصلنا زاوية المأتم (الشرقية الجنوبية) هنا أصيب «أسعد» ابن الشهيد محمد علي عبدالرزاق برصاصة في ظهره، ولكن أباه كان قوي الجأش، وحاول أن يهدئه، فأخذ ولده إلى مكان آخر، فاتجهنا إلى البر، وهنا فوجئنا أن كل شبر في القرية تحوّل إلى (معسكر)، ولم يبقَ محل في القرية يمكن الاختباء فيه، الكل بدا محتاراً وهو يبحث عن الوجهة الأنسب».
ولكن عندما رجعت إلى السدرة (سدرة الشيخ كما يعرفها أهالي بني جمرة) حاولت أن أركض فضربوني بالرصاص، ومن حرارة الضربة، لم أتوقف بل سرت مهرولاً إلى أن وصلت بالقرب من مأتم الخضر، فوجدت كراجاً بجانبه سيارة وزحفت ودخلت تحت السيارة، وقد كنت أنزف إلى أن بلغت نفسي الموت، وكان رجائي أن أرى الشيخ الجمري... بعد هذه الخاطرة كأنما ذهب عني كل شيء وكأنني لم أصَبْ فنهضت وذهبت أجري بسرعة».
ويشرح الخباز اللحظات الأخيرة التي رآها في القرية بقوله «تفاجأت مرة أخرى بأن سيارة الشغب نازلة وكنت آتياً من مسجد الخضر متجهاً لمأتم الاثنيعشرية. وكان أمامي برميل للقمامة في الطريق وأنا من سرعتي ضربت البرميل، وهذا المنظر أرهب الشرطي، وأنا لم ألتفت إلى الخلف وواصلت المسير إلى أحد البيوت و طرقت الباب، إلا أن بعض الأبواب لم تفتح خوفاً من ملاحقة الشرطة. فالتفتُّ للخلف ورأيت أن قوات الأمن قد غادرت، وصارت عندي طمأنينة وجئت مسجد الوسطة وتفاجأت بوجود أحد الأشخاص الذي أوصلني إلى منزلي... وقعت على الباب، بينما زوجتي وولدي كانا في المسيرة ولكن لم أكن أعلم عنهما شيئاً، وقد غبت عن الوعي وما أتذكره هو أنني في المستشفى الدولي وانتبهت على السرير، وعندما تقيأت دماً خفّ عني الوجع كثيراً، وصرت في وعيي الكامل، وكنا نسمع أصوات الطلق في محيط المستشفى».
استيقظنا على أصوات الحواجز
أمام منزل الشيخ الجمري
أما جعفر عبدالحسين منصور (جار الشيخ الجمري من جهة الشرق) فيروي لقطات من الحصار المحكم على منزل الشيخ قائلاً: «لقد استيقظنا في يوم السبت الأسود (1 أبريل 1995) في الساعة الثانية والنصف صباحاً على أصوات الحواجز التي ألقتها قوات الأمن في الأرض، وكان ذلك مثار استغراب، ففي بادئ الأمر كانت هناك مضايقات مختلفة للشيخ، نظرت من غرفة السلّم (الدرج) فرأيت قوات الأمن يطوقون بيت الشيخ الجمري، كما داهموا غالبية البيوت الملاصقة لبيت الشيخ، أرادوا عزل الشيخ الجمري، وبدأوا إخراج أبناء الشيخ، كانت قوات الأمن ترصد كل شي، في بادئ الأمر اعتقدنا أنها إجراءات سريعة، ولكن الحواجز جعلتني متيقناً أن الهدف هو فرض إقامة جبرية على الشيخ الجمري وأن المسألة ستطول كثيراً».
يوم استثنائي في تاريخ البحرين
كل شيء كان ممنوعاً، لأنه يوم استثنائي لم يمر ليس فقط على بني جمرة وإنما البحرين من قبل. يضيف منصور «في السادسة صباحاً سمعنا صوت الرصاص عن بعد، وسمعنا التكبيرات أيضاً، وسمعت أحد المسئولين الأمنيين أمام منزل الشيخ يوجه الشرطة إلى ملاحقة الخارجين في القرية، وكنت مستعداً لأن أنقل بناتي إلى المدرسة، وجعلتهن يفتحن الباب أولاً لأختبر رد قوات الأمن الذين طلبوا من بناتي الرجوع إلى المنزل، فخرجت لهم فقال لي أحد المسئولين الأمنيين: ارجع بيتك لا يوجد أي شيء اليوم!».
ويضيف «رجعنا البيت، وكنا نريد الاطمئنان على وضع الشيخ الجمري، لم أذهب الدوام إلا عند الساعة الواحدة عندما طلبت من الشرطة أن أذهب لعملي في أمرٍ شديد الأهمية، وفي العمل تم إخباري عما جرى في القرية».
ويشير منصور إلى أن الطوق الأمني قد أحكم على مجمع المنطقة 539، فقد نصبت العديد من نقاط التفتيش، كانت في البداية نقطتين للخروج والدخول، ولاحقاً اقتصروا على نقطة واحدة، فإذا كان العنوان على المجمع المذكور يسمح لصاحبه بالدخول ويرفض ما سواه، ولا يسمح الدخول إلا في فترات محدودة فضلاً عن تفتيش دقيق للسيارة، فأحياناً بعض المفتشين لا يعرف البطاقة، فيطلب مني جلب تصريح من مركز البديع للدخول إلى القرية. تم التضييق على المنطقة، والتفتيش لم يقتصر على السائق بل شمل جميع ركاب السيارة.
كنا نرى بعض التحركات وقد انقطعت الأخبار عن الشيخ الجمري «لقد كان هاتف منزل الشيخ مقطوعاً، ولم نكن نعرف شيئاً سوى أن منزل الشيخ كان مطوَّقاً بشدة، ومنعوا أيَّ اتصال للشيخ بالعالم الخارجي، والأمر الأكثر غرابة أننا كنا نتلقى الأخبار عن وضع الشيخ الجمري من إذاعة البي بي سي، واستمر الحصار الأول لمدة أسبوعين، وحسب ما كنا نعرفه أن الشيخ رفض أن يتنازل عن كل شيء في مقابل رفع الحصار».
قوات الأمن تسيطر على منزل الشيخ
إلى ذلك يقول مهدي عبدالأمير الجمري: كنت صغيراً، إلا انني بعدما استيقظت من النوم، رأيت قوات الشغب داخل المنزل، في الطابق الأرضي، وفي الطابق العلوي كانت شقة أخي جميل فيها شرفة (بلكونة) وثلاثة من قوات الشغب، وحتى فوق السطح كانوا يقفون مدججين في السلاح ليراقبوا محيط المنزل، فهذا الطوق كان موجوداً في الداخل والخارج، كما أزيلت من المنزل كل الأجهزة والكتب.
وكانوا يحاولون الدخول إلى داخل القاعة التي يوجد فيها الشيخ، كنا لا نستطيع الخروج إلى داخل المنزل، ما أتذكره أن أختي كانت حاملاً وأتوا بممرضة، وكانت خالتي معنا فانحجزت لأسبوعين في داخل المنزل، كنا نسمع طلقات الرصاص، وكانت النافذة مفتوحة، فتألم الوالد من الأخبار السيئة المتوالية من القرية.
ولكن الأخبار السيئة لم تنتهِ برفع الحصار!
العدد 2258 الثلثاء 11 نوفمبر 2008 الموافق 13 ذو القعدة 1429 هــ
الوسط - حيدر محمد
لم يكن نبأ حصار المرحوم الشيخ عبدالأمير الجمري (1 - 15 أبريل/ نيسان 1995) ومن ثم إيداعه السجن خبراً اعتيادياً، فقد كان محطة محورية في طريق تفاقم الوضع الأمني في عشرات المناطق، وقد مثل هذا الحدث علامة فارقة منذ انطلاق شرارة الانتفاضة في العام 1994.
الأول من أبريل أو «السبت الأسود» كما يسميه الأهالي هنا... كان يوماً مأساوياً ببني جمرة، فقد شهد سقوط شابين من أبناء القرية وبتر رِجْلِ ثالث، فضلاً عن نحو خمسين جريحاً آخر.
بني جمرة طوت النهار على وقع سيل من الرصاص واقتحام عشرات المنازل، وغابت عنها الشمس بصوت طلقات الرصاص ومسيلات الدموع لم تفارق القرية حتى مطلع الفجر!
فقد كانت بني جمرة ساحة لأحداث دموية ومرعبة... وعاش أهلها 15 يوماً من الحصار المحكم و15 يوماً من المعاناة، ولكن ما ميزها أنها 15 يوماً من التضامن بين الأهالي الذين هبوا احتجاجاً على الإجراءات غير الإنسانية في تعامل السلطات مع كل من في القرية.
فالحصار القاسي الذي فرضته قوات الأمن المدججة في السلاح على الشيخ عبدالأمير الجمري شمل القرية بأكملها...القرية مغلقة بالكامل ومحاطة من كل جانب، ولا يدخلها أحدٌ إلا بعد المرور بتفتيش دقيق عند المنافذ التي نصبتها قوات الأمن التي طوقت القرية.
كثيرة هي القصص وكثيرة هي الروايات وكثيرة هي الجراحات أيضاً، فكل أبناء بني جمرة يتذكرون ذلك اليوم الطويل، كل من في القرية شمله العذاب، ولكن ماذا يقول شهود العيان عن شريط دامٍ عاصروه ولا يزال محفوراً بالذاكرة... لكنه مقرون بطعم تحرك شعبي غير مسبوق، لذلك فإن الحصار كان كفيلاً لاكتشاف صلابة الناس.
حصار قبل مطلع الفجر
ويروي سلمان عطية (شاهد عيان من أبناء بني جمرة) ما واجهه من أحداث خلال هذه الفترة قائلاً: «يمكنني القول إن السلطات الأمنية اختارت الوقت غير المناسب لبدء الحصار على قرية بني جمرة ، لأنه كان قبل أذان الفجر، ففي هذه الفترة كل الناس كانت تتوجه للمساجد، ولذلك فإن قوات الأمن كانت مدهوشة من الجموع الآتية من كل القرية قاصدة جامع الإمام زين العابدين (ع) (القريب من بيت الشيخ الجمري) عن طريقين هما: طريق المقبرة وطريق البر».
ويوضح عطية أن قوات الأمن الكثيفة التي كانت تحاصر الجامع استغربت من هذه الجموع الغفيرة، فتصورت أن ما حدث هو ردة فعل شعبية على قرار الحصار، مع أن الناس كانت تجهل ما كان يحدث أساساً، وكان التصور هو مجرد عملية اعتقال، لأن مسألة الحصار لم تكن معتادة، فظن الناس أنها مجرد اعتقالات.
الطلقات في وجه الجماهير
ويعتقد عطية أن ردة الفعل المباشرة من قبل قوات الأمن كانت هي الأخرى غير متوقعة... فقوات الشغب بادرت بإطلاق الرصاص الحي في كل مكان، وقد لاذ الناس بالفرار وهم مأسورون بهول الصدمة، كما قامت قوات الأمن بإبعاد كل الموجودين في البيوت المجاورة لمنزل الشيخ الجمري حتى تضمن أن يسير مخططها لمحاصرة الشيخ كما خططت له.
ويروي عطية ما شاهده بأم عينيه قائلاً: « لم يكن نبأ اعتقال الشيخ الجمري حدثاً طبيعياً، ولذلك فإن الناس لم تفر إلى بيوتها كما توقعت الشرطة، بيتي كان قريباً من الحدث ولذا فإن أصوات الرصاص كانت تسمع فيه بقوة، لقد وقفت الجماهير محتارة، وتجمّع الناس في منطقة البر (المنطقة القديمة من بني جمرة)، لم تتوقف أصوات الرصاص فأردنا الخروج من المنزل، إلا أن الوالدة وقفت على الباب لتحول بيننا وبين الخروج».
قتلى وجرحى يتساقطون
ويبيّن عطية أن «إطلاق الرصاص استمر لعشر دقائق، وكنا نسمع صوت طلقات مختلفة، وبعد مضي خمس دقائق، سمعنا صوت امرأة تصرخ بقوة... وكانت زوجة محمد صادق العرب الذي بترت رجله في ذلك اليوم... اقتربنا من مزرعتنا القريبة من المنزل، فجاء شخص وجهه مغطى بالدماء، وبالكاد كان قادراً على المشي (جعفر طالب)... أدخلناه في بيتنا ولكننا لم نكن نعلم حتى ذلك الوقت سبب صراخ المرأة».
لم يتمالك عطية نفسه وهو يقص دقائق من الأحداث المؤلمة: «بعد لحظات وجدنا شخصاً آخر ملقياً على الأرض فوق عينيه دائرة سوداء تحوطها نقاط داكنة اللون، كان الجميع في حيرة لمعرفة هذا الشخص، لأن رأسه كان - بفعل النزيف الداخلي - أكبر من كرة قدم، ولاحقاً تعرفنا عليه وكان هو الشهيد محمد جعفر الذي كان يتنفس بشدة، بعدها سرنا خطوات ورأينا شخصاً ملقياً على بطنه وثوبه مسحوبة وكان يئن».
وقد شاهدنا الطلقة التي أصيب بها وكان مضروباً أيضاً، إنه الشهيد محمد علي عبدالرزاق الذي كان مضروباً بعدة طلقات مباشرة... فكان يشتكي من شدة الألم، فالطلقة دمرته لأنها أصابته في موضع حساس، علماً أن الطلقات كانت توجه عن قرب، وبعد إدخاله إلى البيت كان يردد «أسعد، أسعد...»، وكان تشخيص جميع الموجودين انه كان فاقداً للوعي (ولكن عرفنا لاحقاً أنه يردد اسم ابنه)». وبحسب عطية فإن الشرطة كانت قد ضربت هذه المجموعة بصورة مفاجئة، وقد ابتعد الشهيد محمد علي عن هذه المجموعة، إلا أنه بعد إطلاق الرصاص على الشهيد محمد جعفر قرر أن يرجع إليه مرة أخرى، وسرعان ما قد ازدادت جموع الشرطة التي ظهرت بين النخيل فجاءت قوات أمن كثيفة فأطلقت عليه الرصاص، فأردته أرضاً.
مصاب ملقىً وسط نخلة!
ويعود عطية إلى حديث الذكريات بقوله: «بعد عشرين دقيقة عرفنا سبب صراخ المرأة، فزوجها (محمد صادق العرب)... تجمّع الشباب وجرت عملية بحث عن محمد صادق، وبعد ثلث ساعة رأينا زوجها ملقياً في وسط نخلة قرب مزرعتنا، ورأيت تحته بقعة كبيرة من الدم. قمت بالتدقيق في إصابته، إلا أن كسور العظم لمحنا فيها زوايا حادة، حاولت أن أحلل وظننت أنها ضربة أداة حادة، فرأيت أن أطلع على حجم الإصابة... وكانت عدنا سجادة قديمة سميكة فدحرجناه عليها، وهناك شخصان حملهما أحد الأشخاص، وهما الشهيد محمد جعفر وجعفر طالب، بينما الاثنان الآخرين فقد حملتهما في سيارتي «البيكب»، وهما محمد صادق العرب والشهيد محمد علي».
الطريق إلى المستشفى
تحيّرنا إلى أي طريق نسلك - يضيف عطية - بسبب الكثافة الأمنية وكان في نيّتنا أن نذهب إلى المستشفى الدولي، غير أن الرصاص لا يزال يطلق في بني جمرة، وخرجنا إلى قرية المرخ وقد أوقفنا أهالي المرخ وسألونا عما يجري، فشرحنا لهم الوضع، وطلبوا منا التقاط صور للتوثيق، ولكننا رفضنا لشدة الإصابات التي لا تتحمل أي نوع من التأخير، وكان ذلك على الأرجح بعد أذان الفجر ولكن المؤكد أن الشمس لم تظهر بعد...
ويمضي قائلاً: «دخلنا قرية سار واتجهنا نحو دوار سار، إلا أن دوريتي شرطة كانتا واقفتين أيضاً ولكن لحسن الحظ انهما تحركتا بعد قليل وقد، واصلنا السير قاصدين المستشفى الدولي، وعند وصولنا المستشفى استقبلنا رجل أمن مدني كان يسجل أرقام السيارات، وبعد فترة بسيطة وصل الشخص الآخر الذي حمل مصابين آخرين وقد سلك طريقاً آخر».
ولكن ماذا بعد الوصول إلى المستشفى؟ يجيب عطية: « قمنا بإدخال الجرحى الواحد بعد الآخر، وأدخلنا محمد صادق العرب الغرفة ووضعناه على السرير، لحد الآن لم يئنّ، لأنه مازال لا يعلم حجم إصابته، ثوبه كانت مرفوعة... كان واعياً ولكنه في حالة صدمة، عندما وضعناه طلب مني أن يرى مدى إصابته، فأبيت أن أريه إلا انه أصرّ عليَّ ورفع رأسه فساعدته، ورأى رجله فأغمي عليه مباشرة من شدة صدمته من حجم الإصابة.
ويضيف «وعند إدخال جعفر طالب أتت زوجة الشهيد محمد جعفر وكانت موجودة في المستشفى بسبب الاعتداء عليها بالضرب المبرح هي ووالدتها فسمعت صوتنا، وبادرتنا بالسؤال عن زوجها... ارتبكنا، ولكنها أصرت علينا، فقلت لها: «اطمئني، هو تعرض لإصابة كالآخرين»، مردفاً «بعد ذلك، حاولنا أن نرجَع بني جمرة مرة أخرى ولكن «البيكيب» كان مملوءاً بالدماء، لم نتمكن من ذلك، فقد حوصرنا لثلاثة أيام خارج بني جمرة حتى قلَّ التشديد الأمني على كل منافذ القرية فاستطعنا الدخول لبني جمرة من منفذ ثانوي».
«إنهم يريدون أن يعتقلوا الشيخ الجمري»
أما فيصل الخباز (شاهد عيان ومصاب) فيقول: بالنسبة إلى اعتقال الشيخ الجمري فقد كان أمراً متوقعاً، فقد كان الشباب يتوقعون ذلك في أية لحظة، وكانوا يتواصون بالدفاع عن الشيخ الجمري، وفي ليلة السبت كنت عند والدتي إلى وقت متأخرٍ من الليل ومن ثم رجعت إلى حجرتي وألقيت بنفسي. وقبل نحو نصف ساعة من الأذان انتبهت على صوتٍ غريب: «إنهم يريدون أن يعتقلوا الشيخ الجمري».
ويضيف الخباز «كان الصوت حلماً بالنسبة لي، فبادرت ولبست ثوبي للصلاة، وايقظت زوجتي، وقلت لها: إنني أتوقع عدم رجوعي إلى المنزل، فقالت: ولم؟ فأخبرتها أنني أسمع صوتاً يقولون «إنهم سيعتقلون الشيخ الجمري»، نزلت زوجتي خلفي ونزل خلفنا ولدي مهدي وكان صغيراً حينها، وتوجهت إلى الشخص، وكان عبدالأمير عبدالوهاب هو من ينادي في المأذنة».
المقبرة تتحول إلى ثكنة أمنية
ويواصل الخباز حديثه قائلاً: «جاء أستاذ عمران حسين للمنزل، وأخبرنا أن الشيخ الجمري محاصر وأن المنازل تم الاستيلاء عليها وإخراج أهلها، وقد بادرت إلى الخروج رغم معارضة البعض خوفاً علَيَّ، إلا أنني أصريت وذهبت إلى بيت الشيخ الجمري وأثناء مروري بجانب المقبرة متجهاً لمنزل الشيخ، توقفت لأتامّل، وكنت أدقق النظر عند الزاوية للتأمل إلى المقبرة فرأيت حركة غريبة في المقبرة فدققت النظر وإذا بالمقبرة كلها تحوّلت إلى ثكنة أمنية، فتوقفت عن الرواح، وصرت أفكر «ماذا نفعل»؟، فكان القرار أن نكبّر في كل المساجد، فطلبت من أحد الإخوة تشغيل المبكرات الصوتية في جميع المساجد، وبدأنا نتنقل من مسجدٍ إلى آخر للتكبير.
التكبير يصدح من مآذن بني جمرة
وكانت البداية من مسجد الوسطة (أبا ذر الغفاري حالياً) وبدأنا التكبير وتجمع الناس شيئاً فشيئاً، وأخذت المسيرة تتجه إلى المسجد الآخر وهو مسجد الإمام علي(ع)، وفي طريقنا كان بعض الأشخاص يطرقون المنازل ليخبرونهم عن اعتقال الشيخ، والمسيرة يزيد عددها بشكل واسع، وقامت جماعة بالتكبير في مسجد الإمام علي، وعندما وصلنا إلى قرب بيت علي محمد، ونحن متجهين إلى مسجد الخضر، وهنا المسيرة بلغت ذروتها من كثرة المشاركين، الذين وصل عددهم في هذا التجمع العفوي إلى نحو 500 شخص، وكان هذا العدد كبيراً، رغم أنه في وقت الفجر، وعندما وصلنا مسجد الخضر بدأ بعض الأشخاص في المسيرة بترديد بعض الشعارات، إلا أن البعض نهاهم، وأفهمهم أن هدفنا أكبر من مجرد شعارات!
المسيرة تتفرق إلى اتجاهات شتى
ويضيف «عندما وصلنا مسجد الخضر سمعنا أصوات الطلق بكثافة، وبدأت المسيرة تتراجع إلا أن الشهيد محمد علي عبدالرزاق وهو من شهداء يوم السبت الأسود كان مرابطاً، وطلبت منه الخروج من مسجد الخضر، ومسيلات الدموع كانت تضرب فوق المسجد، وهنا تفرقت المسيرة إلى مناطق مختلفة، ولكن القسم الأكبر بقي معنا، ودخلنا إلى الممر القريب من مأتم الانثيعشرية ، وعندما وصلنا زاوية المأتم (الشرقية الجنوبية) هنا أصيب «أسعد» ابن الشهيد محمد علي عبدالرزاق برصاصة في ظهره، ولكن أباه كان قوي الجأش، وحاول أن يهدئه، فأخذ ولده إلى مكان آخر، فاتجهنا إلى البر، وهنا فوجئنا أن كل شبر في القرية تحوّل إلى (معسكر)، ولم يبقَ محل في القرية يمكن الاختباء فيه، الكل بدا محتاراً وهو يبحث عن الوجهة الأنسب».
ولكن عندما رجعت إلى السدرة (سدرة الشيخ كما يعرفها أهالي بني جمرة) حاولت أن أركض فضربوني بالرصاص، ومن حرارة الضربة، لم أتوقف بل سرت مهرولاً إلى أن وصلت بالقرب من مأتم الخضر، فوجدت كراجاً بجانبه سيارة وزحفت ودخلت تحت السيارة، وقد كنت أنزف إلى أن بلغت نفسي الموت، وكان رجائي أن أرى الشيخ الجمري... بعد هذه الخاطرة كأنما ذهب عني كل شيء وكأنني لم أصَبْ فنهضت وذهبت أجري بسرعة».
ويشرح الخباز اللحظات الأخيرة التي رآها في القرية بقوله «تفاجأت مرة أخرى بأن سيارة الشغب نازلة وكنت آتياً من مسجد الخضر متجهاً لمأتم الاثنيعشرية. وكان أمامي برميل للقمامة في الطريق وأنا من سرعتي ضربت البرميل، وهذا المنظر أرهب الشرطي، وأنا لم ألتفت إلى الخلف وواصلت المسير إلى أحد البيوت و طرقت الباب، إلا أن بعض الأبواب لم تفتح خوفاً من ملاحقة الشرطة. فالتفتُّ للخلف ورأيت أن قوات الأمن قد غادرت، وصارت عندي طمأنينة وجئت مسجد الوسطة وتفاجأت بوجود أحد الأشخاص الذي أوصلني إلى منزلي... وقعت على الباب، بينما زوجتي وولدي كانا في المسيرة ولكن لم أكن أعلم عنهما شيئاً، وقد غبت عن الوعي وما أتذكره هو أنني في المستشفى الدولي وانتبهت على السرير، وعندما تقيأت دماً خفّ عني الوجع كثيراً، وصرت في وعيي الكامل، وكنا نسمع أصوات الطلق في محيط المستشفى».
استيقظنا على أصوات الحواجز
أمام منزل الشيخ الجمري
أما جعفر عبدالحسين منصور (جار الشيخ الجمري من جهة الشرق) فيروي لقطات من الحصار المحكم على منزل الشيخ قائلاً: «لقد استيقظنا في يوم السبت الأسود (1 أبريل 1995) في الساعة الثانية والنصف صباحاً على أصوات الحواجز التي ألقتها قوات الأمن في الأرض، وكان ذلك مثار استغراب، ففي بادئ الأمر كانت هناك مضايقات مختلفة للشيخ، نظرت من غرفة السلّم (الدرج) فرأيت قوات الأمن يطوقون بيت الشيخ الجمري، كما داهموا غالبية البيوت الملاصقة لبيت الشيخ، أرادوا عزل الشيخ الجمري، وبدأوا إخراج أبناء الشيخ، كانت قوات الأمن ترصد كل شي، في بادئ الأمر اعتقدنا أنها إجراءات سريعة، ولكن الحواجز جعلتني متيقناً أن الهدف هو فرض إقامة جبرية على الشيخ الجمري وأن المسألة ستطول كثيراً».
يوم استثنائي في تاريخ البحرين
كل شيء كان ممنوعاً، لأنه يوم استثنائي لم يمر ليس فقط على بني جمرة وإنما البحرين من قبل. يضيف منصور «في السادسة صباحاً سمعنا صوت الرصاص عن بعد، وسمعنا التكبيرات أيضاً، وسمعت أحد المسئولين الأمنيين أمام منزل الشيخ يوجه الشرطة إلى ملاحقة الخارجين في القرية، وكنت مستعداً لأن أنقل بناتي إلى المدرسة، وجعلتهن يفتحن الباب أولاً لأختبر رد قوات الأمن الذين طلبوا من بناتي الرجوع إلى المنزل، فخرجت لهم فقال لي أحد المسئولين الأمنيين: ارجع بيتك لا يوجد أي شيء اليوم!».
ويضيف «رجعنا البيت، وكنا نريد الاطمئنان على وضع الشيخ الجمري، لم أذهب الدوام إلا عند الساعة الواحدة عندما طلبت من الشرطة أن أذهب لعملي في أمرٍ شديد الأهمية، وفي العمل تم إخباري عما جرى في القرية».
ويشير منصور إلى أن الطوق الأمني قد أحكم على مجمع المنطقة 539، فقد نصبت العديد من نقاط التفتيش، كانت في البداية نقطتين للخروج والدخول، ولاحقاً اقتصروا على نقطة واحدة، فإذا كان العنوان على المجمع المذكور يسمح لصاحبه بالدخول ويرفض ما سواه، ولا يسمح الدخول إلا في فترات محدودة فضلاً عن تفتيش دقيق للسيارة، فأحياناً بعض المفتشين لا يعرف البطاقة، فيطلب مني جلب تصريح من مركز البديع للدخول إلى القرية. تم التضييق على المنطقة، والتفتيش لم يقتصر على السائق بل شمل جميع ركاب السيارة.
كنا نرى بعض التحركات وقد انقطعت الأخبار عن الشيخ الجمري «لقد كان هاتف منزل الشيخ مقطوعاً، ولم نكن نعرف شيئاً سوى أن منزل الشيخ كان مطوَّقاً بشدة، ومنعوا أيَّ اتصال للشيخ بالعالم الخارجي، والأمر الأكثر غرابة أننا كنا نتلقى الأخبار عن وضع الشيخ الجمري من إذاعة البي بي سي، واستمر الحصار الأول لمدة أسبوعين، وحسب ما كنا نعرفه أن الشيخ رفض أن يتنازل عن كل شيء في مقابل رفع الحصار».
قوات الأمن تسيطر على منزل الشيخ
إلى ذلك يقول مهدي عبدالأمير الجمري: كنت صغيراً، إلا انني بعدما استيقظت من النوم، رأيت قوات الشغب داخل المنزل، في الطابق الأرضي، وفي الطابق العلوي كانت شقة أخي جميل فيها شرفة (بلكونة) وثلاثة من قوات الشغب، وحتى فوق السطح كانوا يقفون مدججين في السلاح ليراقبوا محيط المنزل، فهذا الطوق كان موجوداً في الداخل والخارج، كما أزيلت من المنزل كل الأجهزة والكتب.
وكانوا يحاولون الدخول إلى داخل القاعة التي يوجد فيها الشيخ، كنا لا نستطيع الخروج إلى داخل المنزل، ما أتذكره أن أختي كانت حاملاً وأتوا بممرضة، وكانت خالتي معنا فانحجزت لأسبوعين في داخل المنزل، كنا نسمع طلقات الرصاص، وكانت النافذة مفتوحة، فتألم الوالد من الأخبار السيئة المتوالية من القرية.
ولكن الأخبار السيئة لم تنتهِ برفع الحصار!
العدد 2258 الثلثاء 11 نوفمبر 2008 الموافق 13 ذو القعدة 1429 هــ
Friday, November 14, 2008
منقول
إتصلوا بنا
الصفحة الرئيسية
شيعة البحرين: اكثرية مطلقة بلا حقوق
رغم سلسلة الاصلاحات السياسية والاجتماعية التي جرت في البحرين منذ تولي الملك حمد بن عيسى الحكم في هذه الجزيرة الخليجية التي لا يتجاوز عدد سكانها 750 الف نسمة الا ان الشيعة الذين يشكلون الاغلبية لا يزالون يعيشون تحت التمييز الاداري والاقتصادي والمذهبي وعدم فسح المجال لهم للدخول في عالم الحكم والثروة، مع أنهم هم الأغلبية. ويقول تقرير نشرته CNN مؤخرا انه رغم انفتاح نظام الحكم على الشيعة، مع تولي الملك حمد بن عيسى الحكم، وإطلاق مشروعه الإصلاحي فإن ذلك لم يمنع من وجود بعض أوجه التوتر بين الطرفين.
وتتميز البحرين عن دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى بسمتين اثنتين: الأولى، أن التركيب الطائفي فيها مخالف لما في هذه الدول، فأغلبية سكان البحرين هم الشيعة، والسنة يمثلون الأقلية هناك.
أما السمة الثانية، فهي أن الحراك السياسي وتحرك المعارضة في البحرين يعد الأقدم والأنشط بين تلك الدول. ومع أن التيارات الليبرالية واليسارية شاركت في المعارضة، إلا أن الشيعة يمثلون مادة المعارضة الرئيسية، ومحركها الأساسي وقد دخل الشيعة منذ عقود في صراع مع نظام الحكم السُني، وانخرطوا في كثير من أعمال الاحتجاج الجماعي.
وقد أثَّر انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979، في شيعة البحرين، إذ برز من بينهم تيار ثوري، أخذ يطالب بإطاحة النظام السُني واستبداله بنظام جمهوري إسلامي على غرار النظام في إيران، وكان هذا التيار ممثلاً بـ "الجبهة الإسلامية لتحرير البحرين".
إلا أن العلاقة بين القوى الشيعية والنظام الحاكم في البحرين شهدت أسوأ مراحلها خلال التسعينيات، ووصل التوتر بين الطرفين ذروته في نهاية العام 1994، إثر قيام حركة احتجاج شعبية شيعية مطالبة بالإصلاح والمساواة في الحقوق والعودة إلى دستورعام 1973، وتخللها مواجهات مع الحكومة، واستمرت حتى العام 1998.
ويضيف التقرير، رد فعل الحكومة كان قاسياً وعنيفاً.. إذ جرى احتجاز الآلاف من المتظاهرين، والتنكيل بهم.. كما تم اعتقال عدد من قيادات المعارضة، مثل الشيخ علي سلمان، وعبدالأمير الجمري، وحيدر الستري، وعبدالوهاب حسين.
بيد أن تلك العلاقة شهدت تحولاً جذرياً مع تولي الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة الحكم في العام 1999، وإطلاق مشروعه الإصلاحي.
فأفرج عن جميع الموقوفين السياسيين، وسمح للمعارضين في الخارج بالعودة إلى البلاد، وألغيت محكمة وقانون أمن الدولة، وأطلقت حرية الرأي والتعبير، وسمح للجمعيات بالنشاط السياسي، وتم تضمين مبادئ التغيير المؤسسي في ميثاق العمل الوطني، الذي صوت بالموافقة عليه 98 في المائة من البحرينيين في استفتاء عام.
ورغم الانفتاح الذي شهدته العلاقة بين القوى الشيعية والنظام الحاكم في مملكة البحرين، فإن ذلك لم يمنع من وجود بعض أوجه التوتر بين المعارضة الشيعية والحكم السُني، نتيجة رفض الأولى (المعارضة الشيعية) للتعديلات الدستورية التي تمت في العام 2002.
ويضيف التقرير، الظاهر أن القوى الشيعية أدركت أخيراً أنه لابد من التعايش مع نظام حكم الأقلية. كما اقتنع النظام بأنه يجب توسيع نطاق المشاركة الشيعية في الحياة السياسية، وفي مؤسسات الدولة. إلا أن ما سيوجه العلاقة المستقبلية بينهما هو كيفية تعامل النظام مع مطالبة الشيعة بنصيب أوفر في السلطة والثروة معاً كحق مواطنة كامل وغير منقوص.
الوضع الديمغرافي/ الديني
يشكل الشيعة أغلبية السكان وتتراوح التقديرات ما بين 60 و80 في المائة من إجمالي السكان، (الذي يبلغ 725 ألف نسمة تقريباً).
أما تقرير "الحرية الدينية في العالم"، الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية عام 2006، فيقدر نسبتهم بنحو 70 في المائة من عدد السكان المواطنين، ومثله تقرير "التحدي الطائفي في البحرين"، الصادر عن المجموعة الدولية لمعالجة الأزمات (ICG) في بروكسل.
وشيعة البحرين، كإخوانهم شيعة المنطقة الشرقية بالسعودية فهم ينتمون إلى الأصول نفسها، ويشتركون في التاريخ نفسه ويتبعون المذهب نفسه، وهو الإمامية.
ويوجد في شيعة البحرين من هم من أصول فارسية، والذين يقدر عددهم ما بين 25 و30 في المائة من إجمالي السكان، إلا أن الشيعة العرب يشكلون أغلبية المجتمع الشيعي، ويقطن معظمهم القرى والمناطق الريفية.
ولا يوجد لشيعة البحرين مرجع تقليد مقيم، فهم يتبعون مرجعيات في الخارج وأبرزهم: آية الله العظمى علي خامنئي في إيران، وآية الله العظمى علي السيستاني في العراق، وآية الله محمد تقي الدين المدرسي في كربلاء، وآية الله صادق الشيرازي في قم، وآية الله محمد حسين فضل الله في لبنان.
وفي العام 2004 أسس مجموعة من العلماء الشيعة البارزين في البحرين "المجلس الإسلامي العلمائي"، وهو بمنزلة مؤسسة دينية عليا للشيعة، غير رسمية.
ويمارس الشيعة احتفالاتهم الدينية وشعائرهم بدون قيود، إذ أن البحرين هي الوحيدة من دول الخليج التي تتخذ من يوم عاشوراء عطلة وطنية.
ويتبع وزارة الشؤون الإسلامية "مجلس الأوقاف الجعفرية"، الذي يشرف على الأوقاف التابعة للطائفة الشيعية.
كما يحتكم الشيعة في قضايا الأسرة والأحوال الشخصية أمام محاكم جعفرية.
وفيما يتعلق بالتعليم، فتدرس المدارس الحكومية التربية الدينية على المذهب السني (المالكي)، بينما ترفض (الحكومة) مطالبات الشيعة بتدريس المذهب الجعفري أيضاً. ولكن في عام 2002 تم تأسيس أول مدرسة تدرس المذهب الجعفري.
وتمول الحكومة وتشرف وتراقب كل المؤسسات الدينية الرسمية، السنية والشيعية. وفي السنوات القليلة الماضية منعت وزارة الإعلام كتباً لرجال دين سنة تنال من الشيعة.
ولا توجد قيود على عدد الشيعة الذين يريدون الحج إلى المزارات الشيعية المقدسة في العراق أو سورية أو إيران، وإن كانت السلطات تراقب هؤلاء الذين يقومون بمواصلة دراستهم الدينية في إيران، بحسب ما ورد في بعض التقارير.
الواقع السياسي/ الاجتماعي
انعكست الإصلاحات السياسية على وضع الشيعة في البحرين، الذين ازداد دورهم في الحياة السياسية، وبرزت العديد من الجمعيات السياسية المعبرة عن توجهاتهم ومطالبهم، ولاسيما أن تكوين الأحزاب لم يسمح به فى البحرين حتى الآن.
ومن أبرز هذه الجمعيات، جمعية "الوفاق الوطني الاسلامية"، التي تأسست عام 2001، ويرأسها الشيخ علي سلمان، وهي كبرى جمعيات المعارضة السياسية في البحرين، وتصنف بأنها معتدلة في مطالبها وأساليب عملها، وتعد امتداداً لحركة "أحرار البحرين الإسلامية".
بالإضافة إلى جمعية "العمل الإسلامي" التي تأسست عام 2002، ويرأسها الشيخ محمد علي المحفوظ، وتعد امتداداً "للجبهة الإسلامية لتحرير البحرين"؛ وكذلك جمعية "الرابطة الإسلامية" التي تأسست عام 2001، ويرأسها محمد علي الستري، الذي عين عام 2002 وزيراً لشؤون البلديات؛ فضلاً عن جمعية "الإخاء الوطنية" التي تمثل الطائفة الشيعية ذات الأصول الفارسية، والتي تأسست عام 2004.
وقد حصل الشيعة في الانتخابات البلدية التي جرت عام 2002 على 23 مقعداً، في حين حصد السنة 27 مقعداً. وفي العام نفسه جرت أول انتخابات تشريعية منذ إعادة العمل بالدستور، إلا أن جمعية الوفاق الوطني الشيعية قاطعتها، بسبب تحفظها عن التعديلات الدستورية التي تعطي مجلس الشورى (المعين) صلاحيات تفوق صلاحيات مجلس النواب (المنتخب).
واعتبر علي سلمان، مجلس الشورى بمنزلة أداة برلمانية تحد من تمثيل الأغلبية الشيعة في البحرين تمثيلاً عادلاً في الحياة البرلمانية.
وشارك في هذه الانتخابات شيعة مستقلون، ومرشحون عن جمعية الرابطة الإسلامية.
لكن جمعية الوفاق الوطني عادت وشاركت في الانتخابات التي جرت في أواخر العام 2006، وحصلت على 17 مقعداً من إجمالي مقاعد البرلمان.
وفي الحكومة الأخيرة التي شكلت في ديسمبر/ كانون الأول 2006، مثِّل الشيعة بأربعة مناصب وزارية؛ فنزار البحارنة، المقرب إلى جمعية الوفاق الوطني، عين وزير الدولة للشؤون الخارجية، ومجيد العلوي وزير العمل، وعبدالحسين ميرزا وزير شؤون النفط والغاز، وهو أول وزير بحريني من أصل إيراني. ولأول مرة في تاريخ البحرين يشغل شيعي، هو جواد سالم العريض، منصب نائب رئيس الوزراء.
ومع ذلك، يشير تقرير "الحرية الدينية في العالم" إلى أن الشيعة في البحرين مازالوا يعانون من التمييز الحكومي ضدهم في مجالات معينة؛ فالأفضلية في المناصب الحكومية الحساسة تعطى للسنة، كما أن الوظائف العليا، في بعض المواقع، حكر على السنة؛ مثل وزارة الداخلية والدفاع.
ويجمع المراقبون على أن قضية "التجنيس" تعتبر من أكثر القضايا التي تثير توتراً بين الشيعة والسلطة.
فالشيعة يرون أن سياسة التجنيس العشوائي، المخالفة للوائح والمراسيم الملكية التي تتبعها الحكومة، إنما هي "محاولة لتغيير التركيبة الديمغرافية لمصلحة السنة."
فقد تم تجنيس 40 ألف شخص بالجنسية البحرينية من رعايا 45 دولة استقروا في المملكة، بينهم 7300 شخص خلال عامي 2003 و2004. أما تقرير المجموعة الدولية لمعالجة الأزمات، فيرفع رقم المجنسين إلى ما بين 50 ألفاً و60 ألف شخص.
وقد تحولت جلسة البرلمان البحريني في 25 مايو/ أيار 2004 إلى خلافات واشتباكات بالأيدي، بين النواب السنة المدافعين عن التجنيس، والشيعة المعارضون لعشوائيته وعدم شموله للكثيرين من البدون الشيعة المنحدرين من أصول إيرانية، والمستقرين منذ سنوات في العاصمة المنامة، ومدينة المحرق.
ورغم أن المشروع الإصلاحي الذي تسير فيه البحرين منذ تولي الملك حمد مقاليد السلطة قد عزز من أجواء التعايش والسلم الأهلي في البلاد، فإن بعض الترسبات الطائفية لازالت كامنة.
وقد أشار تقرير "الخليج في عام 2005-2006"، الذي يصدر عن مركز الخليج للأبحاث في إمارة دبي، إلى بروز بعض النعرات الطائفية في الآونة الأخيرة، كما حدث في احتفال الشيعة بيوم عاشوراء في مارس/آذار 2005، إثر رفعهم صور زعماء دين من الخارج، بمن فيهم المرشد الأعلى في إيران علي خامنئي، وكذلك رفع أعلام حزب الله اللبناني وإيران.
الحال الاقتصادي
يشعر الشيعة أنهم مهمشون من الناحية الاقتصادية والاجتماعية، وأن مناطقهم وتجمعاتهم يغلب عليها الفقر وسوء الخدمات.
وقد كانت البطالة عاملاً رئيسياً في توليد التذمر لدى الأوساط الشيعة. فنسبة البطالة، حسب الجهات الرسمية، تصل إلى نحو 15 في المائة، إلا أن الرقم الفعلي هو أعلى من ذلك بكثير، وخاصة بين صفوف الشباب الشيعة، بحسب تقارير دولية.
ولإدراك حجم مشكلة البطالة، ينبغي أن نشير إلى أن الدولة هي المشغل الأكبر في البحرين. وثمة تقارير تشير إلى أن الشيعة يهيمنون على القوة العاملة لبعض الوزارات، مثل الصحة والصناعة.
وفي القطاع الخاص يعمل الشيعة في مهن متدنية المهارة، ومنخفضة الأجر، تقل عن 200 دينار بحريني في الشهر (حوالي 530 دولاراً أمريكياً)، أي أقل من الحد الأدنى لأسرة مؤلفة من شخصين، والذي حددته وزارة العمل، والبالغ 350 ديناراً.
أبرز الشخصيات الشيعية العامة
- الشيخ علي سلمان، أمين عام جمعية الوفاق الوطني الإسلامية (الشيعية)، وكان من القيادات الشيعية التي اعتقلت في التسعينيات، وعاش في المنفى (لندن) حتى العام 2001.
- والشيخ عيسى قاسم، أبرز العلماء الشيعة، ورئيس المجلس الإسلامي العلمائي (الشيعي).
- والدكتور منصور الجمري، ابن المعارض الراحل الشيخ عبدالأمير الجمري، وهو رئيس تحرير جريدة "الوسط" البحرينية.
شبكة النبأ المعلوماتية-الاربعاء 14 آذار/2007 -24/صفر/1428
^
إتصلوا بنا
الصفحة الرئيسية
الصفحة الرئيسية
شيعة البحرين: اكثرية مطلقة بلا حقوق
رغم سلسلة الاصلاحات السياسية والاجتماعية التي جرت في البحرين منذ تولي الملك حمد بن عيسى الحكم في هذه الجزيرة الخليجية التي لا يتجاوز عدد سكانها 750 الف نسمة الا ان الشيعة الذين يشكلون الاغلبية لا يزالون يعيشون تحت التمييز الاداري والاقتصادي والمذهبي وعدم فسح المجال لهم للدخول في عالم الحكم والثروة، مع أنهم هم الأغلبية. ويقول تقرير نشرته CNN مؤخرا انه رغم انفتاح نظام الحكم على الشيعة، مع تولي الملك حمد بن عيسى الحكم، وإطلاق مشروعه الإصلاحي فإن ذلك لم يمنع من وجود بعض أوجه التوتر بين الطرفين.
وتتميز البحرين عن دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى بسمتين اثنتين: الأولى، أن التركيب الطائفي فيها مخالف لما في هذه الدول، فأغلبية سكان البحرين هم الشيعة، والسنة يمثلون الأقلية هناك.
أما السمة الثانية، فهي أن الحراك السياسي وتحرك المعارضة في البحرين يعد الأقدم والأنشط بين تلك الدول. ومع أن التيارات الليبرالية واليسارية شاركت في المعارضة، إلا أن الشيعة يمثلون مادة المعارضة الرئيسية، ومحركها الأساسي وقد دخل الشيعة منذ عقود في صراع مع نظام الحكم السُني، وانخرطوا في كثير من أعمال الاحتجاج الجماعي.
وقد أثَّر انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979، في شيعة البحرين، إذ برز من بينهم تيار ثوري، أخذ يطالب بإطاحة النظام السُني واستبداله بنظام جمهوري إسلامي على غرار النظام في إيران، وكان هذا التيار ممثلاً بـ "الجبهة الإسلامية لتحرير البحرين".
إلا أن العلاقة بين القوى الشيعية والنظام الحاكم في البحرين شهدت أسوأ مراحلها خلال التسعينيات، ووصل التوتر بين الطرفين ذروته في نهاية العام 1994، إثر قيام حركة احتجاج شعبية شيعية مطالبة بالإصلاح والمساواة في الحقوق والعودة إلى دستورعام 1973، وتخللها مواجهات مع الحكومة، واستمرت حتى العام 1998.
ويضيف التقرير، رد فعل الحكومة كان قاسياً وعنيفاً.. إذ جرى احتجاز الآلاف من المتظاهرين، والتنكيل بهم.. كما تم اعتقال عدد من قيادات المعارضة، مثل الشيخ علي سلمان، وعبدالأمير الجمري، وحيدر الستري، وعبدالوهاب حسين.
بيد أن تلك العلاقة شهدت تحولاً جذرياً مع تولي الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة الحكم في العام 1999، وإطلاق مشروعه الإصلاحي.
فأفرج عن جميع الموقوفين السياسيين، وسمح للمعارضين في الخارج بالعودة إلى البلاد، وألغيت محكمة وقانون أمن الدولة، وأطلقت حرية الرأي والتعبير، وسمح للجمعيات بالنشاط السياسي، وتم تضمين مبادئ التغيير المؤسسي في ميثاق العمل الوطني، الذي صوت بالموافقة عليه 98 في المائة من البحرينيين في استفتاء عام.
ورغم الانفتاح الذي شهدته العلاقة بين القوى الشيعية والنظام الحاكم في مملكة البحرين، فإن ذلك لم يمنع من وجود بعض أوجه التوتر بين المعارضة الشيعية والحكم السُني، نتيجة رفض الأولى (المعارضة الشيعية) للتعديلات الدستورية التي تمت في العام 2002.
ويضيف التقرير، الظاهر أن القوى الشيعية أدركت أخيراً أنه لابد من التعايش مع نظام حكم الأقلية. كما اقتنع النظام بأنه يجب توسيع نطاق المشاركة الشيعية في الحياة السياسية، وفي مؤسسات الدولة. إلا أن ما سيوجه العلاقة المستقبلية بينهما هو كيفية تعامل النظام مع مطالبة الشيعة بنصيب أوفر في السلطة والثروة معاً كحق مواطنة كامل وغير منقوص.
الوضع الديمغرافي/ الديني
يشكل الشيعة أغلبية السكان وتتراوح التقديرات ما بين 60 و80 في المائة من إجمالي السكان، (الذي يبلغ 725 ألف نسمة تقريباً).
أما تقرير "الحرية الدينية في العالم"، الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية عام 2006، فيقدر نسبتهم بنحو 70 في المائة من عدد السكان المواطنين، ومثله تقرير "التحدي الطائفي في البحرين"، الصادر عن المجموعة الدولية لمعالجة الأزمات (ICG) في بروكسل.
وشيعة البحرين، كإخوانهم شيعة المنطقة الشرقية بالسعودية فهم ينتمون إلى الأصول نفسها، ويشتركون في التاريخ نفسه ويتبعون المذهب نفسه، وهو الإمامية.
ويوجد في شيعة البحرين من هم من أصول فارسية، والذين يقدر عددهم ما بين 25 و30 في المائة من إجمالي السكان، إلا أن الشيعة العرب يشكلون أغلبية المجتمع الشيعي، ويقطن معظمهم القرى والمناطق الريفية.
ولا يوجد لشيعة البحرين مرجع تقليد مقيم، فهم يتبعون مرجعيات في الخارج وأبرزهم: آية الله العظمى علي خامنئي في إيران، وآية الله العظمى علي السيستاني في العراق، وآية الله محمد تقي الدين المدرسي في كربلاء، وآية الله صادق الشيرازي في قم، وآية الله محمد حسين فضل الله في لبنان.
وفي العام 2004 أسس مجموعة من العلماء الشيعة البارزين في البحرين "المجلس الإسلامي العلمائي"، وهو بمنزلة مؤسسة دينية عليا للشيعة، غير رسمية.
ويمارس الشيعة احتفالاتهم الدينية وشعائرهم بدون قيود، إذ أن البحرين هي الوحيدة من دول الخليج التي تتخذ من يوم عاشوراء عطلة وطنية.
ويتبع وزارة الشؤون الإسلامية "مجلس الأوقاف الجعفرية"، الذي يشرف على الأوقاف التابعة للطائفة الشيعية.
كما يحتكم الشيعة في قضايا الأسرة والأحوال الشخصية أمام محاكم جعفرية.
وفيما يتعلق بالتعليم، فتدرس المدارس الحكومية التربية الدينية على المذهب السني (المالكي)، بينما ترفض (الحكومة) مطالبات الشيعة بتدريس المذهب الجعفري أيضاً. ولكن في عام 2002 تم تأسيس أول مدرسة تدرس المذهب الجعفري.
وتمول الحكومة وتشرف وتراقب كل المؤسسات الدينية الرسمية، السنية والشيعية. وفي السنوات القليلة الماضية منعت وزارة الإعلام كتباً لرجال دين سنة تنال من الشيعة.
ولا توجد قيود على عدد الشيعة الذين يريدون الحج إلى المزارات الشيعية المقدسة في العراق أو سورية أو إيران، وإن كانت السلطات تراقب هؤلاء الذين يقومون بمواصلة دراستهم الدينية في إيران، بحسب ما ورد في بعض التقارير.
الواقع السياسي/ الاجتماعي
انعكست الإصلاحات السياسية على وضع الشيعة في البحرين، الذين ازداد دورهم في الحياة السياسية، وبرزت العديد من الجمعيات السياسية المعبرة عن توجهاتهم ومطالبهم، ولاسيما أن تكوين الأحزاب لم يسمح به فى البحرين حتى الآن.
ومن أبرز هذه الجمعيات، جمعية "الوفاق الوطني الاسلامية"، التي تأسست عام 2001، ويرأسها الشيخ علي سلمان، وهي كبرى جمعيات المعارضة السياسية في البحرين، وتصنف بأنها معتدلة في مطالبها وأساليب عملها، وتعد امتداداً لحركة "أحرار البحرين الإسلامية".
بالإضافة إلى جمعية "العمل الإسلامي" التي تأسست عام 2002، ويرأسها الشيخ محمد علي المحفوظ، وتعد امتداداً "للجبهة الإسلامية لتحرير البحرين"؛ وكذلك جمعية "الرابطة الإسلامية" التي تأسست عام 2001، ويرأسها محمد علي الستري، الذي عين عام 2002 وزيراً لشؤون البلديات؛ فضلاً عن جمعية "الإخاء الوطنية" التي تمثل الطائفة الشيعية ذات الأصول الفارسية، والتي تأسست عام 2004.
وقد حصل الشيعة في الانتخابات البلدية التي جرت عام 2002 على 23 مقعداً، في حين حصد السنة 27 مقعداً. وفي العام نفسه جرت أول انتخابات تشريعية منذ إعادة العمل بالدستور، إلا أن جمعية الوفاق الوطني الشيعية قاطعتها، بسبب تحفظها عن التعديلات الدستورية التي تعطي مجلس الشورى (المعين) صلاحيات تفوق صلاحيات مجلس النواب (المنتخب).
واعتبر علي سلمان، مجلس الشورى بمنزلة أداة برلمانية تحد من تمثيل الأغلبية الشيعة في البحرين تمثيلاً عادلاً في الحياة البرلمانية.
وشارك في هذه الانتخابات شيعة مستقلون، ومرشحون عن جمعية الرابطة الإسلامية.
لكن جمعية الوفاق الوطني عادت وشاركت في الانتخابات التي جرت في أواخر العام 2006، وحصلت على 17 مقعداً من إجمالي مقاعد البرلمان.
وفي الحكومة الأخيرة التي شكلت في ديسمبر/ كانون الأول 2006، مثِّل الشيعة بأربعة مناصب وزارية؛ فنزار البحارنة، المقرب إلى جمعية الوفاق الوطني، عين وزير الدولة للشؤون الخارجية، ومجيد العلوي وزير العمل، وعبدالحسين ميرزا وزير شؤون النفط والغاز، وهو أول وزير بحريني من أصل إيراني. ولأول مرة في تاريخ البحرين يشغل شيعي، هو جواد سالم العريض، منصب نائب رئيس الوزراء.
ومع ذلك، يشير تقرير "الحرية الدينية في العالم" إلى أن الشيعة في البحرين مازالوا يعانون من التمييز الحكومي ضدهم في مجالات معينة؛ فالأفضلية في المناصب الحكومية الحساسة تعطى للسنة، كما أن الوظائف العليا، في بعض المواقع، حكر على السنة؛ مثل وزارة الداخلية والدفاع.
ويجمع المراقبون على أن قضية "التجنيس" تعتبر من أكثر القضايا التي تثير توتراً بين الشيعة والسلطة.
فالشيعة يرون أن سياسة التجنيس العشوائي، المخالفة للوائح والمراسيم الملكية التي تتبعها الحكومة، إنما هي "محاولة لتغيير التركيبة الديمغرافية لمصلحة السنة."
فقد تم تجنيس 40 ألف شخص بالجنسية البحرينية من رعايا 45 دولة استقروا في المملكة، بينهم 7300 شخص خلال عامي 2003 و2004. أما تقرير المجموعة الدولية لمعالجة الأزمات، فيرفع رقم المجنسين إلى ما بين 50 ألفاً و60 ألف شخص.
وقد تحولت جلسة البرلمان البحريني في 25 مايو/ أيار 2004 إلى خلافات واشتباكات بالأيدي، بين النواب السنة المدافعين عن التجنيس، والشيعة المعارضون لعشوائيته وعدم شموله للكثيرين من البدون الشيعة المنحدرين من أصول إيرانية، والمستقرين منذ سنوات في العاصمة المنامة، ومدينة المحرق.
ورغم أن المشروع الإصلاحي الذي تسير فيه البحرين منذ تولي الملك حمد مقاليد السلطة قد عزز من أجواء التعايش والسلم الأهلي في البلاد، فإن بعض الترسبات الطائفية لازالت كامنة.
وقد أشار تقرير "الخليج في عام 2005-2006"، الذي يصدر عن مركز الخليج للأبحاث في إمارة دبي، إلى بروز بعض النعرات الطائفية في الآونة الأخيرة، كما حدث في احتفال الشيعة بيوم عاشوراء في مارس/آذار 2005، إثر رفعهم صور زعماء دين من الخارج، بمن فيهم المرشد الأعلى في إيران علي خامنئي، وكذلك رفع أعلام حزب الله اللبناني وإيران.
الحال الاقتصادي
يشعر الشيعة أنهم مهمشون من الناحية الاقتصادية والاجتماعية، وأن مناطقهم وتجمعاتهم يغلب عليها الفقر وسوء الخدمات.
وقد كانت البطالة عاملاً رئيسياً في توليد التذمر لدى الأوساط الشيعة. فنسبة البطالة، حسب الجهات الرسمية، تصل إلى نحو 15 في المائة، إلا أن الرقم الفعلي هو أعلى من ذلك بكثير، وخاصة بين صفوف الشباب الشيعة، بحسب تقارير دولية.
ولإدراك حجم مشكلة البطالة، ينبغي أن نشير إلى أن الدولة هي المشغل الأكبر في البحرين. وثمة تقارير تشير إلى أن الشيعة يهيمنون على القوة العاملة لبعض الوزارات، مثل الصحة والصناعة.
وفي القطاع الخاص يعمل الشيعة في مهن متدنية المهارة، ومنخفضة الأجر، تقل عن 200 دينار بحريني في الشهر (حوالي 530 دولاراً أمريكياً)، أي أقل من الحد الأدنى لأسرة مؤلفة من شخصين، والذي حددته وزارة العمل، والبالغ 350 ديناراً.
أبرز الشخصيات الشيعية العامة
- الشيخ علي سلمان، أمين عام جمعية الوفاق الوطني الإسلامية (الشيعية)، وكان من القيادات الشيعية التي اعتقلت في التسعينيات، وعاش في المنفى (لندن) حتى العام 2001.
- والشيخ عيسى قاسم، أبرز العلماء الشيعة، ورئيس المجلس الإسلامي العلمائي (الشيعي).
- والدكتور منصور الجمري، ابن المعارض الراحل الشيخ عبدالأمير الجمري، وهو رئيس تحرير جريدة "الوسط" البحرينية.
شبكة النبأ المعلوماتية-الاربعاء 14 آذار/2007 -24/صفر/1428
^
إتصلوا بنا
الصفحة الرئيسية
لقاء مجلة فدك مع سماحة الشيخ الجمري
--------------------------------------------------------------------------------
في هذا العدد التقينا مع سماحة العلامة الشيخ عبد الأمير الجمري ، وقد دار
بين أسرة تحرير المجلة وسماحته الحوار التالي :
سماحة العلامة الشيخ عبد الأمير منصور الجمري حفظه الله ورعاه وسدد خطاه
..
نشكر جهودكم وعملكم في سبيل خدمة الدين والمجتمع المسلم في بلدنا البحرين
.
ونرغب في أن تشاركونا العمل في سبيل وعي أبناءنا من خلال القبول بإجراء هذا
الحوار عبر مجلة فدك ...
************
فدك: نحن بعد أيام قليلة على لقاء مع ذكرى إستشهاد أبي عبد الله الحسين (ع)
؛ ومن هذه الذكرى تأتي فكرة التوظيف الإجتماعي للثورة وذلك من أجل حفظ
مضامين ومشاعر هذه الثورة وإيصالها وتكرارها وتفعيلها لتصل إلـى كل الأجيال
الإسلامية المتعاقبة بكل زخمها وحرارتها وطاقتها .. ومن الوسائل الأساسية
للتوظيف هو المنبر الحسينـي ، فهو يمثل لنا الإحياء العملي المحسوس لهذه
الثورة ، ومن هنا نود أن يكون لقاءنا مع سماحتكم حول المنبر الحسينـي ..
سماحة الشيخ .. هلا تفضَّلتم ببيان مفهوم المنبر؟
الشيخ: مفهوم المنبر يتمحور في عظمته المعنوية والخطيب الذي يرتقيه والخطبة
التي تشد المستمعين إليها، والمستمعين الذين يتحمَّسون للإنشاد وخطبته، ومن
وراء ذلك كلِّه الإدارة الواعية التي تعطي للمنبر أهميته وللخطيب اندفاعه
وحماسه،وللمستمعين انشدادهم وانجذابهم.
فدك: وما هي أهداف المنبر، هل هي ثابتة أم متغيِّرة؟
الشيخ: أهداف المنبر هي أهداف ثورة الحسين(ع) والتي هي هزَّة ضمير وحياة
رسالة، وتثبيت للموقف الشرعي تجاه أية ظاهرة طارئة أو مستحكمة وتحويل
الموقف النظري إلى موقف عملي، ومن أجل أن يتحرَّك الناس ويوقظ وجدانهم
ويُلهب مشاعرهم وعواطفهم تجاه الإسلام وقضاياه المصيرية مثل قضية أهل
البيت(ع)،وبكلمةٍ مختصرة: أهداف المنبر تتمثَّل في الدفاع عن الإسلام وحماة
الإسلام. وهذه الأهداف ثابتة غير متغيِّرة.
فدك: ما هو واقع المنبر فـي مجتمعنا؟
الشيخ: واقع المنبر متأرجح بين ما هو في خدمة الإسلام وحماته ، وبين ما هو
هزيل لا يشبع ولا يُغني من جوع، ويخرج الناس غير مستفيدين بشيء سوى تسجيل
الحضور، وبينهما حالة الوسط، وبكلمة: إنَّ واقع المنبر قابل للصعود
والهبوط، وهنا لا بدَّ من الإلتفات إلى نقطةٍ مهمَّةٍ ، وهي أنَّ المنبر
وعظمته المعنوية مكسب مهم وأمانة عظمى في أعناقنا جميعاً، ولا بد من الحفاظ
عليها والدفاع الجاد عنها حتى يكون المنبر بالمستوى اللائق في خدمة
الإسلام.
فدك: هل هناك ميزة خاصَّة للمنبر الحسينـي على غيـره؟
الشيخ: كل المفردات التي من خلالها يمكن أن نوصل الإسلام وكلمة الحق إلى
أذهان الناس يجب الإهتمام بها، كالمحاضرات قبل أو بعد صلوات الجماعة،
والإحتفالات والمواسم وغير ذلك، ولكن يبقى للمنبر الحسيني دوره الرائد في
خدمة أهداف الإسلام والدفاع عن أهل البيت(ع)، ومن هنا يجب عدم طغيان
المفردات الأخرى على المنبر وعدم تحجيم دوره في حدود معيَّنة فقط، وذلك لما
يمثِّله المنبر الحسيني من احتواءه على فوائد المفردات الأخرى وزيادة، وهي
مسألة التذكير بمصائب أهل البيت(ع) وخصوصاً مصائب الحسين(ع)، لأنَّها ملحمة
الدين العظمى ومصيبته التي ملأت الدنيا أسىً وحرقة وفجيعة ومرارة، واستقطبت
بهولها المصائب والرزايا، والتي جاء فيها في مناجاة موسى بن جعفر(ع)
المرويَّة الكلمة التالية عن الله سبحانه: { يُصاب- أي الحسين(ع)- بمصيبة
تصغر عند ذكرها المصائب}.
فدك: ما المشكلة الحقيقية التـي يعاني منها المنبر الحسينـي؟
الشيخ: المشكلة الحقيقية التي يعاني منها المنبر في بلدنا: بعض الخطباء
الذين لم يدرسوا الإسلام الدراسة الكافية، ولم يفهموا الأهداف الحقيقية
للمنبر،وكذلك بعض إدارات المآتم الذين يُحجِّمون من دور المنبر ودور الخطيب
انطلاقاً من رؤى ضيِّقة.
فدك: كيف نستطيع أن نطوِّر المنبر الحسينـي؟
الشيخ: تطوير المنبر يكون من عدَّة جهات، والجهة الأساس: جهة الخطيب نفسه
الذي يجب أن يكون مرتبطاً بالله تعالى، وذلك لأنَّ هذه القضية ذات أهمية
بالغة في إثبات نجاح أي مشروع،لأنَّها تمثِّل الهدف الأساس لكلِّ عمل
تغييري في المنظور الإسلامي، فالتغيير يكون على أساس موازين الحق، والعدل،
والمصالح الإنسانية الواقعية، وتجنُّب المفاسد والأضرار التي يمكن أن تلحق
الإنسان في سيرته الفردية أو الجماعية، بعيداً عن الأهواء والميول، أو
المصالح الذاتية، أو الطبقية، أو القومية أو الفئوية، أكثرية كانت أو
أقلية. وأن يكون الخطيب ممتلكاً للشرط العلمي، بحيث يمتلك خطة صحيحة ورؤية
واضحة للأهداف والواقع، لا مجرَّد انفعالات عاطفية، وقد قال تعالى: {ادْعُ
إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ
وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (النحل: 125). وكذلك من جهة أصحاب
المنبر، فإنَّه يجب عليهم الإخلاص لله تعالى والإبتعاد عمَّا يهبط بالمنبر
عن قيمته المعنوية من أمثال الإختلافات على الرئاسة وحب الظهور، ولهذا وحتى
لا تصير المنابر منابر ضرار لا بد من امتلاك الوعي والإيمان والورع من قبل
أصحاب المنبر والقائمين عليه.
فدك: كيف نقيِّم خطيب المنبر؟
الشيخ: أتصوَّر أنَّ ما ذكرته في إجابة السؤال السابق يفي بالجواب.
فدك: هل هناك مؤهلات وقدرات يجب أن تتوافر في خطيب المنبر؟
الشيخ: ونزيد هنا: أنَّه يجب على الخطيب التوفُّر على المعارف والمعلومات
الأولية التأسيسية للفكر الإسلامي في المجالات المختلفة، فقهاً وعقائد
وذكراً وقرآناً وتاريخاً وغير ذلك، وأن يكون متعرِّفاً على قواعد صياغة
الموضوع وتنظيمه وتنسيقه، ,وأن يُنمِّي الحس الإبداعي والتركيز على
استقلاليته الذاتية، ليكون له طابعه الخاص وإبداعه الخاص.
فدك: هل هناك فرق بين مسئولية كل من الخطيب والرادود الحسينـي؟
الشيخ: لكلٍّ من الخطيب والرادود دوره في جذب الناس للإسلام والدفاع عنه
وتقريب الناس إلى ربِّ العالمين والسير على درب الهداة الميامين صلوات الله
عليهم أجمعين،وعرض أطروحتهم، وربط الناس بها.
فدك: ينتقد الكثيـر من المذاهب الأخرى الشيعة بسبب الشعائر الحسينية، فما
هو الهدف من وراء هذه الشعائر؟ ولماذا نحن متمسِّكون بها؟
الشيخ: الهدف من هذه الشعائر هو تجديد وترسيخ العقيدة والدين والقيم
الإلهية والإنسانية، والتمسُّك بها يعني التمسُّك بالإسلام وقادة
الإسلام،ولو لا تلك الشعائر لم نعرف الإسلام، ولقضي عليه من زمنٍ بعيد،
ولهذا دعا أئمَّة أهل البيت(ع) لعقد المجالس للحسين(ع)ومن ذلك قول الإمام
جعفر الصادق(ع):{ رحم الله تلك المجالس التي يُحي فيها أمرنا. أما إنِّي
لأُحبُّها}. وقال الإمام علي بن موسى الرضا(ع) لفُضيل:{ أحيوا أمرنا يا
فُضيل فإنَّ من أحيا أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب}. كما دعوا (ع)
للبكاء والتباكي والندب والجزع على الحسين(ع) وأهل البيت(ع)، وجَعْلِ
الأيام العشرة من المحرَّم أيام حزن، وجَعْلِ يوم العاشر يوم مصيبةٍ وبكاء،
ولعن قتلة الحسين(ع) بعد شرب الماء، بل مطلقاً، والدعاء عند ذكر الحسين(ع)
وزيارته، والسجود على تربته، والإستشفاء بها، وإنشاد الشعر وإنشاءه في
الحسين(ع) وأهل البيت(ع).
فدك: نلاحظ أنَّ الموكب الحسينـي تحوَّل إلى قناة إعلامية لذكر القضايا
العالمية أو الداخلية والتـي تخرج عن مصيبة الإمام الحسين(ع)، هل تُؤيدون
هذا التوجُّه؟
الشيخ:إنَّ اللطم لا ارتباط له بما يقال في القصيدة، لأنَّ اللطم بحد ذاته
أمرٌ مطلوب، ولكن مع ذلك ينبغي التناسق، وأما ذكر قضايا العالم الإسلامي في
القصائد فلا بأس به وإن كان الأجدر أن تُذكر تلك القضايا انطلاقاً من ذكر
مواقف الإمام،ومصائبه، وتعاليمه، ويُلاحظ هنا ضرورة عدم التقليل من ذكر
المناسبة والمصيبة،وأنَّ الأساس والأكثر وفرة هو مصيبة الحسين(ع) وأهل
البيت(ع)، على أنَّه يمكن رفع تلك القضايا وطرحها في المجالات الأخرى أيضاً
كالإحتفالات، والندوات وغيرها.
فدك: ما هو المنظور الشرعي للحن الحسينـي فـي إطاره الجديد؟
الشيخ: لا بدَّ في اللحن:
أ- أن لا يتمظهر بمظهر أداء غير رجولي، ومتَّزن، حتى لا يكون مثيراً للفرح
والطرب، بدلاً من الحزن والخشوع،
ب:أن يكون الإتيان باللَّحن على أسس وقواعد مهارية قابلة للتعليم والتطوير،
ج:أن يكون اللَّحن حيوياً متوافراً على الحسِّ الولائي العاطفي المرهف،
والمخزون الشعوري الصادق، مع الإهتمام بالجانب اللغوي العام.
فدك: كيف نرتقي بالموكب الحسينـي لنجعل منه رمزاً يُجسِّد الثورة الحسينية
بكلِّ معانيها وأهدافها ومعطياتها؟
الشيخ: يمكن لنا أن نرتقي بالموكب بأمور ومنها: الإتزان في التعاطي مع
الألحان والحركات، وعدم تحويل الموكب لساحة الإستعراضات الحركية، وهو ما
يُمثِّل تشويهاً معنوياً وثقافياً لأهداف الموكب ودوره. وبكلمة: المطلوب هو
الإنضباط في إطار حركة حماسية متَّزنة تجمع بين الحماس والتفاعل والإتِّزان
والإنضباط، وتوحي بالحزن الثوري والحماس الشبابي، وتبتعد عن الإسفاف
والتفاهة والتمايل غير اللائق، لأنَّ الموكب يُمثِّل بحركيته وحماسه فدائية
واندفاع أنصار الحسين(ع)، وحماسهم الولائي واندفاعهم نحو التضحية والدفاع
عن القيادة الإسلامية المتمثِّلة في شخص الإمام الحسين(ع) والإسلام
والمقدَّسات، ولا بدَّ من أن يُجعل المقياس الأول هو دعم مسيرة الشعائر
وتحقيقها لأهدافها العاطفية، والثقافية، والإجتماعية، وأن يكون الهدف على
التوفُّر على استفادة الوعي بأكبر قدر ممكن،ومن هنا أرى أنَّ من الخطأ جعل
المقياس هو بعض الإعتبارات غير المنطقية التي يتحرَّك من خلالها بعض
المعزِّين مثل الإنشداد بصورةٍ غير واعيةٍ لإسم المأتم الذي ينطلق منه
العزاء أو إسم المنطقة أو شهرة الموكب أو الرادود، أو كثافة الحضور، كما لا
بدَّ للمعزّين من توفُّر الوعي لأهداف الموكب وفلسفته واهتمامهم بعطاء
القصائد الملقاة ومستواها.
فضيلة الشيخ .. نرجوا أن نكون موفقين في طرح أسئلتنا المتواضعة ، وأن نكون
معكم تحت ظلال عرض ربنا يوم لا ينفع مال ولا بنون إلاّ من أتى الله بقلب
سليم
--------------------------------------------------------------------------------
في هذا العدد التقينا مع سماحة العلامة الشيخ عبد الأمير الجمري ، وقد دار
بين أسرة تحرير المجلة وسماحته الحوار التالي :
سماحة العلامة الشيخ عبد الأمير منصور الجمري حفظه الله ورعاه وسدد خطاه
..
نشكر جهودكم وعملكم في سبيل خدمة الدين والمجتمع المسلم في بلدنا البحرين
.
ونرغب في أن تشاركونا العمل في سبيل وعي أبناءنا من خلال القبول بإجراء هذا
الحوار عبر مجلة فدك ...
************
فدك: نحن بعد أيام قليلة على لقاء مع ذكرى إستشهاد أبي عبد الله الحسين (ع)
؛ ومن هذه الذكرى تأتي فكرة التوظيف الإجتماعي للثورة وذلك من أجل حفظ
مضامين ومشاعر هذه الثورة وإيصالها وتكرارها وتفعيلها لتصل إلـى كل الأجيال
الإسلامية المتعاقبة بكل زخمها وحرارتها وطاقتها .. ومن الوسائل الأساسية
للتوظيف هو المنبر الحسينـي ، فهو يمثل لنا الإحياء العملي المحسوس لهذه
الثورة ، ومن هنا نود أن يكون لقاءنا مع سماحتكم حول المنبر الحسينـي ..
سماحة الشيخ .. هلا تفضَّلتم ببيان مفهوم المنبر؟
الشيخ: مفهوم المنبر يتمحور في عظمته المعنوية والخطيب الذي يرتقيه والخطبة
التي تشد المستمعين إليها، والمستمعين الذين يتحمَّسون للإنشاد وخطبته، ومن
وراء ذلك كلِّه الإدارة الواعية التي تعطي للمنبر أهميته وللخطيب اندفاعه
وحماسه،وللمستمعين انشدادهم وانجذابهم.
فدك: وما هي أهداف المنبر، هل هي ثابتة أم متغيِّرة؟
الشيخ: أهداف المنبر هي أهداف ثورة الحسين(ع) والتي هي هزَّة ضمير وحياة
رسالة، وتثبيت للموقف الشرعي تجاه أية ظاهرة طارئة أو مستحكمة وتحويل
الموقف النظري إلى موقف عملي، ومن أجل أن يتحرَّك الناس ويوقظ وجدانهم
ويُلهب مشاعرهم وعواطفهم تجاه الإسلام وقضاياه المصيرية مثل قضية أهل
البيت(ع)،وبكلمةٍ مختصرة: أهداف المنبر تتمثَّل في الدفاع عن الإسلام وحماة
الإسلام. وهذه الأهداف ثابتة غير متغيِّرة.
فدك: ما هو واقع المنبر فـي مجتمعنا؟
الشيخ: واقع المنبر متأرجح بين ما هو في خدمة الإسلام وحماته ، وبين ما هو
هزيل لا يشبع ولا يُغني من جوع، ويخرج الناس غير مستفيدين بشيء سوى تسجيل
الحضور، وبينهما حالة الوسط، وبكلمة: إنَّ واقع المنبر قابل للصعود
والهبوط، وهنا لا بدَّ من الإلتفات إلى نقطةٍ مهمَّةٍ ، وهي أنَّ المنبر
وعظمته المعنوية مكسب مهم وأمانة عظمى في أعناقنا جميعاً، ولا بد من الحفاظ
عليها والدفاع الجاد عنها حتى يكون المنبر بالمستوى اللائق في خدمة
الإسلام.
فدك: هل هناك ميزة خاصَّة للمنبر الحسينـي على غيـره؟
الشيخ: كل المفردات التي من خلالها يمكن أن نوصل الإسلام وكلمة الحق إلى
أذهان الناس يجب الإهتمام بها، كالمحاضرات قبل أو بعد صلوات الجماعة،
والإحتفالات والمواسم وغير ذلك، ولكن يبقى للمنبر الحسيني دوره الرائد في
خدمة أهداف الإسلام والدفاع عن أهل البيت(ع)، ومن هنا يجب عدم طغيان
المفردات الأخرى على المنبر وعدم تحجيم دوره في حدود معيَّنة فقط، وذلك لما
يمثِّله المنبر الحسيني من احتواءه على فوائد المفردات الأخرى وزيادة، وهي
مسألة التذكير بمصائب أهل البيت(ع) وخصوصاً مصائب الحسين(ع)، لأنَّها ملحمة
الدين العظمى ومصيبته التي ملأت الدنيا أسىً وحرقة وفجيعة ومرارة، واستقطبت
بهولها المصائب والرزايا، والتي جاء فيها في مناجاة موسى بن جعفر(ع)
المرويَّة الكلمة التالية عن الله سبحانه: { يُصاب- أي الحسين(ع)- بمصيبة
تصغر عند ذكرها المصائب}.
فدك: ما المشكلة الحقيقية التـي يعاني منها المنبر الحسينـي؟
الشيخ: المشكلة الحقيقية التي يعاني منها المنبر في بلدنا: بعض الخطباء
الذين لم يدرسوا الإسلام الدراسة الكافية، ولم يفهموا الأهداف الحقيقية
للمنبر،وكذلك بعض إدارات المآتم الذين يُحجِّمون من دور المنبر ودور الخطيب
انطلاقاً من رؤى ضيِّقة.
فدك: كيف نستطيع أن نطوِّر المنبر الحسينـي؟
الشيخ: تطوير المنبر يكون من عدَّة جهات، والجهة الأساس: جهة الخطيب نفسه
الذي يجب أن يكون مرتبطاً بالله تعالى، وذلك لأنَّ هذه القضية ذات أهمية
بالغة في إثبات نجاح أي مشروع،لأنَّها تمثِّل الهدف الأساس لكلِّ عمل
تغييري في المنظور الإسلامي، فالتغيير يكون على أساس موازين الحق، والعدل،
والمصالح الإنسانية الواقعية، وتجنُّب المفاسد والأضرار التي يمكن أن تلحق
الإنسان في سيرته الفردية أو الجماعية، بعيداً عن الأهواء والميول، أو
المصالح الذاتية، أو الطبقية، أو القومية أو الفئوية، أكثرية كانت أو
أقلية. وأن يكون الخطيب ممتلكاً للشرط العلمي، بحيث يمتلك خطة صحيحة ورؤية
واضحة للأهداف والواقع، لا مجرَّد انفعالات عاطفية، وقد قال تعالى: {ادْعُ
إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ
وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (النحل: 125). وكذلك من جهة أصحاب
المنبر، فإنَّه يجب عليهم الإخلاص لله تعالى والإبتعاد عمَّا يهبط بالمنبر
عن قيمته المعنوية من أمثال الإختلافات على الرئاسة وحب الظهور، ولهذا وحتى
لا تصير المنابر منابر ضرار لا بد من امتلاك الوعي والإيمان والورع من قبل
أصحاب المنبر والقائمين عليه.
فدك: كيف نقيِّم خطيب المنبر؟
الشيخ: أتصوَّر أنَّ ما ذكرته في إجابة السؤال السابق يفي بالجواب.
فدك: هل هناك مؤهلات وقدرات يجب أن تتوافر في خطيب المنبر؟
الشيخ: ونزيد هنا: أنَّه يجب على الخطيب التوفُّر على المعارف والمعلومات
الأولية التأسيسية للفكر الإسلامي في المجالات المختلفة، فقهاً وعقائد
وذكراً وقرآناً وتاريخاً وغير ذلك، وأن يكون متعرِّفاً على قواعد صياغة
الموضوع وتنظيمه وتنسيقه، ,وأن يُنمِّي الحس الإبداعي والتركيز على
استقلاليته الذاتية، ليكون له طابعه الخاص وإبداعه الخاص.
فدك: هل هناك فرق بين مسئولية كل من الخطيب والرادود الحسينـي؟
الشيخ: لكلٍّ من الخطيب والرادود دوره في جذب الناس للإسلام والدفاع عنه
وتقريب الناس إلى ربِّ العالمين والسير على درب الهداة الميامين صلوات الله
عليهم أجمعين،وعرض أطروحتهم، وربط الناس بها.
فدك: ينتقد الكثيـر من المذاهب الأخرى الشيعة بسبب الشعائر الحسينية، فما
هو الهدف من وراء هذه الشعائر؟ ولماذا نحن متمسِّكون بها؟
الشيخ: الهدف من هذه الشعائر هو تجديد وترسيخ العقيدة والدين والقيم
الإلهية والإنسانية، والتمسُّك بها يعني التمسُّك بالإسلام وقادة
الإسلام،ولو لا تلك الشعائر لم نعرف الإسلام، ولقضي عليه من زمنٍ بعيد،
ولهذا دعا أئمَّة أهل البيت(ع) لعقد المجالس للحسين(ع)ومن ذلك قول الإمام
جعفر الصادق(ع):{ رحم الله تلك المجالس التي يُحي فيها أمرنا. أما إنِّي
لأُحبُّها}. وقال الإمام علي بن موسى الرضا(ع) لفُضيل:{ أحيوا أمرنا يا
فُضيل فإنَّ من أحيا أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب}. كما دعوا (ع)
للبكاء والتباكي والندب والجزع على الحسين(ع) وأهل البيت(ع)، وجَعْلِ
الأيام العشرة من المحرَّم أيام حزن، وجَعْلِ يوم العاشر يوم مصيبةٍ وبكاء،
ولعن قتلة الحسين(ع) بعد شرب الماء، بل مطلقاً، والدعاء عند ذكر الحسين(ع)
وزيارته، والسجود على تربته، والإستشفاء بها، وإنشاد الشعر وإنشاءه في
الحسين(ع) وأهل البيت(ع).
فدك: نلاحظ أنَّ الموكب الحسينـي تحوَّل إلى قناة إعلامية لذكر القضايا
العالمية أو الداخلية والتـي تخرج عن مصيبة الإمام الحسين(ع)، هل تُؤيدون
هذا التوجُّه؟
الشيخ:إنَّ اللطم لا ارتباط له بما يقال في القصيدة، لأنَّ اللطم بحد ذاته
أمرٌ مطلوب، ولكن مع ذلك ينبغي التناسق، وأما ذكر قضايا العالم الإسلامي في
القصائد فلا بأس به وإن كان الأجدر أن تُذكر تلك القضايا انطلاقاً من ذكر
مواقف الإمام،ومصائبه، وتعاليمه، ويُلاحظ هنا ضرورة عدم التقليل من ذكر
المناسبة والمصيبة،وأنَّ الأساس والأكثر وفرة هو مصيبة الحسين(ع) وأهل
البيت(ع)، على أنَّه يمكن رفع تلك القضايا وطرحها في المجالات الأخرى أيضاً
كالإحتفالات، والندوات وغيرها.
فدك: ما هو المنظور الشرعي للحن الحسينـي فـي إطاره الجديد؟
الشيخ: لا بدَّ في اللحن:
أ- أن لا يتمظهر بمظهر أداء غير رجولي، ومتَّزن، حتى لا يكون مثيراً للفرح
والطرب، بدلاً من الحزن والخشوع،
ب:أن يكون الإتيان باللَّحن على أسس وقواعد مهارية قابلة للتعليم والتطوير،
ج:أن يكون اللَّحن حيوياً متوافراً على الحسِّ الولائي العاطفي المرهف،
والمخزون الشعوري الصادق، مع الإهتمام بالجانب اللغوي العام.
فدك: كيف نرتقي بالموكب الحسينـي لنجعل منه رمزاً يُجسِّد الثورة الحسينية
بكلِّ معانيها وأهدافها ومعطياتها؟
الشيخ: يمكن لنا أن نرتقي بالموكب بأمور ومنها: الإتزان في التعاطي مع
الألحان والحركات، وعدم تحويل الموكب لساحة الإستعراضات الحركية، وهو ما
يُمثِّل تشويهاً معنوياً وثقافياً لأهداف الموكب ودوره. وبكلمة: المطلوب هو
الإنضباط في إطار حركة حماسية متَّزنة تجمع بين الحماس والتفاعل والإتِّزان
والإنضباط، وتوحي بالحزن الثوري والحماس الشبابي، وتبتعد عن الإسفاف
والتفاهة والتمايل غير اللائق، لأنَّ الموكب يُمثِّل بحركيته وحماسه فدائية
واندفاع أنصار الحسين(ع)، وحماسهم الولائي واندفاعهم نحو التضحية والدفاع
عن القيادة الإسلامية المتمثِّلة في شخص الإمام الحسين(ع) والإسلام
والمقدَّسات، ولا بدَّ من أن يُجعل المقياس الأول هو دعم مسيرة الشعائر
وتحقيقها لأهدافها العاطفية، والثقافية، والإجتماعية، وأن يكون الهدف على
التوفُّر على استفادة الوعي بأكبر قدر ممكن،ومن هنا أرى أنَّ من الخطأ جعل
المقياس هو بعض الإعتبارات غير المنطقية التي يتحرَّك من خلالها بعض
المعزِّين مثل الإنشداد بصورةٍ غير واعيةٍ لإسم المأتم الذي ينطلق منه
العزاء أو إسم المنطقة أو شهرة الموكب أو الرادود، أو كثافة الحضور، كما لا
بدَّ للمعزّين من توفُّر الوعي لأهداف الموكب وفلسفته واهتمامهم بعطاء
القصائد الملقاة ومستواها.
فضيلة الشيخ .. نرجوا أن نكون موفقين في طرح أسئلتنا المتواضعة ، وأن نكون
معكم تحت ظلال عرض ربنا يوم لا ينفع مال ولا بنون إلاّ من أتى الله بقلب
سليم
(انتفاضة التسعينات ( منقول من الوسط
اقرأ الحلقة الخامسة من "تسعينات البحرين": «جماعة المبادرة» تنطلق من السجن و تعود إلى السجن
الوسط - حيدر محمد
الأحداث التي عصفت بالبحرين ابتداءً من ديسمبر/ كانون الأول 1994 استمرت في التصاعد مع فرض الحصار المنزلي على الشيخ عبدالأمير الجمري من 1 حتى 15 أبريل/ نيسان 1995... واختفت كثير من الوجوه في السجون التي امتلأت من كل حدب وصوب، وشعر طرفا النزاع في الساحة البحرينية أن ثمة حاجة لحلٍ يوقف السيل الجارف للأحداث الذي شهد حلقات دموية، وباتت الأمور أقرب إلى الفصل، لأن كلا الطرفين (الحكومة والمعارضة) دفعا ثمناً باهظاً لدوامة المواجهات المستمرة.
ويرجع الكثير من المراقبين إقدام السلطات الأمنية على فتح قناة حوار مع قيادات المعارضة بأنه استشعار بخطورة المدى الذي وصلت إليه التجاذبات، لكن الآخرين يرون أن الحوار كان يمثل ورقة أخرى بيد السلطة تستخدمها متى ما استفحلت الأمور أو بدا لهم أنه قد حدث أمر خارج عن الحسبان.
ربما أن قوات الأمن قد بدا لها أنها أحكمت سيطرتها في منتصف 1995، ولكن هذا التصور تبدد لاحقاً بعد مقتل نضال حبيب النشابة (18 عاماً) بالرصاص في الدراز في 4 مايو/ أيار 1995، ومن ثم سقوط سعيد الإسكافي (16 عاماً) قتيلاً في السجن في 8 يوليو/ تموز 1995... والحدث الأخير كان مؤلماً جداً وتسبب في كسر الهدوء النسبي الذي ساد تلك الفترة، وخرج جيل جديد للمواجه مع قوات الأمن. بعد ذلك بدأت أخبار من السجن تتسرب عن مبادرة للتهدئة الأمنية كتمهيد أولي للدخول في حوارات سياسية.
في منتصف العام 1995 بدا لفترة وجيزة أن الأمور قد هدأت، إذ كان شهر يونيو/ حزيران من أخف الشهور من ناحية الأحداث. كثير من الناشطين المعروفين آنذاك دخلوا السجن، وكثير من سائل الاتصال بين مجموعات المعارضة في الداخل والخارج قد ضربت... فالهواتف العمومية كانت هي الوسيلة اليومية آنذاك للتواصل بين المعارضين في الداخل والخارج، ولكن هذه الهواتف تم حرقها من قبل قوات الأمن على ما يعتقد، لأنها كانت تتضرر منها. ثم ان حرقها كان سيبدو وكأنه جزء من الحرائق التي تتسبب بها الأحداث آنذاك، وإضافة إلى ذلك كان يمكن للمخابرات تتبع من يراسل عبر الفاكس.
الإنترنت والمعارضة
في منتصف العام 1995 كانت المعارضة البحرينية قد طورت قدراتها للدخول في عصر جديد من الاتصالات. في تلك الفترة لم تكن خدمة الإنترنت معروفة بالشكل الذي عليه الوضع حالياً، ولكن الناشطين في الداخل والخارج كانوا على علم واطلاع بأهمية هذه الخدمة الجديدة.
عن هذا الموضوع يقول المتحدث السابق باسم حركة أحرار البحرين منصور الجمري: «بعد أن امتلأت السجون بالناشطين، تقطعت خدمات الهواتف العمومية، وكانت هناك حاجة لمعرفة مجريات الأمور على نحو يومي، وكانت هناك شركة تقدم خدمات إنترنت، وكانت رائدة في مجالها آنذاك وتستخدمه المصارف والمؤسسات الكبيرة اسمها «كمبيو سيرف»، وهذه كانت سابقة لخدمة الإنترنت العامة التي توفرت لاحقاً... وقد كان لتوفر هذه الخدمة أهمية كبير، إذ اشترك ناشطون في الداخل والخارج بعدة اشتراكات في هذه الخدمة النوعية، ولذا عادت المعلومات تتدفق وبشكل أكبر بكثير من السابق. ثم ان المعارضة دخلت على الإنترنت في النصف الثاني من 1995 وربما كانت من أوائل المعارضات العربية لتي استخدمت الإنترنت بشكل واسع آنذاك». ويوضح الجمري أن المعارضة من خلال هذا التطور التقني أصبح لديها اطلاع أكثر دقة من خلال شبكة الناشطين في الداخل.
ومن هنا، وجدت الحكومة أن الأمور قد لا تسير لصالحها، لذا اختارت أن تطفئ جذوة الأحداث من خلال مبادرة أمنية يجرى تنفيذها على دفعات من شأنها أن تخفف الاحتقان الذي بلغ مدى قد لا يمكن مجاراته بالقمع فقط.
مبادرة من نافذة أمنية
الساحة في الداخل عادت إلى التوتر في شهر يوليو 1995، وذلك بعد مقتل سعيد الإسكافي داخل السجن، وكانت قوات الأمن تعتقد أن الأمور استتبت، لكن الذين خرجوا في تلك الفترة هم جيل آخر، وطاقات شابة، تشاركهم النساء والرجال من كبار السن، فالانتفاضة كانت شعبية، بمعنى أن جميع الأعمار شاركت فيها، وكانت الاعتقالات تطال عوائل بأكملها، إذ أصبح من المعتاد حينها أن تسمع أن شخصاً ما معتقل مع ثلاثة أو خمسة من أبنائه.
مدير الأمن العام ورئيس المخابرات ايان هندرسون في داخل السجن بدأ بفتح حوار مع رموز المعارضة، الشيخ عبدالأمير الجمري والناشط عبدالوهاب حسين والناشط حسن مشيمع، وعدد من علماء الدين الشباب الذين كانوا في السجن.
عن هذه المبادرة يقول منصور الجمري: «إنه في منتصف 1995 بدأت الحكومة تتحرك على خط المعالجة الأمنية لما حدث في الانتفاضة، وأرادتها وزارة الداخلية أن تكون المبادرة عبارة عن إفراجات لمعتقلين على دفعات، وهذه الفكرة تبدو سليمة إذا كانت مقدمة للحل السياسي، ولكنها لم تكن كذلك كما توقعنا منذ البداية، فالمشكلة لم تكن أمنية أساساً وإنما نتجت بسبب مشكلة سياسية، ولكن في هذه الفترة بدأت الإشارة إلى الإفراجات، وبدا أن الحراك الشعبي قد عاد ولكن بزخم مختلف، فقد تغير الحزن إلى فرح ونظمت احتفالات جماهيرية كبرى في عدة مناطق، وبدأت الساحة تعرف مظاهر جديدة لم تشهدها البحرين من قبل».
ويضيف «في لندن، اتصل بنا أحد الأشخاص المعروفين، وقال إنه يحمل رسائل من جهات مسئولة وأعتقد أنه كان يقصد هندرسون، وقال إن الأمور يجب أن تهدأ، وطلب إعطاء فرصة، بما في ذلك عدم استهداف هندرسون شخصياً، وقد اجتمعت مرتين في فترات متباعدة مع هذه الشخصية، وحضر في المرة الثانية معي الشيخ علي سلمان، وكان واضحاً منذ اللقاء الأول أن الهم الأساسي ينصب نحو تهدئة أمنية من غير أن تكون مقدمة لحل سياسي».
الالتفاف الشعبي حول رموز المعارضة
في 25 سبتمبر/ أيلول 1995 أفرجت وزارة الداخلية عن الشيخ عبدالأمير الجمري، واحتشدت الجماهير من كل مكان للترحيب به وبجماعة المبادرة الذين خرجوا من السجن في فترات متقاربة، معهم مئات من المعتقلين.
الالتفاف الشعبي على رموز المعارضة تصاعد يوماً بعد يوم ولكن الحكومة اعتبرت أن ما حدث قد يحرف مسار الهدف الأمني، لأنه زاد من ثقة الناس بالمعارضة، وبالفعل لم يروق للسلطة أن ترى تعزز موقع الرموز بشكل غير مسبوق، وخصوصاً مع تصاعد تأثير قيادة الساحة الإسلامية الشيعية باسم «جماعة المبادرة» التي أرادت الحكومة الاستفادة منها لتهدئة الشارع، ولكن سرعان ما سرى الشك لدى الطرفين بأن أمراً ما سيحدث خلافاً للاتفاق الأمني.
هذا الشك أصبح معززاً بعدة قرائن، فرغم الاتفاق على التهدئة إلا أن قوات الأمن لاتزال متركزة في عدد من الأحياء السكنية، وهذا كان خلاف الاتفاق الأمني أساساً، بل جرت لاحقاً اعتقالات جديدة في صفوف الناشطين والشباب في حين أن المفترض هو خروج المعتقلين وليس اعتقال آخرين. كما أن المحاكمات المخطط لها أن تجري سابقاً قد جرت فعلاً، ويرجع بعض المراقبين حدوث اختلاف داخل دائرة القرار السياسي حيال التصرف الأمثل مع التداعيات الجديدة التي خلقها الاحتضان الشعبي لقادة المعارضة الخارجين من السجن تواً.
في هذه الفترة تحولت المعارضة البحرينية إلى مثلث أضلاعه الثلاثة هي: جماعة «أصحاب المبادرة»، «لجنة العريضة»، ومجموعة لندن المتكونة من حركة أحرار البحرين وعلماء الدين الثلاثة الذين أبعدوا من البحرين واستقروا في لندن منذ مطلع 1995.
كل طرف من الأطراف الفاعلة كان يحاول أن يراجع ما حدث من تطورات ويقارن بينها وبين الأهداف التي أعلنتها العريضة الشعبية وبيانات لندن وما جاء في مبادرة التهدئة الأمنية... وكان الجميع يسعى للإمساك بزمام المسيرة لكيلا تنحرف عن مسارها السلمي. ولكن الأحداث كانت سريعة جداً والحكومة بدت غير قادرة على أن تواكب الحراك الذي يطالب بالحل السياسي، كما أن جماعة المبادرة لم تقدر على تحمل العبء الذي حل عليها، فأعلنت الاعتصام في منزل الشيخ الجمري لمدة عشرة أيام، انتهت في 1 نوفمبر 1995 باحتشاد كبير، وصلت تقديراته آنذاك إلى 85 ألف شخص تجمعوا حول منزل الشيخ الجمري، وتحولت المنطقة إلى بحر من البشر يهتفون بالوقوف مع «جماعة المبادرة» ويطالبون بتفعيل بنود التهدئة الأمنية وفتح الحوار السياسي حول المطالب المطروحة.
الناس بدأت تحتشد في الأيام التالية، ولكن الاعتقالات عادت وازدادت، وجرت عدة حوادث أبرزها في منطقة النعيم، ومع سيطرة المظاهر الأمنية في نهاية العام 1995 فشل مشروع التهدئة الأمنية لأسبابٍ عدة.
من المسئول عن إفشال المبادرة؟
ثمة أساب تجمعت مع بعضها لتشكل نهاية سريعة لقصة المبادرة، ذاك أنها لم تعالج الشقق السياسي الذي كان وقود الاضطرابات الأمنية... هذا ما يراه الكثيرون.
وفي حديث للشيخ علي سلمان مع «الوسط» يشير إلى جملة أسباب أدت إلى الإجهاز على المبادرة، وعلى رأسها الوضع الأمني.
ويوضح الشيخ علي سلمان «بعد الاعتقالات الواسعة، تراجعت العريضة إلى الوراء خطوات في المطلب الشعبي، وهذا من إفرازات الواقع المرير آنذاك، فالتحرك كان على مطلب سياسي، ووجد الناس أن الحكومة أفرطت في الاعتقالات، وأن يعيشوا أشهراً طوالاً من الأحكام العرفية فلا يخرجون من بيوتهم بعد الثامنة مساء، وتغرق قرى شارع البديع في الظلام، وكذلك سترة، فهذه الضغوط كان لابد من معالجتها، ولكن لم يكن ذلك على حساب المطلب السياسي، فقد كانت القيادات المعتقلة تصر على أن خروجها لن يوقف سيرها في المطلب الشعبي، وأنها لن تبيع موقفها مقابل الحرية».
في العامين 1995 و1996 تم تشكل ما أسمي بـ «المبادرة»، ومفادها تهدئة الحال الأمنية من أجل الدخول في حوار سياسي، وأن يخرج المعتقلون على دفعات، وآخر دفعة تكون مع الشيخ الجمري، وهذا الحوار كان يدور مع وزير الداخلية وإيان هندرسون، على أن تنهى الحال الأمنية في 25 سبتمبر ليبدأ الحوار السياسي مع جميع القوى السياسية في البحرين.
لم تفِ السلطة بالشقين، فلم تطلق كل المعتقلين، وكذلك التدخل في الحوار السياسي، ما أدى إلى تجدد دوامة الحوادث، فقد كانت هناك رسل من الدولة توجهت إلى مدينة قم للتكلم عن الحل الأمني، ولكنها كانت تتجنب الحديث عن الحل السياسي، فهذا الجانب مسكوت عنه تماماً.
لم تمتْ «لجنة العريضة»، ولكن الثقل انتقل منها إلى «لجنة المبادرة»، وتسلط الضوء عليها أكثر، وجرى اعتقالها الثاني في 20 يناير/ كانون الثاني 1996 لتدخل في اعتقالات أخرى لمدة خمس سنوات.
في فترة من الفترات تم تقليب الأمر على أوجهه كافة، هل من الممكن اللجوء إلى السلاح؟ فكان هذا الخيار مرفوضاً، ومن يتخذ مبادرة من تلقاء نفسه نحاول الوصول إليه لمحاولة تهدئته حتى لا يفسد الأمر على الانتفاضة، فليس من مصلحتنا «عسكرة الانتفاضة»، فقوتنا تكمن في المطلب السياسي الواضح ذي الطابع السلمي.
اللورد ايفبري
في الخارج كانت المعارضة تنشط بصورة حثيثة، وازدادت في نشاطها، وبرزت على السطح عدة منظمات حقوقية وقفت مع قضية المطالب الشعبية، كما برزت أسماء لشخصيات عديدة، عرف منها بشكل متكرر «اللورد ايريك أيفبري». فكيف توثقت علاقاته مع المعارضة بشكل كبير؟ وفقاً لمنصور الجمري فإن قصة اللورد أيفبري مع البحرين بدأت بصفته رئيس المجموعة البرلمانية لحقوق الإنسان وهي مجموعة تطوعية أعضاؤها من مجلسي العموم واللوردات في البرلمان البريطاني، وفي بادئ الأمر تبنت هذه المجموعة الحقوقية قضايا البحرينيين الذين لا يسمح لهم بالدخول في المطار ليعطوا جوازات سفر يرحلون بعدها إلى سورية أو الإمارات أو إلى أي مكان آخر.
وهذا كان أول ما أثار انتباه المجموعة البريطانية، فطلب اللورد أيفبري لقاء مع السفارة البحرينية في لندن، وبعد عدة اتصالات قدّمت السفارة وعوداً من الجهات الرسمية بترتيب زيارة إلى اللورد أيفبري في العام 1994، ليتسنى له الذهاب إلى البحرين ليطلع بعينيه عما يحدث فعلاً، وأن ما سمعه من منع أشخاص دخول البحرين مجرد أكاذيب تروجها جهات مغرضة.
ولكن ما حدث لاحقاً أن السفرة المقررة في نهاية 1994 ألغيت بأعذار اعتبرها اللورد أيفبري واهية ولا تشكل سبباً حقيقياً وراء منع الزيارة، وطلب الزيارة الموعودة بإلحاح.
رداً على ذلك أرسلت الحكومة وفداً برئاسة مسئول رفيع المستوى، والتقى هذا الوفد باللورد أيفبري في لندن، وعرض عليه مجريات الوضع في البحرين. وتساءل أيفبري عن قانون أمن الدولة، ورد عليه المبعوث الرسمي بأنه لا يوجد قانون تحت اسم «قانون أمن الدولة»، وقال إنه بحسب قانون البحرين فإن الشخص لا يسجن ثلاث سنوات من دون محاكمة، وان ما سمعه من بعض الجهات إنما هو محض افتراء.
ويشير الجمري إلى أن «اللورد أخذ هذا الرد - أنه لا وجود لشيء اسمه قانون أمن الدولة - وذهب إلى منظمة العفو الدولية وحقوقيين آخرين وطلب منهم تزويده بترجمة لقانون أمن الدولة الذي سمع عنه كثيراً، كما سأل جهات محايدة، وجميع هذه الجهات أكدت له أن قانون أمن الدولة موجود وهو ساري المفعول».
تأثر اللورد أيفبري كثيراً بما سمعه من معلومات مغلوطة من الموفود الرسمي وقام بتحويل غضبه إلى توجيه جزء كبير من عمل المجموعة الحقوقية البرلمانية إلى قضايا البحرين، وخصص أحد الناشطين لمساعدته في رصد ما يحدث في البحرين وهذا الناشط أصدر كتيباً في وقت لاحق باللغة الإنجليزية بعنوانSpeak Together of Freedom, The Present Struggle for Democracy and Human Rights in Bahrain.
ووثق هذا الكتيب أن ما يجري في البحرين من انتهاكات للقانون أمرٌ واقع. اللورد أيفبري اعتبر أن الجهات الرسمية حاولت استغفاله وأنه لا يمكن أن يصمت على ذلك، هذا إضافة إلى أنه ينشط لصالح قضايا حقوقية في إندونيسيا وسيراليون وإيران، وغيرها من المناطق.
المعارضة تستعين بأصدقائها
وفي هذه الفترة نشطت كل مجموعات المعارضة في الخارج، اليسارية والإسلامية على حد سواء، ووظفوا علاقاتهم لصالح الانتفاضة، فاليساريون الذين يمتلكون صداقات في فرنسا مع شخصيات ومنظمات لها ثقلها بدأوا ينشطون من أجل إيصال قضية البحرين، كما أن المعارضة في لندن حصلت على مساندة وتعاطف من قبل عدة منظمات مهمة مثل «منظمة المادة 19» ومنظمة «اندكس لحرية التعبير» ومنظمة العفو الدولية ولجنة حقوق الإنسان التابعة لجمعية المحامين البريطانية، كما توثقت علاقات جماعات المعارضة مع منظمات غير حكومة ومؤسسات أكاديمية وجهات برلمانية وحقوقية وإعلامية، فضلاً عن أن النشاط الكبير للمعارضة تركز أساساً في العواصم المؤثرة في العالم ومنها واشنطن ولندن وباريس وجنيف. كما وصل صوت ورأي المعارضة إلى الجهات المؤثرة وأصبحت له الأولوية في الصحف الرئيسية مثل: «الفايننشال تايمز» ومجلة «الاكونوميست» وصحيفة «وول ستريت جورنال»، و «التايمز» و «الاندبندنت» التي كتب فيها روبرت فيسك حلقات كثيرة عن البحرين، كل هذا الزخم الإعلامي أدى إلى أن تصبح المعارضة آنذاك مصدراً موثوقاً به ومعتمداً إلى درجة كبيرة لدى جهات مؤثرة كثيرة.
طأفنة الانتفاضة
يرى الشيخ علي سلمان أن السلطة اختارت أن تعيد اللعب على الوتر الطائفي لحصار التحرك الشعبي قائلاً: «مارست السلطة سياسة ليست بالجديدة، وهي التركيز الطائفي في سياسة العصا الغليظة حتى تبين أن المطالبة بالبرلمان والدستور هي مطالب شيعية وليست وطنية. وهذا الأمر معروف منذ الوقت المبكر من الثمانينيات عندما بدأت الحال الإسلامية تنشط، والقوى الأمنية إن أرادت الاعتقال خارج هذا الإطار فإنه يكون اعتقالاً محدوداً، أو التهديد، فلقد أبلغت شخصيات شاركت في العريضة بأن عليها أن تفك ارتباطها بالشيخ الجمري، وقد تكون قناعات البعض تغيرت».
غير أن المحامي عبدالله هاشم يؤكد أن «الشارع كان واعياً بأهمية لجنة العريضة الشعبية وألا يهمّش دورها بفعل الحظوة والتجمعات التي أحاطت بقيادات المبادرة تعبيراً عن الولاء لقيادة المبادرة، فأخذت الأمور تسير في اتجاه أن هذه الانتفاضة شيعية، ويجب أن تكون قيادتها منها، وكانت الأسئلة التي أتت من الشارع لقيادة المبادرة في جامع الإمام الصادق في الدراز، كانت تقول بوجوب عدم إهدار الوحدة الوطنية المتمثلة في لجنة العريضة الشعبية، وكذلك وجوب أن تتمثل وجوه لجنة العريضة في المحاضرات والفعاليات وعدم الانفراد في المسألة».
ويرى هاشم أن الأمور سارت ببعد إسلامي طائفي، فبعد كل الوقفة التي وقفتها لجنة العريضة الشعبية، وخصوصاً رموز معينة منها أحمد الشملان الذي كان له دور فاعل لا يستطيع أحد أن يقيده اليوم، ولكن عندما خرجت قيادات المبادرة وأرادت أن تخلق حالاً من الوحدة الوطنية، دعت إلى إقامة ندوة مركزية في عالي يشترك فيها كل من الشيخ عبداللطيف المحمود، وعبدالوهاب حسين، ولم يُدعَ أيٌ من الوطنيين الذين وقفوا وقفة صارمة مع العريضة، فكانت النظرة السائدة في ذلك الوقت تتدرج من الطائفة، وإن نزلت فتنزل إلى «المسلمين»، وكأن الوطنيين هم خارج حظيرة الإسلام... هذه الندوة لم تُقم لأن قوات الأمن منعتها، ولكنني أوردها لرمزيتها في إحداث حال الوفاق الوطني، ونظرة «المبادرة» إليه، وهذه من الأخطاء التي وقعت فيها الحركة، وما بقي من لجنة العريضة إلا أن يزورها عبدالوهاب حسين مثلاً، أو أن يذكرها في مجلس أو خطبة».
ويرجع هاشم سبب إعادة اعتقال قيادات «المبادرة»، لأنها لم تحقق الشق الأمني المرتجى منها من قبل النظام، فلم يفرج النظام عن كل المعتقلين كما كان متفقاً عليه، وبالتالي، وجدت جماعة المبادرة أن الشارع لايزال يغلي، فإما أن تقوده وهو في حال الغليان تلك، وإما أن تنحى، وفي كلتا الحالين، فإنها لا تستطيع الإيفاء بالشروط التي اتفق عليها في السجن.
تسارعت الحوادث مع نهاية 1995، وازداد التواجد الأمني، وعادت الاعتقالات، وفي مطلع العام 1996 اشتدت الأمور كثيراً، وبدا واضحاً أن الحكومة اعتبرت نفسها في حل من أي اتفاق مع «جماعة المبادرة».
في 20 يناير 1996 فرضت قوات الأمن الحصار المنزلي مرة أخرى على الشيخ الجمري، وعادت مظاهر الاشتباكات والمصادمات والاعتقالات مرة أخرى للساحة. وفي 21 يناير 1996 أعيد اعتقال الشيخ الجمري وتبدأ مرحلة قاسية من مراحل الانتفاضة لم تشهد لها البحرين مثيلاً من قبل.
العدد 2251 الثلثاء 4 نوفمبر 2008 الموافق 6 ذو القعدة 1429 هــ
الوسط - حيدر محمد
الأحداث التي عصفت بالبحرين ابتداءً من ديسمبر/ كانون الأول 1994 استمرت في التصاعد مع فرض الحصار المنزلي على الشيخ عبدالأمير الجمري من 1 حتى 15 أبريل/ نيسان 1995... واختفت كثير من الوجوه في السجون التي امتلأت من كل حدب وصوب، وشعر طرفا النزاع في الساحة البحرينية أن ثمة حاجة لحلٍ يوقف السيل الجارف للأحداث الذي شهد حلقات دموية، وباتت الأمور أقرب إلى الفصل، لأن كلا الطرفين (الحكومة والمعارضة) دفعا ثمناً باهظاً لدوامة المواجهات المستمرة.
ويرجع الكثير من المراقبين إقدام السلطات الأمنية على فتح قناة حوار مع قيادات المعارضة بأنه استشعار بخطورة المدى الذي وصلت إليه التجاذبات، لكن الآخرين يرون أن الحوار كان يمثل ورقة أخرى بيد السلطة تستخدمها متى ما استفحلت الأمور أو بدا لهم أنه قد حدث أمر خارج عن الحسبان.
ربما أن قوات الأمن قد بدا لها أنها أحكمت سيطرتها في منتصف 1995، ولكن هذا التصور تبدد لاحقاً بعد مقتل نضال حبيب النشابة (18 عاماً) بالرصاص في الدراز في 4 مايو/ أيار 1995، ومن ثم سقوط سعيد الإسكافي (16 عاماً) قتيلاً في السجن في 8 يوليو/ تموز 1995... والحدث الأخير كان مؤلماً جداً وتسبب في كسر الهدوء النسبي الذي ساد تلك الفترة، وخرج جيل جديد للمواجه مع قوات الأمن. بعد ذلك بدأت أخبار من السجن تتسرب عن مبادرة للتهدئة الأمنية كتمهيد أولي للدخول في حوارات سياسية.
في منتصف العام 1995 بدا لفترة وجيزة أن الأمور قد هدأت، إذ كان شهر يونيو/ حزيران من أخف الشهور من ناحية الأحداث. كثير من الناشطين المعروفين آنذاك دخلوا السجن، وكثير من سائل الاتصال بين مجموعات المعارضة في الداخل والخارج قد ضربت... فالهواتف العمومية كانت هي الوسيلة اليومية آنذاك للتواصل بين المعارضين في الداخل والخارج، ولكن هذه الهواتف تم حرقها من قبل قوات الأمن على ما يعتقد، لأنها كانت تتضرر منها. ثم ان حرقها كان سيبدو وكأنه جزء من الحرائق التي تتسبب بها الأحداث آنذاك، وإضافة إلى ذلك كان يمكن للمخابرات تتبع من يراسل عبر الفاكس.
الإنترنت والمعارضة
في منتصف العام 1995 كانت المعارضة البحرينية قد طورت قدراتها للدخول في عصر جديد من الاتصالات. في تلك الفترة لم تكن خدمة الإنترنت معروفة بالشكل الذي عليه الوضع حالياً، ولكن الناشطين في الداخل والخارج كانوا على علم واطلاع بأهمية هذه الخدمة الجديدة.
عن هذا الموضوع يقول المتحدث السابق باسم حركة أحرار البحرين منصور الجمري: «بعد أن امتلأت السجون بالناشطين، تقطعت خدمات الهواتف العمومية، وكانت هناك حاجة لمعرفة مجريات الأمور على نحو يومي، وكانت هناك شركة تقدم خدمات إنترنت، وكانت رائدة في مجالها آنذاك وتستخدمه المصارف والمؤسسات الكبيرة اسمها «كمبيو سيرف»، وهذه كانت سابقة لخدمة الإنترنت العامة التي توفرت لاحقاً... وقد كان لتوفر هذه الخدمة أهمية كبير، إذ اشترك ناشطون في الداخل والخارج بعدة اشتراكات في هذه الخدمة النوعية، ولذا عادت المعلومات تتدفق وبشكل أكبر بكثير من السابق. ثم ان المعارضة دخلت على الإنترنت في النصف الثاني من 1995 وربما كانت من أوائل المعارضات العربية لتي استخدمت الإنترنت بشكل واسع آنذاك». ويوضح الجمري أن المعارضة من خلال هذا التطور التقني أصبح لديها اطلاع أكثر دقة من خلال شبكة الناشطين في الداخل.
ومن هنا، وجدت الحكومة أن الأمور قد لا تسير لصالحها، لذا اختارت أن تطفئ جذوة الأحداث من خلال مبادرة أمنية يجرى تنفيذها على دفعات من شأنها أن تخفف الاحتقان الذي بلغ مدى قد لا يمكن مجاراته بالقمع فقط.
مبادرة من نافذة أمنية
الساحة في الداخل عادت إلى التوتر في شهر يوليو 1995، وذلك بعد مقتل سعيد الإسكافي داخل السجن، وكانت قوات الأمن تعتقد أن الأمور استتبت، لكن الذين خرجوا في تلك الفترة هم جيل آخر، وطاقات شابة، تشاركهم النساء والرجال من كبار السن، فالانتفاضة كانت شعبية، بمعنى أن جميع الأعمار شاركت فيها، وكانت الاعتقالات تطال عوائل بأكملها، إذ أصبح من المعتاد حينها أن تسمع أن شخصاً ما معتقل مع ثلاثة أو خمسة من أبنائه.
مدير الأمن العام ورئيس المخابرات ايان هندرسون في داخل السجن بدأ بفتح حوار مع رموز المعارضة، الشيخ عبدالأمير الجمري والناشط عبدالوهاب حسين والناشط حسن مشيمع، وعدد من علماء الدين الشباب الذين كانوا في السجن.
عن هذه المبادرة يقول منصور الجمري: «إنه في منتصف 1995 بدأت الحكومة تتحرك على خط المعالجة الأمنية لما حدث في الانتفاضة، وأرادتها وزارة الداخلية أن تكون المبادرة عبارة عن إفراجات لمعتقلين على دفعات، وهذه الفكرة تبدو سليمة إذا كانت مقدمة للحل السياسي، ولكنها لم تكن كذلك كما توقعنا منذ البداية، فالمشكلة لم تكن أمنية أساساً وإنما نتجت بسبب مشكلة سياسية، ولكن في هذه الفترة بدأت الإشارة إلى الإفراجات، وبدا أن الحراك الشعبي قد عاد ولكن بزخم مختلف، فقد تغير الحزن إلى فرح ونظمت احتفالات جماهيرية كبرى في عدة مناطق، وبدأت الساحة تعرف مظاهر جديدة لم تشهدها البحرين من قبل».
ويضيف «في لندن، اتصل بنا أحد الأشخاص المعروفين، وقال إنه يحمل رسائل من جهات مسئولة وأعتقد أنه كان يقصد هندرسون، وقال إن الأمور يجب أن تهدأ، وطلب إعطاء فرصة، بما في ذلك عدم استهداف هندرسون شخصياً، وقد اجتمعت مرتين في فترات متباعدة مع هذه الشخصية، وحضر في المرة الثانية معي الشيخ علي سلمان، وكان واضحاً منذ اللقاء الأول أن الهم الأساسي ينصب نحو تهدئة أمنية من غير أن تكون مقدمة لحل سياسي».
الالتفاف الشعبي حول رموز المعارضة
في 25 سبتمبر/ أيلول 1995 أفرجت وزارة الداخلية عن الشيخ عبدالأمير الجمري، واحتشدت الجماهير من كل مكان للترحيب به وبجماعة المبادرة الذين خرجوا من السجن في فترات متقاربة، معهم مئات من المعتقلين.
الالتفاف الشعبي على رموز المعارضة تصاعد يوماً بعد يوم ولكن الحكومة اعتبرت أن ما حدث قد يحرف مسار الهدف الأمني، لأنه زاد من ثقة الناس بالمعارضة، وبالفعل لم يروق للسلطة أن ترى تعزز موقع الرموز بشكل غير مسبوق، وخصوصاً مع تصاعد تأثير قيادة الساحة الإسلامية الشيعية باسم «جماعة المبادرة» التي أرادت الحكومة الاستفادة منها لتهدئة الشارع، ولكن سرعان ما سرى الشك لدى الطرفين بأن أمراً ما سيحدث خلافاً للاتفاق الأمني.
هذا الشك أصبح معززاً بعدة قرائن، فرغم الاتفاق على التهدئة إلا أن قوات الأمن لاتزال متركزة في عدد من الأحياء السكنية، وهذا كان خلاف الاتفاق الأمني أساساً، بل جرت لاحقاً اعتقالات جديدة في صفوف الناشطين والشباب في حين أن المفترض هو خروج المعتقلين وليس اعتقال آخرين. كما أن المحاكمات المخطط لها أن تجري سابقاً قد جرت فعلاً، ويرجع بعض المراقبين حدوث اختلاف داخل دائرة القرار السياسي حيال التصرف الأمثل مع التداعيات الجديدة التي خلقها الاحتضان الشعبي لقادة المعارضة الخارجين من السجن تواً.
في هذه الفترة تحولت المعارضة البحرينية إلى مثلث أضلاعه الثلاثة هي: جماعة «أصحاب المبادرة»، «لجنة العريضة»، ومجموعة لندن المتكونة من حركة أحرار البحرين وعلماء الدين الثلاثة الذين أبعدوا من البحرين واستقروا في لندن منذ مطلع 1995.
كل طرف من الأطراف الفاعلة كان يحاول أن يراجع ما حدث من تطورات ويقارن بينها وبين الأهداف التي أعلنتها العريضة الشعبية وبيانات لندن وما جاء في مبادرة التهدئة الأمنية... وكان الجميع يسعى للإمساك بزمام المسيرة لكيلا تنحرف عن مسارها السلمي. ولكن الأحداث كانت سريعة جداً والحكومة بدت غير قادرة على أن تواكب الحراك الذي يطالب بالحل السياسي، كما أن جماعة المبادرة لم تقدر على تحمل العبء الذي حل عليها، فأعلنت الاعتصام في منزل الشيخ الجمري لمدة عشرة أيام، انتهت في 1 نوفمبر 1995 باحتشاد كبير، وصلت تقديراته آنذاك إلى 85 ألف شخص تجمعوا حول منزل الشيخ الجمري، وتحولت المنطقة إلى بحر من البشر يهتفون بالوقوف مع «جماعة المبادرة» ويطالبون بتفعيل بنود التهدئة الأمنية وفتح الحوار السياسي حول المطالب المطروحة.
الناس بدأت تحتشد في الأيام التالية، ولكن الاعتقالات عادت وازدادت، وجرت عدة حوادث أبرزها في منطقة النعيم، ومع سيطرة المظاهر الأمنية في نهاية العام 1995 فشل مشروع التهدئة الأمنية لأسبابٍ عدة.
من المسئول عن إفشال المبادرة؟
ثمة أساب تجمعت مع بعضها لتشكل نهاية سريعة لقصة المبادرة، ذاك أنها لم تعالج الشقق السياسي الذي كان وقود الاضطرابات الأمنية... هذا ما يراه الكثيرون.
وفي حديث للشيخ علي سلمان مع «الوسط» يشير إلى جملة أسباب أدت إلى الإجهاز على المبادرة، وعلى رأسها الوضع الأمني.
ويوضح الشيخ علي سلمان «بعد الاعتقالات الواسعة، تراجعت العريضة إلى الوراء خطوات في المطلب الشعبي، وهذا من إفرازات الواقع المرير آنذاك، فالتحرك كان على مطلب سياسي، ووجد الناس أن الحكومة أفرطت في الاعتقالات، وأن يعيشوا أشهراً طوالاً من الأحكام العرفية فلا يخرجون من بيوتهم بعد الثامنة مساء، وتغرق قرى شارع البديع في الظلام، وكذلك سترة، فهذه الضغوط كان لابد من معالجتها، ولكن لم يكن ذلك على حساب المطلب السياسي، فقد كانت القيادات المعتقلة تصر على أن خروجها لن يوقف سيرها في المطلب الشعبي، وأنها لن تبيع موقفها مقابل الحرية».
في العامين 1995 و1996 تم تشكل ما أسمي بـ «المبادرة»، ومفادها تهدئة الحال الأمنية من أجل الدخول في حوار سياسي، وأن يخرج المعتقلون على دفعات، وآخر دفعة تكون مع الشيخ الجمري، وهذا الحوار كان يدور مع وزير الداخلية وإيان هندرسون، على أن تنهى الحال الأمنية في 25 سبتمبر ليبدأ الحوار السياسي مع جميع القوى السياسية في البحرين.
لم تفِ السلطة بالشقين، فلم تطلق كل المعتقلين، وكذلك التدخل في الحوار السياسي، ما أدى إلى تجدد دوامة الحوادث، فقد كانت هناك رسل من الدولة توجهت إلى مدينة قم للتكلم عن الحل الأمني، ولكنها كانت تتجنب الحديث عن الحل السياسي، فهذا الجانب مسكوت عنه تماماً.
لم تمتْ «لجنة العريضة»، ولكن الثقل انتقل منها إلى «لجنة المبادرة»، وتسلط الضوء عليها أكثر، وجرى اعتقالها الثاني في 20 يناير/ كانون الثاني 1996 لتدخل في اعتقالات أخرى لمدة خمس سنوات.
في فترة من الفترات تم تقليب الأمر على أوجهه كافة، هل من الممكن اللجوء إلى السلاح؟ فكان هذا الخيار مرفوضاً، ومن يتخذ مبادرة من تلقاء نفسه نحاول الوصول إليه لمحاولة تهدئته حتى لا يفسد الأمر على الانتفاضة، فليس من مصلحتنا «عسكرة الانتفاضة»، فقوتنا تكمن في المطلب السياسي الواضح ذي الطابع السلمي.
اللورد ايفبري
في الخارج كانت المعارضة تنشط بصورة حثيثة، وازدادت في نشاطها، وبرزت على السطح عدة منظمات حقوقية وقفت مع قضية المطالب الشعبية، كما برزت أسماء لشخصيات عديدة، عرف منها بشكل متكرر «اللورد ايريك أيفبري». فكيف توثقت علاقاته مع المعارضة بشكل كبير؟ وفقاً لمنصور الجمري فإن قصة اللورد أيفبري مع البحرين بدأت بصفته رئيس المجموعة البرلمانية لحقوق الإنسان وهي مجموعة تطوعية أعضاؤها من مجلسي العموم واللوردات في البرلمان البريطاني، وفي بادئ الأمر تبنت هذه المجموعة الحقوقية قضايا البحرينيين الذين لا يسمح لهم بالدخول في المطار ليعطوا جوازات سفر يرحلون بعدها إلى سورية أو الإمارات أو إلى أي مكان آخر.
وهذا كان أول ما أثار انتباه المجموعة البريطانية، فطلب اللورد أيفبري لقاء مع السفارة البحرينية في لندن، وبعد عدة اتصالات قدّمت السفارة وعوداً من الجهات الرسمية بترتيب زيارة إلى اللورد أيفبري في العام 1994، ليتسنى له الذهاب إلى البحرين ليطلع بعينيه عما يحدث فعلاً، وأن ما سمعه من منع أشخاص دخول البحرين مجرد أكاذيب تروجها جهات مغرضة.
ولكن ما حدث لاحقاً أن السفرة المقررة في نهاية 1994 ألغيت بأعذار اعتبرها اللورد أيفبري واهية ولا تشكل سبباً حقيقياً وراء منع الزيارة، وطلب الزيارة الموعودة بإلحاح.
رداً على ذلك أرسلت الحكومة وفداً برئاسة مسئول رفيع المستوى، والتقى هذا الوفد باللورد أيفبري في لندن، وعرض عليه مجريات الوضع في البحرين. وتساءل أيفبري عن قانون أمن الدولة، ورد عليه المبعوث الرسمي بأنه لا يوجد قانون تحت اسم «قانون أمن الدولة»، وقال إنه بحسب قانون البحرين فإن الشخص لا يسجن ثلاث سنوات من دون محاكمة، وان ما سمعه من بعض الجهات إنما هو محض افتراء.
ويشير الجمري إلى أن «اللورد أخذ هذا الرد - أنه لا وجود لشيء اسمه قانون أمن الدولة - وذهب إلى منظمة العفو الدولية وحقوقيين آخرين وطلب منهم تزويده بترجمة لقانون أمن الدولة الذي سمع عنه كثيراً، كما سأل جهات محايدة، وجميع هذه الجهات أكدت له أن قانون أمن الدولة موجود وهو ساري المفعول».
تأثر اللورد أيفبري كثيراً بما سمعه من معلومات مغلوطة من الموفود الرسمي وقام بتحويل غضبه إلى توجيه جزء كبير من عمل المجموعة الحقوقية البرلمانية إلى قضايا البحرين، وخصص أحد الناشطين لمساعدته في رصد ما يحدث في البحرين وهذا الناشط أصدر كتيباً في وقت لاحق باللغة الإنجليزية بعنوانSpeak Together of Freedom, The Present Struggle for Democracy and Human Rights in Bahrain.
ووثق هذا الكتيب أن ما يجري في البحرين من انتهاكات للقانون أمرٌ واقع. اللورد أيفبري اعتبر أن الجهات الرسمية حاولت استغفاله وأنه لا يمكن أن يصمت على ذلك، هذا إضافة إلى أنه ينشط لصالح قضايا حقوقية في إندونيسيا وسيراليون وإيران، وغيرها من المناطق.
المعارضة تستعين بأصدقائها
وفي هذه الفترة نشطت كل مجموعات المعارضة في الخارج، اليسارية والإسلامية على حد سواء، ووظفوا علاقاتهم لصالح الانتفاضة، فاليساريون الذين يمتلكون صداقات في فرنسا مع شخصيات ومنظمات لها ثقلها بدأوا ينشطون من أجل إيصال قضية البحرين، كما أن المعارضة في لندن حصلت على مساندة وتعاطف من قبل عدة منظمات مهمة مثل «منظمة المادة 19» ومنظمة «اندكس لحرية التعبير» ومنظمة العفو الدولية ولجنة حقوق الإنسان التابعة لجمعية المحامين البريطانية، كما توثقت علاقات جماعات المعارضة مع منظمات غير حكومة ومؤسسات أكاديمية وجهات برلمانية وحقوقية وإعلامية، فضلاً عن أن النشاط الكبير للمعارضة تركز أساساً في العواصم المؤثرة في العالم ومنها واشنطن ولندن وباريس وجنيف. كما وصل صوت ورأي المعارضة إلى الجهات المؤثرة وأصبحت له الأولوية في الصحف الرئيسية مثل: «الفايننشال تايمز» ومجلة «الاكونوميست» وصحيفة «وول ستريت جورنال»، و «التايمز» و «الاندبندنت» التي كتب فيها روبرت فيسك حلقات كثيرة عن البحرين، كل هذا الزخم الإعلامي أدى إلى أن تصبح المعارضة آنذاك مصدراً موثوقاً به ومعتمداً إلى درجة كبيرة لدى جهات مؤثرة كثيرة.
طأفنة الانتفاضة
يرى الشيخ علي سلمان أن السلطة اختارت أن تعيد اللعب على الوتر الطائفي لحصار التحرك الشعبي قائلاً: «مارست السلطة سياسة ليست بالجديدة، وهي التركيز الطائفي في سياسة العصا الغليظة حتى تبين أن المطالبة بالبرلمان والدستور هي مطالب شيعية وليست وطنية. وهذا الأمر معروف منذ الوقت المبكر من الثمانينيات عندما بدأت الحال الإسلامية تنشط، والقوى الأمنية إن أرادت الاعتقال خارج هذا الإطار فإنه يكون اعتقالاً محدوداً، أو التهديد، فلقد أبلغت شخصيات شاركت في العريضة بأن عليها أن تفك ارتباطها بالشيخ الجمري، وقد تكون قناعات البعض تغيرت».
غير أن المحامي عبدالله هاشم يؤكد أن «الشارع كان واعياً بأهمية لجنة العريضة الشعبية وألا يهمّش دورها بفعل الحظوة والتجمعات التي أحاطت بقيادات المبادرة تعبيراً عن الولاء لقيادة المبادرة، فأخذت الأمور تسير في اتجاه أن هذه الانتفاضة شيعية، ويجب أن تكون قيادتها منها، وكانت الأسئلة التي أتت من الشارع لقيادة المبادرة في جامع الإمام الصادق في الدراز، كانت تقول بوجوب عدم إهدار الوحدة الوطنية المتمثلة في لجنة العريضة الشعبية، وكذلك وجوب أن تتمثل وجوه لجنة العريضة في المحاضرات والفعاليات وعدم الانفراد في المسألة».
ويرى هاشم أن الأمور سارت ببعد إسلامي طائفي، فبعد كل الوقفة التي وقفتها لجنة العريضة الشعبية، وخصوصاً رموز معينة منها أحمد الشملان الذي كان له دور فاعل لا يستطيع أحد أن يقيده اليوم، ولكن عندما خرجت قيادات المبادرة وأرادت أن تخلق حالاً من الوحدة الوطنية، دعت إلى إقامة ندوة مركزية في عالي يشترك فيها كل من الشيخ عبداللطيف المحمود، وعبدالوهاب حسين، ولم يُدعَ أيٌ من الوطنيين الذين وقفوا وقفة صارمة مع العريضة، فكانت النظرة السائدة في ذلك الوقت تتدرج من الطائفة، وإن نزلت فتنزل إلى «المسلمين»، وكأن الوطنيين هم خارج حظيرة الإسلام... هذه الندوة لم تُقم لأن قوات الأمن منعتها، ولكنني أوردها لرمزيتها في إحداث حال الوفاق الوطني، ونظرة «المبادرة» إليه، وهذه من الأخطاء التي وقعت فيها الحركة، وما بقي من لجنة العريضة إلا أن يزورها عبدالوهاب حسين مثلاً، أو أن يذكرها في مجلس أو خطبة».
ويرجع هاشم سبب إعادة اعتقال قيادات «المبادرة»، لأنها لم تحقق الشق الأمني المرتجى منها من قبل النظام، فلم يفرج النظام عن كل المعتقلين كما كان متفقاً عليه، وبالتالي، وجدت جماعة المبادرة أن الشارع لايزال يغلي، فإما أن تقوده وهو في حال الغليان تلك، وإما أن تنحى، وفي كلتا الحالين، فإنها لا تستطيع الإيفاء بالشروط التي اتفق عليها في السجن.
تسارعت الحوادث مع نهاية 1995، وازداد التواجد الأمني، وعادت الاعتقالات، وفي مطلع العام 1996 اشتدت الأمور كثيراً، وبدا واضحاً أن الحكومة اعتبرت نفسها في حل من أي اتفاق مع «جماعة المبادرة».
في 20 يناير 1996 فرضت قوات الأمن الحصار المنزلي مرة أخرى على الشيخ الجمري، وعادت مظاهر الاشتباكات والمصادمات والاعتقالات مرة أخرى للساحة. وفي 21 يناير 1996 أعيد اعتقال الشيخ الجمري وتبدأ مرحلة قاسية من مراحل الانتفاضة لم تشهد لها البحرين مثيلاً من قبل.
العدد 2251 الثلثاء 4 نوفمبر 2008 الموافق 6 ذو القعدة 1429 هــ
- 10 - 6
بني جمرة - الوسط -
قالت زوجة الشيخ عبدالامير الجمري، ام جميل أن ما قاله العقيد السابق عادل فليفل "ليس صحيحا"، واكدت انها كانت عن قرب من المعاناة التي فرضها فليفل على الشيخ الجمري عندما "وضعه في سجن انفرادي لأكثر من تسعة شهور ولم نكن نعرف عنه اي شيء ومنع عنه كل الاتصالات التي كانت مسموحة لباقي السجناء". وقالت ان الشيخ الجمري اخبرها بجميع الضغوط التي تعرض لها اثناء الاعتقال والتحقيق بما في ذلك حرمانه من المكيف ووضعه في زنزانة غير مكيفة لمدة ايام، والتحقيق معه تحت اسلوب بالغ الشراسة والاهانة "وتهديده باعتقالي واعتقال باقي افراد اسرته، بالاضافة إلى جره من ثيابه وتفتيشه بأسلوب مهين عندما كان فليفل يسمح لنا بزيارة مرة كل عدة اشهر".
وقالت ان فليفل قام "بأعمال غير انسانية اثناء الحصارين اللذين فرضهما على المنزل في 1995 لمدة اسبوعين وفي 1999 لمدة سنة وسبعة شهور، وكان يمنع دخول اي شخص إلى منزلنا ويهددنا باستمرار".
وقالت ان "الشيخ الجمري لم يتم تعليقه وضربه كما حدث لابني محمد جميل وزوج ابنتي عبد الجليل، اللذين حرما من النوم وتم تعليقهما وضربهما باشراف مباشر من العقيد فليفل". "وكنت عندما زرت ولدي محمد جميل بعد اربعة شهور من اعتقاله لم اصدق انه ابني لشدة ما اصابه من التعذيب الذي يؤكد ان من قام به واشرف عليه هو فليفل فقد كان يحرمه من النوم والذهاب إلى الحمام ويجبره على الوقوف معصوب العينين لأيام عدة". وعلقت قائلة: "كان من الاجدر لمن ارتكب كل هذه الانتهاكات ان يعترف بها ويعتذر للشعب بدلا من وضع الملح على الجرح من خلال الكذب وادعاء المعاملة الحسنة لمن وقعوا تحت يده، فنحن من العوائل التي تسلط عليها ونعلم طبيعته ولا يمكنه غشنا او غش العوائل البحرينية الاخرى التي اضطهدها باسم الحفاظ على امن الدولة".
بني جمرة - الوسط -
قالت زوجة الشيخ عبدالامير الجمري، ام جميل أن ما قاله العقيد السابق عادل فليفل "ليس صحيحا"، واكدت انها كانت عن قرب من المعاناة التي فرضها فليفل على الشيخ الجمري عندما "وضعه في سجن انفرادي لأكثر من تسعة شهور ولم نكن نعرف عنه اي شيء ومنع عنه كل الاتصالات التي كانت مسموحة لباقي السجناء". وقالت ان الشيخ الجمري اخبرها بجميع الضغوط التي تعرض لها اثناء الاعتقال والتحقيق بما في ذلك حرمانه من المكيف ووضعه في زنزانة غير مكيفة لمدة ايام، والتحقيق معه تحت اسلوب بالغ الشراسة والاهانة "وتهديده باعتقالي واعتقال باقي افراد اسرته، بالاضافة إلى جره من ثيابه وتفتيشه بأسلوب مهين عندما كان فليفل يسمح لنا بزيارة مرة كل عدة اشهر".
وقالت ان فليفل قام "بأعمال غير انسانية اثناء الحصارين اللذين فرضهما على المنزل في 1995 لمدة اسبوعين وفي 1999 لمدة سنة وسبعة شهور، وكان يمنع دخول اي شخص إلى منزلنا ويهددنا باستمرار".
وقالت ان "الشيخ الجمري لم يتم تعليقه وضربه كما حدث لابني محمد جميل وزوج ابنتي عبد الجليل، اللذين حرما من النوم وتم تعليقهما وضربهما باشراف مباشر من العقيد فليفل". "وكنت عندما زرت ولدي محمد جميل بعد اربعة شهور من اعتقاله لم اصدق انه ابني لشدة ما اصابه من التعذيب الذي يؤكد ان من قام به واشرف عليه هو فليفل فقد كان يحرمه من النوم والذهاب إلى الحمام ويجبره على الوقوف معصوب العينين لأيام عدة". وعلقت قائلة: "كان من الاجدر لمن ارتكب كل هذه الانتهاكات ان يعترف بها ويعتذر للشعب بدلا من وضع الملح على الجرح من خلال الكذب وادعاء المعاملة الحسنة لمن وقعوا تحت يده، فنحن من العوائل التي تسلط عليها ونعلم طبيعته ولا يمكنه غشنا او غش العوائل البحرينية الاخرى التي اضطهدها باسم الحفاظ على امن الدولة".
Friday, May 2, 2008
إلى سميرة رجب
إلى سميرة رجب
أختي سميرة : بادئ ذي بدء أسألك عن هدفك من الهجوم الذي قمت به على طائفة كبيرة من الوطن ، هل هو لصلاح الوطن ؟ و كيف ؟ لقد قلت سابقا كلاما جميلا و لكنك لم تطبقيه عندما قلت بأنك قبل تناول أي موضوع تبحثين في نتائجه ، و الصدى الذي يحدثه ، و هل هو لمصلحة الوطن أم لا ، فهل ما فعلته الآن لمصلحة الوطن و يجمع اللحمة الوطنية أم يفتتها و يدفع باتجاه التناحر ؟ لقد ملئت المنتديات الإلكترونية بين مطبل لك و راد عليك ، و وضعتينا في حيرة هل نصحح لك أفكارك أمانة للتاريخ و إيضاحا للمراقب الذي قد تختلط عليه الصورة عند السكوت أم نرد و نكون قد وقعنا معك في الفخ الطائفي الذي نترفع عنه ؟ مع أن الطرح الذي أثرتيه ليس بجديد ما فتأت بعض الصحف أن تتخذه رسالة لها على عاتقها أن تحققها و لكن الجديد هذه المرة هو التوقيت بعد انتقاد دول كبرى مثل أمريكا و بريطانيا لسياسة الحكومة تجاه هذه الطائفة و ادعائك بامتلاك شهادات و أدلة موثقة ، و قبل أن أناقش ما طرحته أود أن أسالك بضعة أسئلة :
هل أن كل الاتهامات و الشكوك التي طرحتها تلغي حق أفراد هذه الطائفة في المساواة بأخوانهم السنة في حقهم في نسبة التمثيل الانتخابية ؟ و هل تضع كل فرد منهم في دائرة الاتهام منذ أن يولد حتى يثبت براءته ؟ هل تلغى وطنيته و يحتاج إثباتها إلى برهان و ينفى نسبه و عرقه و ينسب تشهيا لبلد أجنبي ؟ إن دوافع هذا الطرح الذي تبنيته و قبلك التيار شبه الرسمي لو تأملتها لما وجدتها تستند على المنطق السليم بل المبني على مشاعر مشحونة فكون الشيعة ( البحارنة ) في البحرين يمثلون النسبة الأكبر( و هذه لا يحتاج اثباتها إلى برهان فالماء يكذب الغطاس و حمى التجنيس الحكومية تفضح هاجس عقدة الأكثرية و كذلك توزيعها للدوائر و تكفي دلالة نسبة عدد الأصوات التي حصلت عليها المعارضة كانت 63 % من مجموع الأصوات كلها مع أنه ليست كل أطياف المعارضة شاركت في الانتخابات و في المقابل فإن غير المعارضة كلهم مشاركون و مضاف إليهم مراكز التصويت الخارجية و المجنسون ) ، و كونهم أصليين ( و هذه أيضا من المضحك المحاولات شبه الرسمية الحالية لتحريفها تأريخيا فهو صعب جدا تحريفه بسبب الدلالات الواقعية الكثيرة و التاريخية الموثقة من قبل غير أهل البحرين قبل أهلها أبسطها قول الرحالة المؤرخ الشهير ياقوت الحموي المتوفي سنة 1228م في كتابه معجم البلدان (إن جل البحرين من الرافضة إلا ما ندر )
، و ظهور قوة اقليمية شيعية كبيرة في المنطقة ، كل ذلك لا يبرر وضع كل من ينتمي لهذه الطائفة في قفص الاتهام و يبرر التمييز ضده و حرمانه من حقوقه ، و حتى لو فرضنا جدلا صحة اتهامهم فحقهم كمواطنين يبقى لا يمكن أن ينتزع فهم ليسوا مجنسين يكتسبون الحقوق بالجنسية بل قدماء قدم ( أوال ) ، و قد أثبتوا تاريخيا مرارا استعدادهم للتصالح مع الحكم ( و لا أقول مع أخوانهم السنة فالحكم غير و هم متمازجون في معظم التاريخ مع إخوانهم السنة إلا إذا لعبت السلطة لعبتها في بعض الأحيان من باب( فرق تسد) كما هو حاصل حاليا ) و تفضيله عما سواه شريطة العدل كما حدث في الاستفتاء الذي أجرته الأمم المتحدة في العام 1971 و خيرتهم بين التبعية لإيران الشيعية أو البقاء على حكم آل خليفة ففضلوهم حبا في استقلال الوطن ، ثم أنه عندما كان دستور 73 فيه مساواة في حق التمثيل الانتخابي و دخلوا بالنسبة الكبرى في البرلمان ماذا جنوا ؟ هل أفرز البرلمان حينها ما يسيء للوطن أو لأخوانهم السنة ؟ على العكس بل لم يحدث أي تصادم داخل البرلمان بين السنة و الشيعة بل أن بعض النواب الشيعة كانوا ممثلين للقرى السنية و خدموها على أحسن ما يكون كما يعاملون قراهم الشيعية ( و أقصد نيابة الجمري عن البديع ) و اسألي الآباء الذين عاصروا تلك الفترة فمازالوا أحياء ، إن كل الضرر الذي حدث من مساواة المواطنين حينها وقع على الحكومة عندما اتحدوا في ثلاثة أمور ( و هذا الكلام أنقله نصا عن الجمري (ره): "1- استجواب الوزراء 2- مناقشة مخصصات الأمير المالية 3- الوقوف ضد قانون أمن الدولة ) فالمساواة بين الشيعة و السنة لم تضر الوحدة الوطنية بل كانوا إخوانا و إنما أضرت بمصالح السلطة في الصميم ، و لتتذكري الفرحة التي عمت البلد بداية الإصلاح و كيف استقبل أهالي سترة الملك و رحبوا به تماما كما يسقبلون أعز رموزهم الوطنية بصورة لم يضاههم بها أحد و لا حتى القرى السنية و أشرطة الفيديو لا زالت موجودة لدى تلفزيون البحرين إن أردت المقارنة ، أما قولك بأن رفسنجاني ذكر لك بأنهم يمولون الحركات الخارجية فهذه أكبر مغالطة يعرفها كل من كان مطلعا على شؤون السياسة في الخليج و إيران منذ بداية الثورة فمعروف عن رفسنجاني وقوفه الشديد ضد (تصدير الثورة) و من خلفه آية الله الخميني (قدس سره) الذي قال بصريح العبارة أكثر من مرة في خطبه التي لازالت تبث سنويا في ذكرى وفاته فيقول رادا على من يسألون العون من المستضعفين في الدول الأخرى بغض النظر عن كونهم سنة أو شيعة حيث أن المخاطبين كان جمع غفير من خطباء و أئمة المساجد في العالم الإسلامي من أفريقيا و آسيا ، ممن ينطقون العربية و من لا ينطقونها ، فقال لهم (كثيرون يسألوننا العون فنقول ، اعتمدوا على أنفسكم ) ثم ألم تسمعي بالخلافات الكبيرة التي حدثت بينه و بين حاشية خليفته الأسبق آية الله منتظري وعلى إثرها أقاله من خلافته و كان من ضمن نقاط الخلاف هو احتضان حاشية الشيخ المنتظري (دام ظله ) لحركات التحرر في العالم الإسلامي فتم إيقاف عملها . أما قولك عن التظاهر بالفقر فإنني أشك بأنك يوما ما نزلت لمستوى الفقراء ( سنة أو شيعة ) و اندمجت معهم و تعرفت عليهم عن كثب و أكتفي هنا بقول الدكتور (الرميحي)(1976م) : «ان الشيعة هي الفئة المقهورة في المجتمع، ومنذ بداية هذا القرن الى وقت متأخر نسبياً فإنهم لم يكونوا يقومون بأعمال هامة في المجتمع، إذ أن أغلبهم كان وما يزال فقيراً»
أما اتهامك لجمعية الوفاق بالطائفية ، استنادا على قول الأستاذ عبد الوهاب حسين ، فلعلمك –إن لم تعلمي بعد- أقول لك بأنه منسحب من الوفاق منذ بدايتها و لم يستلم فيها منصبا قط فكيف تأخذين تصريحا ممن لا ينتمي لها ؟ هذا أولا و ثانيا : تقاس طائفية أي حزب أو حركة بأمرين :1- شروط الانضمام ، 2- البرنامج ، أما الشروط فاطلعي على اللائحة فلا شرط فيها للمذهب و قد حرصنا على ذلك بل و دعونا من البداية الأخوان السنة للانضمام و دعوناهم للقاء التعريفي الذي تم بصالة شهرزاد سنة 2002م و حضروا و عرضنا عليهم البرنامج والانضمام و طلبنا مقترحاتهم فلم نلق تجاوبا ، أما بخصوص البرنامج و الذي انطبعت به أنشطة الوفاق فهو يطالب بمطالب وطنية لا أثر فيها للمذهبية اللهم إلا إذا اعتبرت مطالبته بدستور عقدي و عدالة توزيع الدوائر و القضاء على الفقر و البطالة و حل مشكلة الأراضي و الإسكان و وقف التجنيس السياسي و الحفاظ على البيئة و السواحل و محاربة الفساد المالي و الإداري ، إلا إذا اعتبرت هذه الملفات خاصة بالشيعة ، نحن معك في شيء واحد ، هوأن يأتي اليوم الذي نرى فيه السنة و الشيعة متمازجين تماما بحيث حتى لو كان القانون يفصلهم فإنهم يلوون ذراعه و يتمازجون و لكن هذا يحتاج لقاعدة من النخب التي تقود هذا التيار لا أن تقود عكسه ، أما عن ذكرك لدولة القانون و المؤسسات و الدولة الدينية ، فهذه الإشكالية عمليا منحلة لأن المرجعية الفكرية الدينية النظرية حلتها بأن شرعنت التعامل بدولة المؤسسات ( حسب نظرية آية الله محمد حسين النائيني في الحكم ) و الذي يرى بأن الحكم يكون بالمؤسسات ، بعكس نظرية ولاية الفقيه التي لا تتبع إلا في إيران ، و بالمناسبة فإن الرموز الإسلامية الشيعية الفاعلة في الساحة الحالية و السائدة ، هي نفسها منذ الاستقلال و لحد الآن و هي الشيخ عيس قاسم (دام ظله ) و المرحومين الشيخ الجمري و الشيخ المدني و هي قبل الثورة الإسلامية و درست في حوزة النجف فهل صنعتها جمهورية إيران كما تدعين التي بدأت في العام 79م ؟ و سياستها منذ البداية هي إياها : دعوة لتطبيق الدستور و الإصلاح الإداري و المعيشي ، و التربوي الأخلاقي ، و ما استجد في التسعينات هو فقط عمل العريضة مع الأطياف الوطنية الأخرى فهل لو تفردت لكانت في نظرك صادقة و عندما لم تتفرد أصبحت محتالة و مخادعة ؟ ثم ما شأننا و العراق لتربطي البلد غصبا به ؟ العراق ابتلع الطعم الطائفي ، خلص من الطاغية الأكبر ليحترق بالحرب الطائفية المدبرة أمريكيا عندما عرضت لعبة المحاصصة للشيعة من جانب ، و فتحت الباب لأفواج المنتمين للقاعدة من جانب آخر ، لتحرق البلد و تضمن استمرار سيطرتها ، فهل تريدين إلباس أهل البحرين غصبا هذا اللباس و توزعين نفس الأدوار عليهم ؟ , هل يعجبك ما حدث في العراق ؟ ثم من طلب المحاصصة ؟ كل ما يسأل عنه هو: العدالة و تجريم التمييز و محاربة المتورطين بكل شفافية دونما عوائق ، و بالمناسبة ذكرت نسبا عن توزيع الشيعة كأطباء و محامين و غيرهم و أذكرك بأن العبرة ليس بالانتشار و إنما بالتمكين ، و مع ذلك أقول لك بأننا لانسعى للتمكين على أساس المذهب و إنما الكفاءة و ألا يستثنى كفوء بسبب مذهبه ، أما عن الأرقام التي ذكرت بأنها كاذبة ، ألم يعلن الشيخ أحمد عطية الله نفسه في بداية هذا العام عن أن التعداد السكاني أصبح ينيف على المليون في حين طوال هذه المدة كان الرقم المعلن ينيف على النصف مليون و هو الذي أثار ضجة كبرى عند الشيعة و السنة على السواء فالتجنيس لعلملك يحقق حسابات السلطة و لكنه أساء لأخواننا السنة أكثر منا و اسأليهم عن معاناتهم ، و عندما سأل رؤساء الصحف في اجتماع لهم مع وزير الداخلية عن حجم التجنيس لم ينكر و قال بأنه يتم حسب القانون ( الذي وضعوه هم ) 700 شخص في الشهر، ( و للمقارنة في الكويت يجنس خمسون فردا فقط في العام ) ، أما عن الدول التي شجبت التمييز في جنيف و المنظمات الدولية التي طعنت في مصداقيتها و مستوى أدائها فببساطة لوكانت نتائجها مخالفة لهواك لأيدتها و هي التي تنزل للميدان و تتقصى طويلا ثم أنها لا مصلحة لديها ضد البحرين فالبحرين بتصريح سمو ولي العهد حليف استراتيجي لأمريكا . أما عن أطماع إيران فحتى لو سلمنا جدلا بصحتها في البحرين فهذا شأنهم ليرغبوا بما يشاءون و نحن نقرر في بلدنا ما نشاء و لو أردنا لفعلنا في العام 71م إبان التصويت و من يريد أن يرهن نفسه لبلد أجنبي ؟ و لكن على السلطة في ذات الوقت أن تسد الثغرات إن كانت متوجسة لهذا الحد ، و أما عن قولك أنه في التربية الشيعية العداء للحاكم السني ابتداء ، فأسألك إن كان كذلك فكيف تم الترحيب بالأسرة الحاكمة عندما دخلت البحرين العام 1783م ؟ و ما حدث في استفتاء 71م ؟ و في الاستقبالات الجماهيرية للملك في القرى العام 2002م ؟ هل أجبرهم أحد على استقباله و حمل سيارته ابتهاجا ؟ أما عن قولك أن بعض المأتم خلايا نائمة : فليتك تسمين لنا و لو واحدا منها ، ثم أنك وصفت الشيعة بالتنظيم الشديد و توزع الأدوار و شبهتهم باليهود ( و هذه كبيرة) ، إذا كانوا كذلك فلماذا لم يسودوا العالم لحد الآن كما ساد اليهود منذ زمن ؟
ثم لست أدري علام إصرارك على بعث الدولة الصفوية من جديد و نسيانك للأيوبية التي عملت ذات العمل و لكن في الاتجاه الآخر فهؤلاء شيعوا إيران بالقوة و أولئك سننوا مصر بالقوة ، هل من الوطنية أن نبحث عن القنابل الملغومة في التاريخ و ما أكثرها و نعيد تفجيرها ؟ أم نتصالح مع الماضي و مع بعضنا و نعيد بناء بلدنا على أسس جديدة عادلة تنظر للمستقبل فقط و لا تأخذ من الماضي إلا ما هو بناء ؟ .
عفاف الجمري . Afaf39474225@gmail.com
أختي سميرة : بادئ ذي بدء أسألك عن هدفك من الهجوم الذي قمت به على طائفة كبيرة من الوطن ، هل هو لصلاح الوطن ؟ و كيف ؟ لقد قلت سابقا كلاما جميلا و لكنك لم تطبقيه عندما قلت بأنك قبل تناول أي موضوع تبحثين في نتائجه ، و الصدى الذي يحدثه ، و هل هو لمصلحة الوطن أم لا ، فهل ما فعلته الآن لمصلحة الوطن و يجمع اللحمة الوطنية أم يفتتها و يدفع باتجاه التناحر ؟ لقد ملئت المنتديات الإلكترونية بين مطبل لك و راد عليك ، و وضعتينا في حيرة هل نصحح لك أفكارك أمانة للتاريخ و إيضاحا للمراقب الذي قد تختلط عليه الصورة عند السكوت أم نرد و نكون قد وقعنا معك في الفخ الطائفي الذي نترفع عنه ؟ مع أن الطرح الذي أثرتيه ليس بجديد ما فتأت بعض الصحف أن تتخذه رسالة لها على عاتقها أن تحققها و لكن الجديد هذه المرة هو التوقيت بعد انتقاد دول كبرى مثل أمريكا و بريطانيا لسياسة الحكومة تجاه هذه الطائفة و ادعائك بامتلاك شهادات و أدلة موثقة ، و قبل أن أناقش ما طرحته أود أن أسالك بضعة أسئلة :
هل أن كل الاتهامات و الشكوك التي طرحتها تلغي حق أفراد هذه الطائفة في المساواة بأخوانهم السنة في حقهم في نسبة التمثيل الانتخابية ؟ و هل تضع كل فرد منهم في دائرة الاتهام منذ أن يولد حتى يثبت براءته ؟ هل تلغى وطنيته و يحتاج إثباتها إلى برهان و ينفى نسبه و عرقه و ينسب تشهيا لبلد أجنبي ؟ إن دوافع هذا الطرح الذي تبنيته و قبلك التيار شبه الرسمي لو تأملتها لما وجدتها تستند على المنطق السليم بل المبني على مشاعر مشحونة فكون الشيعة ( البحارنة ) في البحرين يمثلون النسبة الأكبر( و هذه لا يحتاج اثباتها إلى برهان فالماء يكذب الغطاس و حمى التجنيس الحكومية تفضح هاجس عقدة الأكثرية و كذلك توزيعها للدوائر و تكفي دلالة نسبة عدد الأصوات التي حصلت عليها المعارضة كانت 63 % من مجموع الأصوات كلها مع أنه ليست كل أطياف المعارضة شاركت في الانتخابات و في المقابل فإن غير المعارضة كلهم مشاركون و مضاف إليهم مراكز التصويت الخارجية و المجنسون ) ، و كونهم أصليين ( و هذه أيضا من المضحك المحاولات شبه الرسمية الحالية لتحريفها تأريخيا فهو صعب جدا تحريفه بسبب الدلالات الواقعية الكثيرة و التاريخية الموثقة من قبل غير أهل البحرين قبل أهلها أبسطها قول الرحالة المؤرخ الشهير ياقوت الحموي المتوفي سنة 1228م في كتابه معجم البلدان (إن جل البحرين من الرافضة إلا ما ندر )
، و ظهور قوة اقليمية شيعية كبيرة في المنطقة ، كل ذلك لا يبرر وضع كل من ينتمي لهذه الطائفة في قفص الاتهام و يبرر التمييز ضده و حرمانه من حقوقه ، و حتى لو فرضنا جدلا صحة اتهامهم فحقهم كمواطنين يبقى لا يمكن أن ينتزع فهم ليسوا مجنسين يكتسبون الحقوق بالجنسية بل قدماء قدم ( أوال ) ، و قد أثبتوا تاريخيا مرارا استعدادهم للتصالح مع الحكم ( و لا أقول مع أخوانهم السنة فالحكم غير و هم متمازجون في معظم التاريخ مع إخوانهم السنة إلا إذا لعبت السلطة لعبتها في بعض الأحيان من باب( فرق تسد) كما هو حاصل حاليا ) و تفضيله عما سواه شريطة العدل كما حدث في الاستفتاء الذي أجرته الأمم المتحدة في العام 1971 و خيرتهم بين التبعية لإيران الشيعية أو البقاء على حكم آل خليفة ففضلوهم حبا في استقلال الوطن ، ثم أنه عندما كان دستور 73 فيه مساواة في حق التمثيل الانتخابي و دخلوا بالنسبة الكبرى في البرلمان ماذا جنوا ؟ هل أفرز البرلمان حينها ما يسيء للوطن أو لأخوانهم السنة ؟ على العكس بل لم يحدث أي تصادم داخل البرلمان بين السنة و الشيعة بل أن بعض النواب الشيعة كانوا ممثلين للقرى السنية و خدموها على أحسن ما يكون كما يعاملون قراهم الشيعية ( و أقصد نيابة الجمري عن البديع ) و اسألي الآباء الذين عاصروا تلك الفترة فمازالوا أحياء ، إن كل الضرر الذي حدث من مساواة المواطنين حينها وقع على الحكومة عندما اتحدوا في ثلاثة أمور ( و هذا الكلام أنقله نصا عن الجمري (ره): "1- استجواب الوزراء 2- مناقشة مخصصات الأمير المالية 3- الوقوف ضد قانون أمن الدولة ) فالمساواة بين الشيعة و السنة لم تضر الوحدة الوطنية بل كانوا إخوانا و إنما أضرت بمصالح السلطة في الصميم ، و لتتذكري الفرحة التي عمت البلد بداية الإصلاح و كيف استقبل أهالي سترة الملك و رحبوا به تماما كما يسقبلون أعز رموزهم الوطنية بصورة لم يضاههم بها أحد و لا حتى القرى السنية و أشرطة الفيديو لا زالت موجودة لدى تلفزيون البحرين إن أردت المقارنة ، أما قولك بأن رفسنجاني ذكر لك بأنهم يمولون الحركات الخارجية فهذه أكبر مغالطة يعرفها كل من كان مطلعا على شؤون السياسة في الخليج و إيران منذ بداية الثورة فمعروف عن رفسنجاني وقوفه الشديد ضد (تصدير الثورة) و من خلفه آية الله الخميني (قدس سره) الذي قال بصريح العبارة أكثر من مرة في خطبه التي لازالت تبث سنويا في ذكرى وفاته فيقول رادا على من يسألون العون من المستضعفين في الدول الأخرى بغض النظر عن كونهم سنة أو شيعة حيث أن المخاطبين كان جمع غفير من خطباء و أئمة المساجد في العالم الإسلامي من أفريقيا و آسيا ، ممن ينطقون العربية و من لا ينطقونها ، فقال لهم (كثيرون يسألوننا العون فنقول ، اعتمدوا على أنفسكم ) ثم ألم تسمعي بالخلافات الكبيرة التي حدثت بينه و بين حاشية خليفته الأسبق آية الله منتظري وعلى إثرها أقاله من خلافته و كان من ضمن نقاط الخلاف هو احتضان حاشية الشيخ المنتظري (دام ظله ) لحركات التحرر في العالم الإسلامي فتم إيقاف عملها . أما قولك عن التظاهر بالفقر فإنني أشك بأنك يوما ما نزلت لمستوى الفقراء ( سنة أو شيعة ) و اندمجت معهم و تعرفت عليهم عن كثب و أكتفي هنا بقول الدكتور (الرميحي)(1976م) : «ان الشيعة هي الفئة المقهورة في المجتمع، ومنذ بداية هذا القرن الى وقت متأخر نسبياً فإنهم لم يكونوا يقومون بأعمال هامة في المجتمع، إذ أن أغلبهم كان وما يزال فقيراً»
أما اتهامك لجمعية الوفاق بالطائفية ، استنادا على قول الأستاذ عبد الوهاب حسين ، فلعلمك –إن لم تعلمي بعد- أقول لك بأنه منسحب من الوفاق منذ بدايتها و لم يستلم فيها منصبا قط فكيف تأخذين تصريحا ممن لا ينتمي لها ؟ هذا أولا و ثانيا : تقاس طائفية أي حزب أو حركة بأمرين :1- شروط الانضمام ، 2- البرنامج ، أما الشروط فاطلعي على اللائحة فلا شرط فيها للمذهب و قد حرصنا على ذلك بل و دعونا من البداية الأخوان السنة للانضمام و دعوناهم للقاء التعريفي الذي تم بصالة شهرزاد سنة 2002م و حضروا و عرضنا عليهم البرنامج والانضمام و طلبنا مقترحاتهم فلم نلق تجاوبا ، أما بخصوص البرنامج و الذي انطبعت به أنشطة الوفاق فهو يطالب بمطالب وطنية لا أثر فيها للمذهبية اللهم إلا إذا اعتبرت مطالبته بدستور عقدي و عدالة توزيع الدوائر و القضاء على الفقر و البطالة و حل مشكلة الأراضي و الإسكان و وقف التجنيس السياسي و الحفاظ على البيئة و السواحل و محاربة الفساد المالي و الإداري ، إلا إذا اعتبرت هذه الملفات خاصة بالشيعة ، نحن معك في شيء واحد ، هوأن يأتي اليوم الذي نرى فيه السنة و الشيعة متمازجين تماما بحيث حتى لو كان القانون يفصلهم فإنهم يلوون ذراعه و يتمازجون و لكن هذا يحتاج لقاعدة من النخب التي تقود هذا التيار لا أن تقود عكسه ، أما عن ذكرك لدولة القانون و المؤسسات و الدولة الدينية ، فهذه الإشكالية عمليا منحلة لأن المرجعية الفكرية الدينية النظرية حلتها بأن شرعنت التعامل بدولة المؤسسات ( حسب نظرية آية الله محمد حسين النائيني في الحكم ) و الذي يرى بأن الحكم يكون بالمؤسسات ، بعكس نظرية ولاية الفقيه التي لا تتبع إلا في إيران ، و بالمناسبة فإن الرموز الإسلامية الشيعية الفاعلة في الساحة الحالية و السائدة ، هي نفسها منذ الاستقلال و لحد الآن و هي الشيخ عيس قاسم (دام ظله ) و المرحومين الشيخ الجمري و الشيخ المدني و هي قبل الثورة الإسلامية و درست في حوزة النجف فهل صنعتها جمهورية إيران كما تدعين التي بدأت في العام 79م ؟ و سياستها منذ البداية هي إياها : دعوة لتطبيق الدستور و الإصلاح الإداري و المعيشي ، و التربوي الأخلاقي ، و ما استجد في التسعينات هو فقط عمل العريضة مع الأطياف الوطنية الأخرى فهل لو تفردت لكانت في نظرك صادقة و عندما لم تتفرد أصبحت محتالة و مخادعة ؟ ثم ما شأننا و العراق لتربطي البلد غصبا به ؟ العراق ابتلع الطعم الطائفي ، خلص من الطاغية الأكبر ليحترق بالحرب الطائفية المدبرة أمريكيا عندما عرضت لعبة المحاصصة للشيعة من جانب ، و فتحت الباب لأفواج المنتمين للقاعدة من جانب آخر ، لتحرق البلد و تضمن استمرار سيطرتها ، فهل تريدين إلباس أهل البحرين غصبا هذا اللباس و توزعين نفس الأدوار عليهم ؟ , هل يعجبك ما حدث في العراق ؟ ثم من طلب المحاصصة ؟ كل ما يسأل عنه هو: العدالة و تجريم التمييز و محاربة المتورطين بكل شفافية دونما عوائق ، و بالمناسبة ذكرت نسبا عن توزيع الشيعة كأطباء و محامين و غيرهم و أذكرك بأن العبرة ليس بالانتشار و إنما بالتمكين ، و مع ذلك أقول لك بأننا لانسعى للتمكين على أساس المذهب و إنما الكفاءة و ألا يستثنى كفوء بسبب مذهبه ، أما عن الأرقام التي ذكرت بأنها كاذبة ، ألم يعلن الشيخ أحمد عطية الله نفسه في بداية هذا العام عن أن التعداد السكاني أصبح ينيف على المليون في حين طوال هذه المدة كان الرقم المعلن ينيف على النصف مليون و هو الذي أثار ضجة كبرى عند الشيعة و السنة على السواء فالتجنيس لعلملك يحقق حسابات السلطة و لكنه أساء لأخواننا السنة أكثر منا و اسأليهم عن معاناتهم ، و عندما سأل رؤساء الصحف في اجتماع لهم مع وزير الداخلية عن حجم التجنيس لم ينكر و قال بأنه يتم حسب القانون ( الذي وضعوه هم ) 700 شخص في الشهر، ( و للمقارنة في الكويت يجنس خمسون فردا فقط في العام ) ، أما عن الدول التي شجبت التمييز في جنيف و المنظمات الدولية التي طعنت في مصداقيتها و مستوى أدائها فببساطة لوكانت نتائجها مخالفة لهواك لأيدتها و هي التي تنزل للميدان و تتقصى طويلا ثم أنها لا مصلحة لديها ضد البحرين فالبحرين بتصريح سمو ولي العهد حليف استراتيجي لأمريكا . أما عن أطماع إيران فحتى لو سلمنا جدلا بصحتها في البحرين فهذا شأنهم ليرغبوا بما يشاءون و نحن نقرر في بلدنا ما نشاء و لو أردنا لفعلنا في العام 71م إبان التصويت و من يريد أن يرهن نفسه لبلد أجنبي ؟ و لكن على السلطة في ذات الوقت أن تسد الثغرات إن كانت متوجسة لهذا الحد ، و أما عن قولك أنه في التربية الشيعية العداء للحاكم السني ابتداء ، فأسألك إن كان كذلك فكيف تم الترحيب بالأسرة الحاكمة عندما دخلت البحرين العام 1783م ؟ و ما حدث في استفتاء 71م ؟ و في الاستقبالات الجماهيرية للملك في القرى العام 2002م ؟ هل أجبرهم أحد على استقباله و حمل سيارته ابتهاجا ؟ أما عن قولك أن بعض المأتم خلايا نائمة : فليتك تسمين لنا و لو واحدا منها ، ثم أنك وصفت الشيعة بالتنظيم الشديد و توزع الأدوار و شبهتهم باليهود ( و هذه كبيرة) ، إذا كانوا كذلك فلماذا لم يسودوا العالم لحد الآن كما ساد اليهود منذ زمن ؟
ثم لست أدري علام إصرارك على بعث الدولة الصفوية من جديد و نسيانك للأيوبية التي عملت ذات العمل و لكن في الاتجاه الآخر فهؤلاء شيعوا إيران بالقوة و أولئك سننوا مصر بالقوة ، هل من الوطنية أن نبحث عن القنابل الملغومة في التاريخ و ما أكثرها و نعيد تفجيرها ؟ أم نتصالح مع الماضي و مع بعضنا و نعيد بناء بلدنا على أسس جديدة عادلة تنظر للمستقبل فقط و لا تأخذ من الماضي إلا ما هو بناء ؟ .
عفاف الجمري . Afaf39474225@gmail.com
Saturday, April 19, 2008
في ذكرى الميثاق
في ذكرى الميثاق
عفاف الجمري
مثّل يوم 14 فبراير/ شباط من العام 2001 نقلة نوعية ونهاية لأزمة استمرت سنين طوالاً منذ حل البرلمان في العام 1975 مروراً بأزمات كبرى بين الشعب والحكومة وصلت إلى أوجها في التسعينات.
وبالعودة بالذاكرة إلى بوادر الانفراج أذكر عندما بدأ الأمر بإرسال مستشار جلالة الملك في ذلك الوقت الدكتور حسن فخرو للمغفور له الشيخ عبدالأمير الجمري أثناء الإقامة الجبرية ليخبره بنية الملك، فبدأت منذ ذلك الوقت اللقاءات بينه وبين جلالته لأجل التحاور بشأن الإصلاح وبدء صفحة جديدة. وقد اجتمع الشيخ حينها مع ممثلي قوى المعارضة بكل أطيافها ودارت حوارات حتى توصلوا للموافقة على قبول الميثاق ودعوة الشعب للتوقيع عليه بعد أن اشترطوا على السلطة إعطاء ضمانات موثقة بحاكمية دستور 1973 على الميثاق وجعل التشريع في المجلس النيابي فقط من دون الشورى ففعلت ذلك، إلا أن المعارضة في لندن ترددت كثيراً خوفاً من كون الأمر غير جدي أو فيه لعبة سياسية معينة، خصوصاً مع وجود بعض الجمل العائمة في الميثاق التي من الممكن إيجاد تطبيقات لها مخالفة لمطالب الشعب، فيكون الأمر على حسب تعبيرهم كأنه «إمضاء على ورقة شيك بيضاء» لكن أياً كان المحذور ومهما كان مقنعاً، فإن كلا الحكومة والشعب في ذلك الوقت كانوا في حاجة إلى الخروج من عنق الزجاجة، فمن ناحية الحكومة فإنها تريد الاستقرار أولاً، وتنصيع سمعتها الدولية ثانياً.
ومن ناحية الشعب، فإن غالبية أفراده في السجون أو المنفى، ومادامت الحكومة قد مدت يدها فإن المصلحة الوطنية هي الأهم وهي فرصة عليهم تجربتها. وتمت الموافقة فأصدر قادة المعارضة الأمر للشعب بالتوقيع بـ «نعم» على الميثاق فجاءت النسبة التاريخية المشهورة 4,98%، وطبعاً وفت الحكومة حينها وقابلت الإحسان بمثله فبيضت السجون للمرة الأولى من كل المعتقلين، وسمحت لجميع المبعدين بالعودة، وأطلق العنان لحرية الصحافة وعشنا حينها عرساً بكل معنى الكلمة.
في تلك الأيام أتذكر أن كثرة من المراسلين وممثلي المنظمات الدولية كانوا يقابلون الشيخ الجمري، وفي إحدى المرات بعد أن اجتمعت به مراسلة إحدى القنوات الأجنبية، جلست معي ودار حوار طويل فكنت أقول لها إن شعب البحرين بمنتهى الطيبة يسامح بسرعة وفي الوقت نفسه لا يطلب كثيراً، فعلى سبيل المثال فإن مدينة سترة لو مر بها «جيب شغب» قبل شهر من الآن لتم حرقه، أما الآن فإن الملك بنفسه بينهم وإذا بهم يخرجون جميعاً نساء ورجالاً وأطفالاً وحتى العجائز يهللون لاستقباله حتى حملوا سيارته بصورة لم يضاهيهم فيها أحد (لحد الآن) وأثلجوا قلبه، فضحكت المراسلة وقالت «هذه هي الصورة المعروفة عن العرب من خلال خبرتنا، فأهالي غزة كذلك يرضون بسرعة بالقليل ويتحولون من حالة المواجهة إلى الأفراح والاستقبال بالأحضان في طرفة عين».
ثم سألت «هل تعتقدين بأن التمييز الطائفي سينتهي إلى الأبد؟»، فقلت لها «هذا أمر صعب التأكد منه والجزم بشأنه منذ الآن». كان من الممكن أن تستمر هذه الأفراح لحد الآن، ولو سرنا على الوتيرة نفسها لكنا قد وصلنا الآن لمصاف أفضل الدول ديمقراطياً، فما سبب كل الانتكاسات التي بدأت بالتغيير غير المتوافق عليه للدستور والذي أسس لكل ما لحقه من انتكاسات، حيث أسس للتفرد بالتشريع، فتلاه التوزيع غير العادل للدوائر الانتخابية والقوانين المجحفة التي أخذت تمثل التفافاً على الميثاق وعودة للعهد السابق عليه، فمن قوانين الجمعيات والتجمعات والإرهاب إلى قانون الصحافة، هذا غير بقاء ملفات الفساد المالي والإداري والتمييز والمحسوبية على حالها بسبب تشوه آلية المحاسبة (البرلمان). أضف إلى ذلك كله التقرير المثير، وهذا كله طبعاً يسيء لسمعة الحكومة دولياً ويعيد حالة السخط الشعبي.
فقد جاء في تقرير مشترك لمؤسسة «كارنيغي» الأميركية غير الحكومية ومؤسسة «فرايد» الإسبانية عن مؤشرات الإصلاح السياسي في دول العالم، غطى التطورات حتى آخر ,2007 أن «التمييز في مملكة البحرين معمول به ضد الأجانب وضد المواطنين وضد المرأة بشكل واسع[1]».
وقد فصل التقرير كثيراً بشأن عدم استقلالية القضاء والتمييز الطائفي وعدم عدالة توزيع الدوائر وانخفاض مؤشر حرية الصحافة، وعن طريق منظمة «مراسلون بلا حدود»، فإن البحرين قد حصلت على المرتبة 118 من 169 بلداً، والمؤشر يمتد من المرتبة «1» (الأكثر حرية في الصحافة) إلى 169 (الأقل حرية). لقد افتقدنا أهم صمام أمان وهو الحوار بين الحكومة والمعارضة. فقد كان بداية الإصلاح بين الملك والشيخ الجمري ثم بعد فترة من الانتكاسة حدث ما يشبه الحوار بين جمعيات المعارضة الأربع وبين الحكومة ممثلة في وزير العمل، وهو غير جدي وكأنه لذر الرماد في العيون وانقطع، ولم نرَ شيئاً بعده. والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا حدثت هذه الانتكاسة في الإصلاح؟ ومن المسؤول؟ هل هي ضغوط خارجية على الحكومة؟ أم خلافات داخل البيت الواحد الحكومي؟ وإلى متى سيستمر هذا الانحدار؟ ألا من وقفة جريئة من مسؤول حكومي شجاع حكيم يشعر بقيمة هذه السفينة التي إن غرقت أغرقت الجميع معها فيعيد المسيرة إلى جادة الطريق؟
[1] يمكن قراءة التقرير في موقع مؤسسة «كارنيغي» على الإنترنت على الرابط: www.carnegieendowment.org
* كاتبة بحرينية
للتعليق والحوار مع الكاتبة: afaf39474225@gmail.com
عفاف الجمري
مثّل يوم 14 فبراير/ شباط من العام 2001 نقلة نوعية ونهاية لأزمة استمرت سنين طوالاً منذ حل البرلمان في العام 1975 مروراً بأزمات كبرى بين الشعب والحكومة وصلت إلى أوجها في التسعينات.
وبالعودة بالذاكرة إلى بوادر الانفراج أذكر عندما بدأ الأمر بإرسال مستشار جلالة الملك في ذلك الوقت الدكتور حسن فخرو للمغفور له الشيخ عبدالأمير الجمري أثناء الإقامة الجبرية ليخبره بنية الملك، فبدأت منذ ذلك الوقت اللقاءات بينه وبين جلالته لأجل التحاور بشأن الإصلاح وبدء صفحة جديدة. وقد اجتمع الشيخ حينها مع ممثلي قوى المعارضة بكل أطيافها ودارت حوارات حتى توصلوا للموافقة على قبول الميثاق ودعوة الشعب للتوقيع عليه بعد أن اشترطوا على السلطة إعطاء ضمانات موثقة بحاكمية دستور 1973 على الميثاق وجعل التشريع في المجلس النيابي فقط من دون الشورى ففعلت ذلك، إلا أن المعارضة في لندن ترددت كثيراً خوفاً من كون الأمر غير جدي أو فيه لعبة سياسية معينة، خصوصاً مع وجود بعض الجمل العائمة في الميثاق التي من الممكن إيجاد تطبيقات لها مخالفة لمطالب الشعب، فيكون الأمر على حسب تعبيرهم كأنه «إمضاء على ورقة شيك بيضاء» لكن أياً كان المحذور ومهما كان مقنعاً، فإن كلا الحكومة والشعب في ذلك الوقت كانوا في حاجة إلى الخروج من عنق الزجاجة، فمن ناحية الحكومة فإنها تريد الاستقرار أولاً، وتنصيع سمعتها الدولية ثانياً.
ومن ناحية الشعب، فإن غالبية أفراده في السجون أو المنفى، ومادامت الحكومة قد مدت يدها فإن المصلحة الوطنية هي الأهم وهي فرصة عليهم تجربتها. وتمت الموافقة فأصدر قادة المعارضة الأمر للشعب بالتوقيع بـ «نعم» على الميثاق فجاءت النسبة التاريخية المشهورة 4,98%، وطبعاً وفت الحكومة حينها وقابلت الإحسان بمثله فبيضت السجون للمرة الأولى من كل المعتقلين، وسمحت لجميع المبعدين بالعودة، وأطلق العنان لحرية الصحافة وعشنا حينها عرساً بكل معنى الكلمة.
في تلك الأيام أتذكر أن كثرة من المراسلين وممثلي المنظمات الدولية كانوا يقابلون الشيخ الجمري، وفي إحدى المرات بعد أن اجتمعت به مراسلة إحدى القنوات الأجنبية، جلست معي ودار حوار طويل فكنت أقول لها إن شعب البحرين بمنتهى الطيبة يسامح بسرعة وفي الوقت نفسه لا يطلب كثيراً، فعلى سبيل المثال فإن مدينة سترة لو مر بها «جيب شغب» قبل شهر من الآن لتم حرقه، أما الآن فإن الملك بنفسه بينهم وإذا بهم يخرجون جميعاً نساء ورجالاً وأطفالاً وحتى العجائز يهللون لاستقباله حتى حملوا سيارته بصورة لم يضاهيهم فيها أحد (لحد الآن) وأثلجوا قلبه، فضحكت المراسلة وقالت «هذه هي الصورة المعروفة عن العرب من خلال خبرتنا، فأهالي غزة كذلك يرضون بسرعة بالقليل ويتحولون من حالة المواجهة إلى الأفراح والاستقبال بالأحضان في طرفة عين».
ثم سألت «هل تعتقدين بأن التمييز الطائفي سينتهي إلى الأبد؟»، فقلت لها «هذا أمر صعب التأكد منه والجزم بشأنه منذ الآن». كان من الممكن أن تستمر هذه الأفراح لحد الآن، ولو سرنا على الوتيرة نفسها لكنا قد وصلنا الآن لمصاف أفضل الدول ديمقراطياً، فما سبب كل الانتكاسات التي بدأت بالتغيير غير المتوافق عليه للدستور والذي أسس لكل ما لحقه من انتكاسات، حيث أسس للتفرد بالتشريع، فتلاه التوزيع غير العادل للدوائر الانتخابية والقوانين المجحفة التي أخذت تمثل التفافاً على الميثاق وعودة للعهد السابق عليه، فمن قوانين الجمعيات والتجمعات والإرهاب إلى قانون الصحافة، هذا غير بقاء ملفات الفساد المالي والإداري والتمييز والمحسوبية على حالها بسبب تشوه آلية المحاسبة (البرلمان). أضف إلى ذلك كله التقرير المثير، وهذا كله طبعاً يسيء لسمعة الحكومة دولياً ويعيد حالة السخط الشعبي.
فقد جاء في تقرير مشترك لمؤسسة «كارنيغي» الأميركية غير الحكومية ومؤسسة «فرايد» الإسبانية عن مؤشرات الإصلاح السياسي في دول العالم، غطى التطورات حتى آخر ,2007 أن «التمييز في مملكة البحرين معمول به ضد الأجانب وضد المواطنين وضد المرأة بشكل واسع[1]».
وقد فصل التقرير كثيراً بشأن عدم استقلالية القضاء والتمييز الطائفي وعدم عدالة توزيع الدوائر وانخفاض مؤشر حرية الصحافة، وعن طريق منظمة «مراسلون بلا حدود»، فإن البحرين قد حصلت على المرتبة 118 من 169 بلداً، والمؤشر يمتد من المرتبة «1» (الأكثر حرية في الصحافة) إلى 169 (الأقل حرية). لقد افتقدنا أهم صمام أمان وهو الحوار بين الحكومة والمعارضة. فقد كان بداية الإصلاح بين الملك والشيخ الجمري ثم بعد فترة من الانتكاسة حدث ما يشبه الحوار بين جمعيات المعارضة الأربع وبين الحكومة ممثلة في وزير العمل، وهو غير جدي وكأنه لذر الرماد في العيون وانقطع، ولم نرَ شيئاً بعده. والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا حدثت هذه الانتكاسة في الإصلاح؟ ومن المسؤول؟ هل هي ضغوط خارجية على الحكومة؟ أم خلافات داخل البيت الواحد الحكومي؟ وإلى متى سيستمر هذا الانحدار؟ ألا من وقفة جريئة من مسؤول حكومي شجاع حكيم يشعر بقيمة هذه السفينة التي إن غرقت أغرقت الجميع معها فيعيد المسيرة إلى جادة الطريق؟
[1] يمكن قراءة التقرير في موقع مؤسسة «كارنيغي» على الإنترنت على الرابط: www.carnegieendowment.org
* كاتبة بحرينية
للتعليق والحوار مع الكاتبة: afaf39474225@gmail.com
Subscribe to:
Posts (Atom)